كثيرًا ما تُعامَل عينا القط على أنهما علامة جميلة على الغموض، لكن أكثر ما يميزهما عمليّ لا سحري: فحدقتا القط المنزلي العموديتان لم تُصمَّما بقدر ما يُشاع من أجل «الرؤية الليلية» على نحو مبهم، بل من أجل تقدير المسافة بدقة في اللحظة الأخيرة قبل الانقضاض، وهذا مهم لأن صياد الكمون الصغير لا تُتاح له فرص كثيرة ليُخطئ.
عرض النقاط الرئيسية
هذا هو التصويب المفيد للحكاية الشائعة. نعم، تتعامل القطط جيدًا مع الضوء الخافت. لكن الشق الذهبي الضيق في مركز العين ليس موجودًا فقط ليجعل الوجه يبدو غريبًا أو معبّرًا. إنه جزء من نظام قياس.
ذكر باحثون بقيادة مارتن س. بانكس في عام 2015 في دورية Science Advances أنه، عبر 214 نوعًا بريًا، ارتبطت الحدقات الشقية العمودية بقوة بنمط عيش محدد على وجه الخصوص: الافتراس بالكمون، ولا سيما لدى الحيوانات التي تبقى قريبة من الأرض. وهذه إشارة كبيرة إلى كيفية قراءة وجه القط. فشكل العين يعكس السلوك.
قراءة مقترحة
القط المنزلي منخفض القامة. وغالبًا ما تكون فرائسه منخفضة أيضًا. وفي هذه الهندسة، يحتاج الحيوان إلى أن يعرف على وجه الدقة متى ينطلق، لأن الانقضاض حركة قصيرة وحاسمة. والخطأ بمقدار يسير قد يعني أن تنطبق المخالب على الفراغ.
وتساعد الحدقات العمودية في ذلك عبر تحسين دلائل المسافة بطريقة محددة. وبعبارة بسيطة، فإنها تساعد العين على التقاط معلومات قوية عن مدى بُعد الشيء، وخصوصًا على مستوى الأرض أمام القط. وهذه زاوية شديدة الفائدة على العالم بالنسبة إلى صياد يظل جسمه قريبًا من السطح.
كما أنها تمنح العين مفتاح تعتيم واسع المجال على نحو غير مألوف. وهذا مهم لأن القطط لا تصطاد في ظرف ضوئي واحد منظم. فهي تتحرك بين ساحات مضيئة، وزوايا ظليلة، وشرفات عند الغسق، والضوء الخفيف السابق للظلام بقليل.
ويُذكر أن مساحة حدقة القط المنزلي تتغير بنحو 135 ضعفًا بين أضيق حالاتها وأوسعها.
وذلك تغير هائل. ففي الضوء الساطع، يمكن أن تنكمش الحدقة الشقية بشدة فتقلل الضوء الداخل. وفي ظروف أكثر خفوتًا، يمكن أن تنفتح على اتساعها فتسمح بدخول قدر أكبر بكثير من الضوء. وهكذا يحصل مفترس كمين صغير على تصميم عيني واحد يخدم الظهيرة وما يقارب الليل.
وقد تبدو الحدقات الشقية للناس زينةً، أو مزاجًا، أو حتى شيئًا مسرحيًا.
إنها أدوات لتحديد المدى.
وفي الضوء الساطع، قد تنهار حدقتا القط إلى خيطين عموديين أسودين يكادان لا يُريان. وإذا سبق لك أن شاهدت ذلك عند نافذة مشمسة، فالأمر مدهش لأن التغير بالغ التطرف. فأنت ترى على وجه القط حجم نطاقه البصري القابل للتعديل، من التحكم في ضوء النهار إلى اللحظات الخافتة الأخيرة قبل الانقضاض.
وهذه المرونة تشتري وقتًا ودقة. فالشكل الشقي يساعد على ضبط الضوء، لكنه يعمل أيضًا مع زاوية نظر القط وإشارات التركيز البصري لدعم تقدير المسافة في اللحظة الأخيرة. والحكاية المألوفة القائلة إن «القطط خُلقت للرؤية في الظلام» ناقصة. أما القول الأدق فهو أن الحدقات الشقية العمودية تساعد مفترس كمون منخفضًا إلى الأرض على تحديد المسافة في اللحظة التي يُحسم فيها النجاح أو الإخفاق.
والآن أبطئ المشهد. يتجمد القط في مكانه. ينخفض الجسد. يثبت الرأس. تنقبض الرجلان الخلفيتان، لكن شيئًا لا ينطلق بعد. إنه لا ينتظر فحسب على نحو عام، بل يثبت ساكنًا بالقدر الكافي كي يُحكم جهازه الحسي تحديد موضع الهدف في الحيز القابل للاستعمال.
ومن السهل أن تفوتك هذه الوقفة لأنها تبدو هادئة. لكنها وظيفيًا محمّلة بالعمل. فالقط لا يرى لعبةً أو ورقةً أو طائرًا فقط، بل يقدّر أيضًا متى يصبح ذلك الشيء قريبًا بما يكفي، ومصطفًّا بما يكفي، لكي تنجح دفعة هجومية قصيرة.
وهنا تتوقف العين عن كونها زينة وتصبح أقرب إلى علم المقذوفات. ليس بالمعنى الإنساني الدرامي، بل بالمعنى الحيواني المقتضب: قِس، وانتظر، ثم انطلق.
والاعتراض البديهي هنا مفهوم. فالقطط مشهورة بقدرتها على الرؤية الليلية لسبب وجيه. فأعينها كبيرة قياسًا إلى حجم رؤوسها، ولديها تكيفات أخرى خاصة بالإضاءة المنخفضة تساعدها على العمل حين نكون نحن قد بدأنا نُضيّق أعيننا بالفعل.
لكن هذا لا يلغي ما يفعله شكل الحدقة. فالقدرة على العمل في الضوء الخافت جزء من الرؤية لدى القطط. أما هندسة الحدقة الشقية العمودية فتضيف ميزة أخرى: تحكمًا واسعًا في مدى الإضاءة، إلى جانب معلومات عن المسافة تلائم صياد كمون يعمل قريبًا من الأرض.
وهناك أيضًا حدٌّ يجدر التصريح به. فالكلام هنا عن الشيء الذي صُممت له عيون القطط على نحو أمثل، لا عن الشيء الوحيد الذي تفعله. وهذا لا يعني أن كل قط ذي حدقات شقية بارع في الصيد داخل المنزل، كما أن شكل العين وحده لا يفسر الرؤية كلها لدى القطط.
إذا أردت أن ترى الآلية بدلًا من الاكتفاء بسماع الحديث عنها، فراقب قطًا قرب نافذة مضيئة، ثم راقبه مرة أخرى عند الغسق. ولاحظ كيف تشتد الحدقتان في الضيق ثم تنفتحان من جديد. لا تضع ذلك في خانة «المزاج» أو «الغموض». بل اقرأه بوصفه مدى صيد قابلًا للتعديل، مدمجًا في وسط وجه حيوان أليف.
للوهلة الأولى، قد تبدو عينا القط ناعمتين وزخرفيتين. لكن مع هذه الفكرة، ستبدوان على نحو مختلف: شريط قياس مخبوءًا في المخمل، جاهزًا للمسافة الدقيقة التي ينجح عندها الانقضاض أو يفشل.