ما يبدو زينةً استوائيةً يؤدي أيضًا وظيفة تكييف الهواء، وفي الطوقان ذي المنقار القاربي يحلّ مشكلةً فيزيائية بسيطة: كيف يتخلّص من حرارة جسمه من دون أن يتعرّق.
عرض النقاط الرئيسية
وهذه مسألة مهمة لأن هذا الطائر ليس صغير المنقار. فالطوقان ذو المنقار القاربي، Ramphastos sulfuratus، يتراوح طوله تقريبًا بين 42 و55 سنتيمترًا، وقد يشكّل منقاره نحو ثلث هذا الطول. وللوهلة الأولى يبدو كأنه سمة أضافتها الطبيعة للاستعراض ثم نسيت أن تبرّرها.
عادةً ما يبدأ الناس بالاستخدامات الواضحة. فمنقار الطوقان يساعده على بلوغ الثمار عند أطراف الأغصان الرفيعة، والتعامل مع الغذاء، وإرسال الإشارات إلى طواقين أخرى. وكل هذا صحيح. لكن إن توقفت عند ذلك، فاتك أجمل ما في هذا التصميم.
قراءة مقترحة
فالمنقار الكبير إلى هذا الحد يمنح الطائر مساحةً واسعةً مكشوفة. وعبر المساحة السطحية تغادر الحرارة الجسم. وهذه الحقيقة الفيزيائية البسيطة هي المدخل إلى حيلة الطوقان.
والفكرة الأساسية هنا هي أن منقار الطوقان ليس مجرد أداة للتغذي. إنه أيضًا مشعّ حراري. ليس مشعًّا مصنوعًا من الحديد بالطبع، بل جزء من الجسم يستطيع أن يطلق الحرارة إلى الهواء حين يحتاج الطائر إلى التبريد.
يبدو المنقار صلبًا، لكن داخله شبكة من الأوعية الدموية. وعندما يُدفَع مزيد من الدم الدافئ إلى المنقار، ترتفع حرارة سطحه. وما إن يصبح هذا السطح أدفأ من الهواء المحيط، حتى تبدأ الحرارة بالتدفق إلى الخارج.
وهذه هي النسخة السريعة. يزداد تدفق الدم. يسخن المنقار. تتسرّب الحرارة عبر ذلك السطح العريض. يبرد الدم قليلًا. ثم يتغيّر الضبط من جديد كلما تغيّرت الظروف. هكذا تعمل الآلية باختصار.
وقد أظهر الباحثون ذلك بوضوح في عام 2009، حين نشر غلين ج. تاترسال وزملاؤه بحثًا في مجلة Science بعنوان «Toucan bills as thermal radiators». وباستخدام التصوير الحراري بالأشعة تحت الحمراء على طيور الطوقان الضخمة المنقار، وجدوا أن هذه الطيور تستطيع تعديل تدفق الدم إلى المنقار واستخدامه مشعًّا حراريًا وعائيًا قابلًا للتحكم، أي سطحًا مطلقًا للحرارة تغذّيه الأوعية الدموية ويمكن للطائر أن يرفع أداءه أو يخفضه بحسب الحاجة.
وهذه الدراسة هي نقطة الارتكاز هنا. فأشهر القياسات المباشرة أُجريت على الطوقان الضخم المنقار القريب الصلة، لا على الطوقان ذي المنقار القاربي نفسه. لذلك فالصياغة الدقيقة ليست أن كل رقم في تلك الورقة ينتقل من نوع إلى آخر، بل إن الطوقان ذا المنقار القاربي يُرجّح جدًا أنه يستخدم المنطق نفسه في منقاره، لأنه يملك منقارًا ضخمًا مماثلًا وغنيًا بالأوعية الدموية، ويعيش في ظروف استوائية حارة تجعل تنظيم الحرارة أمرًا مهمًا.
توقف عند صورة الطائر وهو جالس ساكنًا في حرّ المظلة الشجرية. لا مطاردة مثيرة، ولا قذف للثمار. مجرد جسد يحافظ على حرارته في هواء دافئ. وحتى في تلك الحال، لا يكون المنقار زينةً خاملة. بل يظل جزءًا من نظام الطائر الحراري اليومي.
وهذا هو الجانب الذي يفوت كثيرين. فنحن نميل إلى ملاحظة تصميم الحيوان حين يتحرك. لكن تنظيم الحرارة كثيرًا ما يبدو كأنه لا شيء تقريبًا، مجرد تحوّل طفيف في تدفق الدم يؤدي عملًا ثابتًا بينما يبدو الطائر بالكاد فاعلًا أي شيء.
إذا رأيت المنقار إلى جوار بقية جسم الطائر، فقد يبدو شبه مُربك في حجمه. لذا إليك اختبار الانطباع الأول الصريح: في غابة مطيرة حارة، هل تبدو لك هذه المساحة المكشوفة كلها تصميمًا سيئًا أم تصميمًا جيدًا؟
الجواب المغري هو أنه تصميم سيئ. شمس أكثر مما ينبغي، وحرارة أكثر مما ينبغي، ومنقار أكثر مما ينبغي. لكن هنا تنقلب الصورة. فالمساحة الكبيرة المكشوفة نفسها التي تبدو ثقيلة أو غير عملية هي بالذات ما يجعل المنقار مفيدًا بوصفه عتادًا للتبريد.
والدليل المباشر هو أن دراسة تاترسال في Science عام 2009 أظهرت أن منقار الطوقان قادر على طرح حصة كبيرة من حرارة الجسم عبر تغيير تدفق الدم خلاله. وما إن تعرف ذلك، حتى لا يعود المنقار مجرد منقار ذي ألوان زائدة، بل يصبح أشبه بمشعّ قابل للضبط مثبت في وجه الطائر.
وعد العنوان يتضمن جانب التغذي، ولا ينبغي التغاضي عنه. فالمنقار الطويل الخفيف يتيح للطوقان بلوغ الثمار عند نهايات الأغصان التي قد لا تحتمل وزن جسمه، كما يساعده على تناول الغذاء بدقة. وقد ربط الباحثون منذ زمن طويل شكل منقار الطوقان بسلوكه الغذائي.
والخطأ هو الظن أن المنقار لا بد أن تكون له وظيفة واحدة. فأعضاء الحيوان كثيرًا ما تُبنى مثل الأدوات الجيدة في الورشة: تُشكَّل لتخدم أكثر من استعمال واحد في الوقت نفسه. وفي حالة الطوقان، تساعد التغذية في تفسير مدى المنقار وشكله، بينما يساعد تنظيم الحرارة في تفسير لماذا لا يكون حمل هذا القدر من المنقار في بيئة حارة عبئًا كما يبدو لأول وهلة.
قد يعترض قارئ معقول هنا. فإذا كان النوع المذكور في العنوان هو الطوقان ذو المنقار القاربي، فهل يصح حقًا أن نعتمد على دراسة تناولت الطوقان الضخم المنقار؟ نعم، لكن بحذر.
فالأدلة المباشرة من التصوير الحراري تأتي من ورقة تاترسال وزملائه في Science عام 2009 عن طيور الطوقان، وكانت أشهر القياسات فيها على الطوقان الضخم المنقار. أما بالنسبة إلى الطوقان ذي المنقار القاربي، فالموقف العلمي السليم هو الاستدلال لا المبالغة في الجزم: تشابهٌ في تشريح المنقار الضخم، وتشابهٌ في الموطن الحار، والقواعد الفيزيائية نفسها لتبادل الحرارة، كلها تجعل وظيفة المشعّ الحراري شديدة الاحتمال، حتى حيث تكون القياسات الخاصة بهذا النوع أقل وفرة.
وحين تستوعب ذلك، يتوقف منقار الطوقان ذي المنقار القاربي عن الظهور بوصفه إسرافًا استوائيًا، ويبدأ في الظهور بوصفه معدّات بقاء تصادف أيضًا أنها تلتقط الثمار.