ما يبدو لنا صامتًا ليس صامتًا بالنسبة إلى القط؛ ففي الغرفة نفسها لا يكاد الإنسان يسمع شيئًا، بينما قد يكون القط يتتبّع إشارات لا نستطيع نحن أصلًا رصدها. تلك هي الحقيقة البسيطة الكامنة وراء كثير من سكون القطط: الصمت وهمٌ بشري، لا واقع يعيشه القط.
عرض النقاط الرئيسية
قد يجلس قط في حظيرة أو غرفة طينية أو مخزن مؤن أو غرفة جانبية منتصبًا مدة طويلة من دون هدف ظاهر أمامه. وقد يبدو ذلك لنا أمرًا غامضًا. لكن الأمر غالبًا أبسط من ذلك. فلعل الحيوان يصغي إلى قناة مزدحمة لا تلتقطها آذاننا أصلًا.
لعلّك شاهدت هذه اللحظة من قبل. يقف القط ساكنًا قرب جدار أو صندوق علف. ويرتفع جسده قليلًا. ثم تميل أذناه وتثبتان. ومع ذلك لا يسمع أي إنسان قريب أي صوت بعد.
تصير هذه الهيئة مفهومة إذا بدأتَ من القط لا منّا نحن. فأذنا القط لا تلتقطان الصوت فحسب، بل تدوران أيضًا بمساعدة عضلات صغيرة كثيرة، وهذه الحركة تساعد القط على تضييق نطاق مصدر الصوت الخافت. وغالبًا ما تتبع النظرةُ الأذنين، لا العكس.
قراءة مقترحة
وقد قاس الباحثون جانبًا من هذه الأفضلية قياسًا مباشرًا. ففي عام 2023، عرضت م. شارلوت كروغر وزملاؤها عملًا في اجتماع تابع لـ Journal of the Acoustical Society of America، استخدموا فيه اختبار استجابة جذع الدماغ السمعية لدى القطط المنزلية. وتسجّل هذه الطريقة الاستجابة الكهربائية للدماغ للصوت، لذلك فهي تقيس حساسية السمع من دون الاعتماد على التخمين بشأن السلوك.
وتنسجم النتيجة العامة مع ما يقوله علماء السمع منذ سنوات: فالقطط تسمع جيدًا في نطاق الترددات فوق الصوتية، أي فوق الحد الأعلى للسمع البشري الطبيعي. فالإنسان يبلغ عادة نحو 20 كيلوهرتز كحد أقصى. أما القطط فتسمع أعلى من ذلك بكثير، وهذا مهم لأن بعض الحيوانات الصغيرة التي تتعقبها تُصدر أصواتًا تقع تحديدًا في ذلك النطاق المرتفع.
وقد كتبت كروغر أيضًا عن هذا الأمر على نحو أوسع في Acoustics Today، حيث وضعت القطط ضمن الثدييات البرية القادرة على سماع الموجات فوق الصوتية. والنقطة المفيدة للقارئ العادي هنا ليست التسمية، بل النتيجة المترتبة عليها. فالغرفة التي تبدو لنا شبه ميتة قد تكون مليئة بإشارات صغيرة حادة بالنسبة إلى القط.
إليك ما يجدر الاحتفاظ به: الفئران والجرذان لا تُصدر فقط حكًّا ووقعًا نستطيع سماعهما. فهي تطلق أيضًا نداءات فوق صوتية تتجاوز نطاق السمع البشري. وقد جرى توثيق ذلك منذ عقود في أبحاث القوارض، ولا سيما لدى فئران المختبر وجرذانه، حيث يسجل العلماء نداءات تقع أعلى بكثير من نطاق سمعنا.
اجمع هذه الحقائق معًا، وسيتحوّل مؤشر مذياع العلّية المسكونة بالتبن درجة أخرى. هنا يتوقف سمع الإنسان، أما سمع القط فلا. فقد يكون رقعٌ خالٍ من الجدار، أو خط بمحاذاة اللوح السفلي، أو فراغ فوق السقف، أو العتمة خلف كيس العلف، يبث نشاطًا يستطيع القط فرزه بينما تعجز أنت عن ذلك.
هل شعرت يومًا بأن الغرفة تبدو مأهولة قبل أن يتبدل فيها أي شيء مرئي؟
من جهة القط، قد يكون الهواء ساكنًا فيما تعج الأطراف بالحركة: صرير حاد في الجدار، أو خشخشة يابسة تحت القش، أو زقزقة دقيقة فوق فراغ العوارض، أو حركة خافتة خلف كيس. أنت لا تسمع جوقة من الأصوات. أما القط فقد يسمع ما يكفي ليرسم خريطة لحياة صغيرة تحت الألواح وخلف الخشب.
لهذا السبب لا تنقضّ كثير من القطط المتأهبة على الفور. فهي تبدأ أولًا بتحديد الاتجاه. ويساعد وضع الأذنين على مقارنة الفروق الدقيقة في التوقيت والشدة بين اليسار واليمين، مما يعين على تحديد مصدر الصوت. وذلك التوقف جزء من العمل نفسه.
ثم يأتي الجزء الواضح من الأدلة. فسمع الإنسان يصل عادة إلى نحو 20 كيلوهرتز. أما القطط فتسمع ترددات أعلى من ذلك بكثير. ومن المعروف أن الفئران تُصدر نداءات فوق صوتية تتجاوز نطاق السمع البشري، ومنها نداءات اجتماعية ونداءات التودد. والجرذان تفعل ذلك أيضًا. لذلك قد تكون الغرفة الفارغة في نظرنا مزدحمة صوتيًا بالنسبة إلى القط.
ولا يعني ذلك أن كل نظرة جامدة تشير إلى فريسة. فأحيانًا يكون القط مستريحًا في وضعية يقظة. وأحيانًا يكون يفرز أصوات المنزل المألوفة، أو يستنشق الهواء، أو يلاحظ تيارًا هوائيًا، أو شخصًا في الخارج، أو حيوانًا آخر أبعد مسافة. ومن الحكمة ألا نحول كل قط ساكن إلى نبي صغير.
يميل الناس إلى إضفاء مسحة رومانسية على الحيوانات الأليفة. فإذا حدّق القط في زاوية، وصفوه بأنه مخيف أو سحري أو غريب. تلك هي الحكاية السهلة. أما الحكاية الأفضل فهي أكثر رسوخًا في الواقع، وأمتع في نظري: فالقطط كثيرًا ما تستجيب لمعلومات حسية حقيقية تقع خارج نطاق إدراكنا.
أما الجزء الذي تسنده الأدلة فواضح بما يكفي. فالقطط تملك سمعًا يمتد إلى ما فوق نطاق سمعنا. والقوارض تستخدم أصواتًا فوق صوتية. وآذان القطط مهيأة للتوجّه نحو المصادر الخافتة. وهذه العناصر لا تفسر كل نظرة، لكنها تفسر عددًا كبيرًا منها من دون الاستعانة بالخرافة.
ويمكنك أن تختبر هذا بلطف في منزلك. لاحظ ما إذا كان قطك ينتبه قبل ظهور أي صوت يمكن للبشر سماعه، ولا سيما قرب الألواح السفلية أو الجدران أو الأسقف أو صناديق العلف أو الحبوب المخزنة عند الغسق. والانتباه المتكرر إلى الموضع الخفي نفسه أبلغ دلالة من نظرة واحدة درامية.
خلال هذا الأسبوع، افعل شيئًا بسيطًا واحدًا: حين يثبت قطك نظره في الرقعة الهادئة نفسها مرتين أو ثلاثًا، فلا تسارع إلى اعتبار الغرفة صامتة؛ حدّد الموضع وراقب ما الذي سمعه القط قبل أن تسمعه أنت.