ما يبدو بقرةً تأكل العشب بهدوء هو في الحقيقة عملية ميكروبية خفية؛ فالحيوان الذي أمامك لا يعيش على العشب بقدر ما يعيش على ما تصنعه الميكروبات من عشب متخمّر.
تلك العبارة القديمة، «الأبقار تأكل العشب»، ليست خاطئة. لكنها غير مكتملة، تمامًا كما أن قول «الناس يأكلون الطعام» يظل ناقصًا إذا كنت تحاول شرح الهضم. فالبقرة تلتهم العشب فعلًا، نعم، لكن جانبًا كبيرًا من طاقتها القابلة للاستخدام يأتي لاحقًا، بعد أن تنكب جيوش من الميكروبات على هذا العشب داخل الكرش.
يمكن للبشر أن يمضغوا طبق سلطة ويهضموا أجزائه السهلة. لكننا لسنا مهيئين لاستخراج الكثير من السليلوز، وهو الليف الصلب الذي يمنح النباتات بنيتها. والأبقار مختلفة، لكن ليس لأنها تملك بنفسها قدرة سحرية على إذابة العشب.
قراءة مقترحة
فالكرش ليس معدة سحرية بقدر ما هو حجرة تخمير تحوّل فيها الميكروبات الأعلاف الليفية إلى طاقة قابلة للاستفادة بالنسبة إلى البقرة.
تمضغ البقرة العلف وتبتلعه إلى الكرش، وهو أكبر حجرات معدتها.
تفكك الميكروبات العلف، بما في ذلك السليلوز الذي لا تستطيع البقرة التعامل معه بكفاءة بمفردها.
يُنتج التخمير أحماضًا دهنية طيّارة، أو VFAs.
تمتص البقرة تلك الأحماض الدهنية الطيّارة وتستخدمها مصدرًا رئيسيًا للطاقة.
وهذا هو الجزء الذي تتجاوزه معظم الأحاديث عن المراعي. فالبقرة توفّر المضغ والبلع والخلط والخزان الدافئ الرطب. أما الميكروبات فتنجز جانبًا كبيرًا من عمل تفكيك الألياف الذي لا تستطيع البقرة القيام به وحدها.
لذلك، حين يقول الناس إن البقرة تعيش على العشب، فإن الصياغة الأدق هي أن البقرة تعيش على نواتج التخمر الميكروبي للعشب. قد يبدو هذا التعبير أكثر تدقيقًا، لكنه أقرب كثيرًا إلى الحقيقة.
في البداية، تبدو العملية بسيطة من الخارج. تقضم البقرة العلف، وتمضغ بعضه، وتبتلعه، ثم تخزنه في الكرش. وبعد ذلك تعيد جزءًا من العلف المهضوم جزئيًا إلى الفم على هيئة جِرّة، فتمضغه مرة أخرى ثم تعيده إلى الداخل.
ثم تتولى الآلية الخفية الأمر. قضم. ابتلاع. تخزين. تخمير. تهاجم الميكروبات السليلوز. تتكوّن الأحماض. يمتصها جدار الكرش. هذه السلسلة السريعة هي القصة الحقيقية للتغذية.
وتستحق الأحماض الدهنية الطيّارة الرئيسة أن نُفردها بالذكر، لأن كل واحد منها يؤدي نوعًا مختلفًا من العمل في جسم البقرة.
| الحمض الدهني الطيّار | الدور الرئيسي | لماذا يهم |
|---|---|---|
| الأسيتات | يدعم الأيض الأساسي | ويساعد أيضًا في تكوين دهن الحليب لدى الأبقار الحلوب |
| البروبيونات | يتجه إلى الكبد | ويمكن تحويله إلى غلوكوز |
| البيوتيرات | يغذي الأنسجة | ويساعد في دعم بطانة القناة الهضمية |
وصفت مراجعة نُشرت عام 2014 بقلم جيمي إي. ماكان، وه. سي. فريتلي، وزملائهما في Journal of Animal Science ميكروبيوم الكرش بأنه عنصر محوري في تغذية الأبقار وكفاءة استفادتها من العلف. وبعبارة عادية، فهذا يعني أن جسم البقرة يعتمد على مجتمع ميكروبي نشط لتحويل النباتات الليفية إلى صور يمكن للبقرة أن تستخدمها فعلًا.
إذا كانت الأبقار تأكل العشب طوال اليوم، فلماذا لا تعيش على العشب بالطريقة التي نتصور بها أكل السلطة؟
لأنه إذا سبق لك أن وقفت قرب سيلاج أو علف متخمّر، فأنت تعرف الرائحة: حادة، حلوة مائلة إلى الحموضة، ودافئة قليلًا؛ ليست عفنة تمامًا، وليست طازجة على نحو كامل. أبناء المزارع يعرفون هذه الرائحة منذ الصغر. إنها رائحة الميكروبات وهي تغيّر المادة النباتية إلى شيء آخر، وهي الدليل الصحيح هنا.
داخل الكرش، يكون هذا النوع نفسه من التحول هو أساس اللعبة كلها. تعمل البكتيريا والأوّليات والفطريات وغيرها من الميكروبات على السليلوز وغيره من الكربوهيدرات في العشب. ويحوّل التخمير هذه الأجزاء الليفية إلى أحماض دهنية طيّارة. ثم تمتص بطانة الكرش هذه الأحماض إلى مجرى الدم. هكذا تحصل البقرة على جانب كبير من طاقتها.
إذًا، لا، فالبقرة لا تعمل على شفرات العشب السليمة بالطريقة البسيطة التي توحي بها العبارة. إنها تعمل على نواتج تخمير تصنعها ميكروبات تعيش في حجرة تحملها البقرة معها طوال اليوم.
قد يكون الاعتراض العادل هنا أن الأمر يبدو مجرد تلاعب بالألفاظ. فالبقرة ما تزال تأكل العشب، بالطبع. لكن «ما يدخل» و«ما يستطيع الجسم استخدامه» ليسا الشيء نفسه.
ويتضح هذا الفرق أكثر حين تفصل بين المدخل المرئي والمخرج القابل للاستخدام.
العشب والعلف الليفي هما ما يدخل إلى البقرة.
الأحماض والمنتجات الميكروبية المتكوّنة بعد التخمير هي ما يوفّر جانبًا كبيرًا من الطاقة.
وهنا يوجد تحفّظ واحد صادق. فقول «الأبقار تعيش على ما تصنعه الميكروبات» صحيح في الاتجاه العام بالنسبة إلى المجترات السليمة، لكن جودة العلف، وتركيبة الغذاء، والعمر، والصحة، والإدارة اليومية كلها تؤثر في مدى كفاءة عمل هذا النظام. فعجل صغير مثلًا لا يستخدم كرشًا مكتمل التطور بالطريقة نفسها التي تستخدمها بقرة راعية ناضجة.
ومع ذلك، فإن الصورة العامة تصح بالنسبة إلى بقرة بالغة تتغذى على العلف. فجانب كبير من إمداد الحيوان بالطاقة لا يأتي من العشب الخام في حد ذاته، بل من الأحماض والمنتجات الميكروبية المتكوّنة بعد التخمير.
جرّب هذا الاختبار السريع مع نفسك. إذا كان عليك أن تشرح مصدر وقود البقرة في عبارة واحدة، فهل ستقول: العشب؟ أم العشب المتخمّر الذي تحوّل إلى منتجات ميكروبية وأحماض؟
هذه الصياغة الثانية هي التي يمكنك الاعتماد عليها فعلًا. فهي تشرح لماذا تستطيع البقرة أن تزدهر على نباتات ليفية لا تكاد تفيدنا بشيء. كما أنها تصيب علم الأحياء في مقتل من دون أن تحوّل المسألة كلها إلى محاضرة.
فالبقرة الواقفة في حقل أخضر تستمد طاقتها من العشب الخام بدرجة أقل بكثير مما تستمدها من المصنع الميكروبي الخفي الذي يحوّل ذلك العشب إلى وقود.