ميناء الإسكندرية بين الماضي والحاضر: من مركز تجاري قديم إلى مدينة مينائية نابضة بالحياة

ADVERTISEMENT

ليست الإسكندرية مدينةً فقدت نفعها وبقيت شهرتها فحسب؛ فهي لا تزال الميناء البحري الرئيسي في مصر، ويمكنك أن تلمس ذلك من حركة المياه العاملة، حيث تواصل القوارب الصغيرة الدخول والخروج بدلًا من أن تقف كآثار معروضة.

عرض النقاط الرئيسية

  • لا تزال الإسكندرية الميناء الرئيسي لمصر، ما يجعل ميناءها جزءًا حيًا من المدينة لا مجرد خلفية لأمجادها القديمة.
  • يركز كثير من الزوار على الإسكندر والمكتبة وفاروس، لكن هذه الروايات قد تحجب حقيقة أن الميناء لم يتوقف يومًا عن أداء وظيفته.
  • كان الميناء الشرقي يؤدي أدوارًا ملكية وعسكرية وتجارية، قبل أن يتحول لاحقًا إلى الصيد وأعمال بحرية صغيرة النطاق.
  • ADVERTISEMENT
  • لا تعني الاستمرارية في الإسكندرية أن الواجهة البحرية بقيت على حالها، بل إن المدينة واصلت استخدام حافتها البحرية وتكييفها مع المتغيرات.
  • تكشف القوارب الصغيرة ورسوهَا المتكرر وأعمال الإصلاح والحركة اليومية أهمية الميناء الحقيقية بوضوح يفوق ما تكشفه الآثار.
  • تدعم أبحاث مركز الدراسات السكندرية واليونسكو فكرة أن أجزاء من الميناء القديم ظلت نشطة ولكن بأدوار جديدة.
  • تنجو قصة الإسكندرية التاريخية بأصدق صورها حيث تظل الواجهة البحرية تؤدي عملها، بما يثبت أن المنفعة حفظت معناها أكثر مما فعلت العظمة.
تصوير أيدن كول

وهذا مهم، لأن كثيرًا من المسافرين يصلون وقد استقرّت في أذهانهم الحكاية القديمة سلفًا: الإسكندر، والمكتبة المفقودة، وفاروس، والآثار الغارقة تحت البحر. هذه الأشياء تنتمي إلى الإسكندرية. لكنها قد تحجب عنك أيضًا أبسط حقيقة تخص المرفأ، وهي أنه لم يتوقف يومًا عن كونه مرفأً.

الخطأ هو الظن أن العظمة كان لا بد أن تتجمد في مكانها

تقول «بريتانيكا» ذلك بوضوح: الإسكندرية هي الميناء البحري الرئيسي في مصر ومركز صناعي كبير. وهذه ليست حاشيةً على المدينة القديمة، بل هي الحقيقة الحديثة التي ينبغي أن تأتي أولًا، لأنها تخبرك أن الواجهة البحرية ليست مجرد ديكور أُقيم حول اسم ذائع الصيت.

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

في العصور القديمة، ارتبطت موانئ الإسكندرية بالسلطة الملكية والتجارة والحرب. وكان الميناء الشرقي، على وجه الخصوص، قائمًا إلى جوار الحي الملكي القديم، قريبًا من المنطقة المرتبطة بالبطالمة وبالصورة العامة العظيمة للمدينة. وإذا كنت تعرف هذا التاريخ، فمن السهل أن تفترض أن المرفأ الحقيقي ينتمي إلى عالم مفقود، وأن الشاطئ الحديث ليس إلا ما جاء بعده.

هذا الافتراض يجعل الحاضر يبدو أصغر مما هو عليه. فقد يبدو رصيف حديث تعج به القوارب المحلية وأعمال الإصلاح ورسوه المتكرر والتجارة اليومية أقل شأنًا من حوض ملكي. لكن الميناء العامل لا يحتاج إلى أن يحتفظ بالحجم نفسه أو بالمستخدمين أنفسهم لكي يحتفظ باستمراريته؛ يكفي أن يظل يخدم المدينة عبر البحر.

وهنا تصبح الإسكندرية أكثر إثارة للاهتمام من أثر محفوظ. فالمرفأ لم يبقَ لأنه ظل بلا تغيير، بل بقي لأنه غيّر وظائفه.

ADVERTISEMENT

ويصف مركز الدراسات السكندرية، وهو المركز البحثي الفرنسي المصري الذي درس ماضي الإسكندرية الغارق وتاريخها العمراني لسنوات، الميناء الشرقي بعد انحسار أهميته العسكرية القديمة بأنه مكان ارتبط على نحو متزايد بالصيادين وبالأنشطة الصغيرة النطاق. وتعرض مواد اليونسكو عن التراث الغارق في الإسكندرية الفكرة العامة نفسها بعبارات أوضح: فقد بقيت أجزاء من منطقة المرفأ القديم قيد الاستخدام، ولكن بوظائف مختلفة، منها الصيد والأعمال البحرية المحلية.

لذا، إذا أردت أوضح مقارنة بين القديم والجديد، فابدأ من هنا. فقد تحوّل الميناء الملكي إلى ملاذ للصيادين، وأصبح المرفأ العسكري مكانًا لقوارب العمل المحلية. وحلّت اللوجستيات اليومية محل الشهرة الأثرية المهيبة. ولم تتلاشَ البوابة القديمة في ذاكرة خالصة؛ بل ضاقت، وتحوّلت، واستمرت.

ADVERTISEMENT

ما الذي تقوله لك المياه حين لا تقول لك الآثار شيئًا

ثمة اعتراض وجيه هنا. فجزء كبير من الإسكندرية القديمة قد اختفى، أو غمرته المياه، أو بُني فوقه من جديد، أو حجبه العمران اللاحق عن الأنظار. ولا يمكنك أن تقف على الواجهة البحرية وتتظاهر بأن المشهد كله وصل سليمًا من العصر الهلنستي. فبعضه يرقد تحت الماء، وبعضه لا يبقى منه إلا في علم الآثار والخرائط والشذرات.

لذلك، لا تعني الاستمرارية هنا تماثلًا لم يمسّه شيء. إنها تعني أن الحد الفاصل بين المدينة والبحر ظل يُستخدم ويُكيَّف ويُصلَح ويُعاد تعريفه من قِبل الناس الذين يعيشون إلى جواره.

ثم عد بنظرك إلى الحاجز وتأمل من جديد. فالمسألة ليست مسألة عظمة، بل حركة عن قرب.

أنت تسمع ذلك قبل أن تستوعبه في ذهنك: ذلك القعقاع الخفيف لأبدان القوارب وهي تصطدم بعضها ببعض عند الرصيف، ذلك الطرق الخشبي القصير الذي لا يخص إلا مكانًا تدخل إليه المراكب كثيرًا، وتمكث فيه متقاربة، ثم تخرج منه من جديد. قد يكون الصوت متواضعًا، لكنه يقول لك الكثير. فهذا مرفأ ينتظم حول الاستخدام المتكرر والمناورة الضيقة والحواف العاملة، لا حول فراغ احتفالي.

ADVERTISEMENT

وهنا تكمن المفاجأة البنيوية في الإسكندرية. فبمجرد أن تعرف هيبة المرفأ القديم، وأن تعرف أن أجزاءً منه غدت الآن غارقة أو متبدلة، تتوقف القوارب العادية في منطقة الواجهة البحرية نفسها عن الظهور كخلفية للمشهد. إنها تصبح دليلًا.

وإذا وقفت هناك يومًا، فامنح نفسك اختبارًا صغيرًا. لاحظ ما إذا كانت علامات الحياة تأتي من الحجم والحركة لا من الاستعراض: قوارب صغيرة، ورسوه متكرر، واستدارات سريعة، وأسطح عمل مرقعة، وأناس يستخدمون الماء من دون ضجيج. ففي الإسكندرية، غالبًا ما تكون الاستمرارية هناك.

لماذا بقي المرفأ حيًّا حين صار أقل فخامة

المدن التي تعيش على البحر نادرًا ما تحتفظ بوظيفة واحدة مرتبة زمنًا طويلًا. فطرق التجارة تتبدل، والإمبراطوريات تتفكك، والسواحل يترسب فيها الطمي أو تتعمق أو تتغير استخداماتها. والمرافئ التي تنجو تكون غالبًا تلك التي تقبل بدور أكثر تواضعًا بدلًا من أن تموت مع دورها العظيم الأول.

ADVERTISEMENT

وتنطبق الإسكندرية على هذا النمط انطباقًا مباشرًا. فقد جاءت شهرة المدينة القديمة، جزئيًا، من رموز كبرى: منارة فاروس، والمنشآت الملكية، والتجارة بعيدة المدى، والطموح الإمبراطوري. أما حقيقة المدينة الحديثة فأكثر عملية. ووصف «بريتانيكا» للإسكندرية بأنها الميناء الرئيسي للبلاد هو الإطار الأوسع. أمّا الحياة اللاحقة للميناء الشرقي بوصفه منطقة للصيادين ولصيد تجاري صغير، كما يصفها مركز الدراسات السكندرية وترددها اليونسكو، فهي التفصيل القريب الذي يجعل ذلك الإطار مقنعًا.

ولا يحفظ كل امتداد من الساحل هذه الحكاية بالقدر نفسه من الوضوح. فبعض الأماكن يُظهر الانقطاع أكثر مما يُظهر الاستمرار. لكن إذا كنت تسأل ما إذا كانت الإسكندرية أسطورة مهدمة أم واجهة بحرية لا تزال حيّة، فإن المرفأ يقدم الجواب الأعدل: كلا الخطين مربوطان إلى الوتد نفسه.

ADVERTISEMENT

لم تفقد المدينة القديمة معناها حين لم يعد الميناء الملكي ملكيًّا. بل احتفظت بمعناها لأنها ظلت نافعة للناس على الشاطئ.

والمفاجأة أن تاريخ الإسكندرية يبقى على أصدق صورة لا حيث تبدو الواجهة البحرية محنطة، بل حيث لا يزال يتعين عليها أن تعمل.