أشجار الشوارع تفعل أكثر من مجرد إلقاء الظل؛ فهي تغيّر طريقة امتصاص الطريق للحرارة وتخزينها وعكسها، ما قد يجعل جزءًا من الشارع أهون وقعًا على بشرتك ورئتيك، وهذه الآلية من الوضوح بحيث يمكنك ملاحظتها في نزهتك التالية.
وهذا مهم لأن جسمك لا يختبر الصيف رقمًا واحدًا في كل مرة. فهو يشعر بالشمس من الأعلى، وبالحرارة المتصاعدة من الرصيف من الأسفل، وبهواء أكثر دفئًا يحيط به. والشارع الذي تصطف فيه الأشجار يمكنه أن يقطع هذه العناصر الثلاثة جميعًا.
هذا ليس انطباعًا عاطفيًا متنكرًا في هيئة علم. ففي عام 2024، نشر ه. لي وزملاؤه مراجعة في Communications Earth & Environment جمعت 182 دراسة عبر 110 مدن أو مناطق في 17 نطاقًا مناخيًا. والخلاصة المختصرة هي أن الأشجار الحضرية تُحدث تبريدًا قابلًا للقياس، لكن حجمه يعتمد على مكانها، وكثافة الغطاء الشجري، ومدى شدة الحر.
قراءة مقترحة
إليك الفكرة كاملة منذ البداية. أشجار الشوارع تفعل أكثر من مجرد إلقاء الظل؛ فهي تغيّر كيف تمتص أسطح الطرق الحرارة وتخزنها وتطلقها، وهذا يغيّر الهواء القريب والحرارة التي يشعر بها الإنسان.
لنبدأ بأشعة الشمس. ففي شارع عارٍ من الظل، يسقط قدر كبير من تلك الطاقة الشمسية مباشرة على الأسفلت والخرسانة. وتمتص الأرصفة الداكنة هذه الطاقة وتخزنها، فترتفع حرارة سطحها بسرعة.
ثم يبدأ الشارع في ردّ ما تلقّاه. فالسطح الأكثر سخونة يبعث الحرارة إلى أعلى على هيئة إشعاع حراري، وهي العملية الأساسية نفسها التي تجعل موقفًا من الإسفلت الأسود يبدو كأنه يدفع الدفء نحو ساقيك. كما أن ذلك السطح الساخن يرفع حرارة الطبقة الرقيقة من الهواء الملامسة له.
وحين تمتد المظلة الشجرية فوق جزء من هذا الشارع، تتغير السلسلة. فالأوراق تعترض بعض أشعة الشمس الواردة قبل أن تصل إلى الرصيف. ومع دخول قدر أقل من الطاقة، يبقى سطح الطريق أبرد، فيطلق إلى أعلى دفعة أضعف من الحرارة، ويسخّن الهواء القريب بدرجة أقل.
الآلية هنا واضحة: تتدخل الأشجار في مرحلة مبكرة، فتقلّ كل مرحلة لاحقة من تسخين الشارع.
في شارع غير مظلل، تهبط الطاقة الشمسية مباشرة على الأسفلت والخرسانة.
تمتص الأسطح الداكنة تلك الطاقة وترتفع حرارتها بسرعة.
يشع الرصيف الساخن الدفء عائدًا نحو الناس، ويُسخّن الطبقة الرقيقة من الهواء فوقه.
تعترض الأوراق جزءًا من ضوء الشمس أولًا، فيبقى الطريق أبرد ويعيد قدرًا أقل من الحرارة.
يمكنك أن تشعر بالفارق في الأسفل والأعلى معًا. ففي امتداد مكشوف، تصيبك الحرارة المنبعثة من الأسفلت في ساقيك ووجهك في آن واحد. أما تحت مظلة ناضجة من الأشجار، فقد يبقى الضوء ساطعًا من حولك، لكن الدفعة الصاعدة من الحرارة تكون أخف لأن الرصيف نفسه لم يسخن بالقدر ذاته أصلًا.
فكّر في آخر مرة انتقلت فيها من جزء من الشارع بلا أشجار إلى جزء تصطف فيه الأشجار. هل كان كل ما تغيّر هو الضوء، أم أن الشارع كله كفّ عن ردّ الحرارة نحوك؟
هذه هي النقطة الوسطى التي يدركها معظم الناس في أجسادهم. فهم يعرفون سلفًا أن بعض المقاطع من الشارع يمكن احتمالها، وأن بعضها الآخر قاسٍ ومرهق. لكن ما لم يسمّوه غالبًا هو أن سطح الطريق جزء من السبب.
1% من الغطاء الشجري ≈ انخفاض قدره 0.01°م في درجة الحرارة كل ساعة
تشير دراسة ميدانية أجراها إيتنغر وزملاؤه عام 2024 إلى أن حتى الزيادات الصغيرة في الغطاء الشجري يمكن أن تتراكم آثارها على امتداد مسار المشي كله.
ودرست ورقة نُشرت عام 2024 للباحثة أ. ك. إيتنغر وزملائها في Scientific Reports أشجار الشوارع والتعرض للحرارة بالاعتماد على قياسات ميدانية لا على تقديرات الخرائط وحدها. وكانت النتيجة المباشرة بلغة بسيطة هي أن كل زيادة بنسبة 1% في الغطاء الشجري المقاس ارتبطت بانخفاض يقارب 0.01 درجة مئوية في درجة الحرارة على أساس الساعة.
قد يبدو ذلك ضئيلًا إلى أن تفكر بالمقاطع من الشارع لا بالنسبة المئوية. فإذا أضفت الغطاء الشجري على امتداد مسار مشي كامل، لا مجرد حفرة شجرة هنا وأخرى هناك، فإن هذا الانخفاض يتراكم عبر المكان والوقت. والأهم أن هذا التراجع في حرارة الهواء يضاف إلى التغيرات السطحية والإشعاعية التي يشعر بها جسمك فورًا.
إذًا لا، الأمر ليس مجرد الوقوف في رقعة ظل. فالرصيف الواقع تحت المظلة الشجرية يتصرف على نحو مختلف لساعات. إذ يمتص حرارة أقل، ويخزن حرارة أقل، ويعيد حرارة أقل.
لقد أمضيت من فصول الصيف ما يكفي وأنا أراقب شوارع المدن لأعرف هذا النمط. ففي الامتدادات المكشوفة، يصعد الركاب وهم متوردو الوجوه أصلًا، يلوحون لأنفسهم قبل أن تخفض الحافلة هيكلها حتى عند التوقف. أما حين تقف بمحاذاة صف ناضج من الأشجار، فترى الأكتاف تهبط قليلًا. لم يتغير مكان التوقف، لكن عبء الحرارة تغيّر.
سؤال وجيه. فالناس يسمعون نشرة الطقس، ويسمعون درجة حرارة واحدة للهواء، ويظنون أن هذا لا بد أن يكون القصة كلها.
لكن الجسم لا يعيش داخل نشرة الطقس. فهو يتبادل الحرارة مع الأسطح ومع ضوء الشمس أيضًا. فإذا كان الرصيف أبرد، فإنه يبعث حرارة إشعاعية أقل إلى أعلى. وإذا بعث حرارة أقل إلى أعلى، سخن الهواء فوقه بدرجة أقل. فحرارة السطح، والحرارة الإشعاعية، ودرجة حرارة الهواء المحلية، كلها تتحرك معًا.
ولهذا قد يبدو الشارع المشجّر ألطف حتى حين تبقى الدرجة الرسمية للمدينة شبه ثابتة. فالرقم المسجّل في المطار قد لا يتزحزح. أما مشيك أنت فلا يبقى كما هو.
كما أشارت مراجعة لي الكبيرة لعام 2024 إلى نقطة أخرى تستحق الصراحة: تبريد الأشجار ليس متساويًا في كل مكان. فالفوائد تختلف باختلاف المناخ، والأنواع، وكثافة الغطاء الشجري، وعرض الشارع، والمواد المحيطة، ومدى شدة الحر. وفي بعض الظروف الحارة والرطبة، أو حيث تكون الأشجار متناثرة وسيئة التوزيع، قد يكون الأثر أضعف مما يأمل الناس.
وتحتاج الأشجار أيضًا إلى وقت. فغرسة نحيلة جديدة لا تبرد مقطعًا من الشارع كما تفعل مظلة ناضجة. كما أن موضع الزراعة مهم. فالأشجار التي تظلّل الرصيف في ساعات الشمس الأقوى قد تغيّر الشارع أكثر من الأشجار التي لا يقع ظلها على سطح الطريق معظم النهار.
جرّب اختبارًا ميدانيًا بسيطًا في مشيك التالي خلال يوم حار، وفي الوقت نفسه من النهار، وعلى المسار نفسه إن استطعت. لاحظ أولًا ما تشعر به ساقاك في امتداد مكشوف. ثم لاحظهما من جديد تحت مظلة ناضجة من الأشجار. فإذا بدا المقطع الثاني أقل وكأن الأرض تردّ عليك الحرارة، فأنت لا تتوهم.
انظر إلى الرصيف، لا إلى الأوراق فقط. فالسؤال المفيد هو: هل تمتد المظلة الشجرية بما يكفي فوق الطريق والرصيف لتمنع هذه الأسطح من التحمل بالحرارة؟ هذا هو عمل البنية التحتية المبردة.
في مقطع مكشوف من الشارع، تلتقط ساقاك ووجهك الحرارة الصاعدة من رصيف محمّل بأشعة الشمس.
تحت مظلة ناضجة من الأشجار، يختزن الطريق والرصيف حرارة أقل، لذلك يقل الإحساس بأن الأرض تقذف الدفء نحوك.
وحين يقول أحدهم إن الأشجار جميلة لكنها ليست ضرورية، يمكنك أن تجيب بوضوح أكثر مما تفعل معظم وثائق التخطيط: المظلة الشجرية الجيدة تغيّر السلوك الحراري للشارع نفسه. إنها ليست زينة. إنها جزء من الكيفية التي يبقى بها الشارع صيفًا قابلًا للمرور.
في مقطعك الحار التالي من الشارع، قارن ما تشعر به من حرارة على ساقيك قبل أن تبدأ المظلة الشجرية وبعدها.