واجهة مكتبة الإسكندرية مغطاة بأنظمة كتابية لسبب وجيه

ADVERTISEMENT
ADVERTISEMENT

المثير للدهشة في هذا الجدار أنه لا يطلب منك أن تقرأه من أوله إلى آخره؛ فالخطوط المنحوتة فيه موجودة لا لكي تُقرأ سطراً سطراً بقدر ما هي موجودة لكي تجعل عادة البشر الطويلة في تدوين المعرفة مرئية على مقياس معماري.

في مكتبة الإسكندرية، في الإسكندرية، التي صممتها Snøhetta، تتجسد هذه الفكرة في الحجر. وقد درجت التغطيات المعمارية على وصف الواجهة الخارجية المصنوعة من الغرانيت بأنها منقوشة بنظم كتابية من أكثر من 100 لغة؛ وتذهب بعض المصادر إلى أن العدد يزيد على 120، كما أشارت ArchDaily إلى الجدار المنحوت بوصفه سطحاً نحتياً تبلغ مساحته 6,000 متر مربع. وهذه الحقائق مهمة لأنها تخبرك أن الأمر ليس مجرد لمسة زخرفية جانبية، بل إن المبنى يعبّر بوضوح عما وُجدت المكتبة لأجله.

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

6,000 متر مربع

تبلغ الواجهة الغرانيتية المنحوتة حجماً يجعلها تؤدي وظيفة بيان مدني واسع النطاق عن المعرفة، أكثر من كونها صفحة تُقرأ.

صورة بعدسة Abdallah MK على Unsplash

لماذا يبدو هذا الجدار قابلاً للقراءة، لكنه في الحقيقة يطرح حجة أكبر

لنبدأ بالحقيقة الواضحة: الكتابة تدعو إلى القراءة. فإذا رأيت علامات منحوتة تشبه الحروف، بدأت عينك تبحث عن كلمة، ثم جملة، ثم معنى ثابت يمكنك الإمساك به.

لكن هذه الواجهة تتجاوز سريعاً تلك العادة. فهي أكبر من أن تُقرأ، وأكثر تنوعاً، وأكثر عمومية. ولا يستطيع شخص واحد أن يقف هناك ويقرأها كلها بوصفها نصاً بأي معنى عملي. وهذا ليس عيباً في التصميم، بل هو التصميم ذاته.

وتقوم الحجة هنا على ثلاث سمات مترابطة: الحجم، والتنوع، والموضع.

🏛️

لماذا تنجح الواجهة بوصفها حجة عامة

يتصرف الجدار أقل كأنه صفحة قابلة للقراءة، وأكثر كأن العمارة نفسها تجعل رسالة المكتبة مرئية قبل أن يدخلها أحد.

الحجم

تمتد النقوش على سطح غرانيت ضخم، بحيث يعمل الجدار كإشارة مدنية لا كصفحة.

التنوع

أكثر من 100 نظام كتابي، وبحسب بعض الروايات أكثر من 120، تعرض أنظمة الكتابة بصيغة الجمع، لا رسالة واحدة بلغة واحدة.

الموضع

ولأن النقوش موجودة على الواجهة الخارجية للمكتبة، فإن المبنى يعلن غايته قبل أن يصل الزائر إلى رف أو يفتح كتاباً.

ADVERTISEMENT

مبنى كهذا لا ينتظر منك أن تدخل لتكتشف رسالته، بل يضع هذه الرسالة على جلده.

وهذا مهم لأن المكتبات ليست مجرد مستودعات للكتب، بل هي وعود عامة تتعلق بالذاكرة، والإتاحة، وبحقيقة أن البشر يواصلون ترك السجلات بعضهم لبعض. ومن خلال نحت الأنظمة الكتابية في الحجر، تحوّل مكتبة الإسكندرية الكتابة نفسها إلى مادة بناء.

فما الذي تنظر إليه هنا: زخرفة أم إعلان؟

إنه إعلان يستخدم أدوات الزخرفة. وحتى إذا تعاملت عينك أولاً مع العلامات بوصفها نمطاً، فهذا يدعم الفكرة أيضاً. يعمل الجدار على مسافتين في آن واحد: عن قرب يبدو كتابة؛ ومن بعيد يُقرأ بوصفه كتلة من النقش الإنساني، حقيقة مبنية تقول إن الحضارة تعتمد على علامات تبقى بعد أن تخفت الأصوات.

جرّب هذا الاختبار الصغير وأنت واقف هناك

راقب ما تفعله عيناك. هل تحاولان فك سطر واحد، أو نظام كتابة واحد، أو أبجدية مألوفة واحدة؟ أم تتخليان عن توقع قراءة كل شيء وتبدآن في استيعاب الجدار بوصفه كلاً واحداً؟

ADVERTISEMENT

هذا التحول الصغير يلخص حجة المقال كلها في صورة مصغرة. ففي اللحظة التي تتوقف فيها عن انتظار رسالة واحدة قابلة للقراءة، وتبدأ في الإحساس بالكتابة نفسها على مقياس عام، تنكشف الواجهة أمامك. إن استحالة الإحاطة بها ليست إخفاقاً، بل هي جوهر الفكرة. فلا أحد يستطيع أن يحمل وحده كل كتابة البشر، لكن يكاد أي شخص أن يدرك أن الكتابة من الأشياء التي جعلت المدن، والقوانين، والعلم، والدين، والأدب، والذاكرة ممكنة.

ما الذي تقوله المكتبة قبل أن تعبر عتبتها حتى

هنا تحديداً تتحول مكتبة الإسكندرية إلى دراسة حالة دقيقة، لا إلى مجرد موضوع مبهر. فالمكتبات تعلن عن نفسها عادة باللافتات، والرايات، والأبواب، وربما بدرج فخم. أما هذه المكتبة فتستخدم جدارها الخارجي لتعلن غايتها قبل الدخول: المعرفة لها لغات كثيرة، وتواريخ كثيرة، ولا يملكها طرف واحد.

ADVERTISEMENT

وقد وصفت Snøhetta المبنى من زاوية حضوره العام وثقافته المشتركة، وعاد النقاد مراراً إلى ذلك الجدار الغرانيت المنحوت لأنه يجعل المؤسسة مقروءة من الخارج إلى الداخل. لا تحتاج إلى معرفة نظام الفهرسة. فالواجهة أخبرتك بالفعل بالحجة الكبرى: هذا المكان ينتمي إلى السجل المكتوب للإنسانية.

ولا يعني هذا التأويل الرمزي أن كل الزوار سيستجيبون له بالطريقة نفسها. فبعض الناس سيلتقون الواجهة أولاً بوصفها نصباً أو نمطاً أو سطحاً منحوتاً، لا بوصفها «كتابة». وهذا مفهوم. فالمباني كثيراً ما تصل إلينا في طبقات، وهذا المبنى مصمم تحديداً لكي يفعل ذلك.

وماذا لو كان مجرد زخرفة أو علامة مؤسسية؟

الاعتراض هنا مباشر، لكن حجم المبنى ومادته وموضعه ترد عليه.

زخرفة أم بيان مؤسسي؟

اعتقاد شائع

النقوش الكتابية ليست سوى زخرفة أو صيغة مصقولة من العلامة الثقافية.

الواقع

على الواجهة الخارجية لمكتبة كبرى، منحوتة في الحجر، وعلى امتداد واجهة متعددة اللغات وموثقة بهذا الحجم، تتعاضد الزخرفة والإعلان فيتحول الجدار إلى خطاب عام.

ADVERTISEMENT

هذا اعتراض وجيه. فقد تكون هذه الأنظمة الكتابية مجرد زخرفة، أو طريقة مصقولة لقول «ثقافة عالمية» من دون قول شيء أكثر من ذلك.

لكن على واجهة مكتبة، ومنحوتة في الحجر، وعلى امتداد واجهة متعددة اللغات وموثقة بهذا الحجم، لا تُلغي الزخرفةُ الإعلانَ ولا الإعلانُ الزخرفة، بل يعزز كل منهما الآخر. فالجمال يجذبك، بينما يخبرك الحجم والموضوع بما تعتقد المؤسسة أنها تخدمه. ولو ظهرت العلامات نفسها كعنصر صغير في بهو داخلي، لكانت الحجة أضعف. أما على الجدار الخارجي لمكتبة كبرى، فإنها تصبح خطاباً عاماً.

ولهذا تبدو هذه الواجهة مهمة حتى حين لا تستطيع قراءة علامة واحدة. فهي لا تحجب الرسالة عنك، بل تمنحك الرسالة الأكبر.

في المرة المقبلة التي يبدأ فيها مبنى بالكلام

يمكن للمكتبة الجيدة أن تعلن غايتها قبل أن يدخلها أحد. وتفعل مكتبة الإسكندرية ذلك بتحويل الأنظمة الكتابية إلى عمارة، والعمارة إلى بيان مدني عن الذاكرة.

ADVERTISEMENT

لذلك، في المرة المقبلة التي تقف فيها أمام مبنى تغطيه النقوش، لا تسأل فقط عما يقوله، بل اسأل أيضاً لماذا يتكلم أصلاً. فهذا التحول الصغير سيساعدك على قراءة الجدران كما تقرأ الكتب: بوصفها اختيارات بشأن ما يريد مجتمع ما أن يحتفظ به.

وإذا لم تستطع قراءة كل ما أمامك، فهذا لا يضعك خارج الحكاية. بل يضعك تماماً حيث يعيش معظمنا: داخل عالم إنساني صنعته كتابة أكثر مما يمكن لأي شخص واحد أن يحيط به، ومع ذلك ما يزال يدعوك إلى الدخول.