في السودان أهرامات باقية أكثر مما في مصر. ومن أبرز المواقع التي تجعل هذه الحقيقة صحيحة مروي في السودان، وهي جزء من موقع اليونسكو «المواقع الأثرية في جزيرة مروي». وهذه لم تكن نسخًا مصرية مقلدة أُلقي بها في الصحراء الخطأ؛ بل شيدها العالم الكوشي، على يد حكام نوبيين استخدموا الأهرامات مدافن ملكية.
وغالبًا ما تجعل هذه الحقيقة الصغيرة الناس ينتبهون، لأن معظمنا تلقّى في المدرسة الخريطة الذهنية نفسها تقريبًا: الأهرامات تعني مصر، لا أكثر. ومروي هو ما تراه حين تقلب تلك الخريطة وتنتبه إلى مملكة كاملة على الجانب الآخر.
قراءة مقترحة
200+ هرم
تذكر National Geographic أن جبانة مروي تضم أكثر من 200 هرم، وهو ما يساعد على تفسير كون السودان يضم أهرامات باقية أكثر من مصر.
فلنوضح الفكرة الأساسية أولًا. فقد ذكرت National Geographic أن جبانة مروي تضم أكثر من 200 هرم، وهذا جزء من السبب الذي يجعل السودان يضم أهرامات أكثر من مصر. وهذا هو الرقم المفاجئ الذي يردده الناس، وفي هذه الحالة فالمفاجأة حقيقية فعلًا.
لكن لا بد من وضع الحد الصادق لهذه الحقيقة، لأن أي معلومة لا تفيد إلا إذا عرفت حدودها. فقولنا «أهرامات أكثر» لا يعني أنها أكبر من الهرم الأكبر في الجيزة، ولا أقدم من أقدم مراحل بناء الأهرامات في مصر، ولا أشهر منها على مستوى العالم. فما تزال مصر تحتفظ في أذهان الناس بالصورة الكبرى من حيث الحجم والقِدم والشهرة.
| السؤال | السودان/مروي | مصر |
|---|---|---|
| عدد الأهرامات الباقية | العدد الإجمالي أعلى، ومروي وحدها تضم أكثر من 200 هرم | العدد الإجمالي الباقي أقل |
| صورة الحجم والقِدم | أصغر حجمًا عمومًا وأحدث زمنًا | موطن الأهرامات الأشهر الأقدم والأكبر |
| الاعتراف العالمي | أقل حضورًا في معرفة معظم القراء | تهيمن على الصورة الشائعة للأهرامات |
لكن العدد يظل عددًا. وحين تعيد مروي إلى موضعها الصحيح، يبدأ الأمر في الظهور أقل كأنه طرفة معلوماتية وأكثر كأنه تاريخ.
كانت مروي أحد المراكز الملكية الكبرى في مملكة كوش، وهي دولة قوية قامت إلى جنوب مصر فيما يُعرف اليوم بالسودان. وكانت الأهرامات هناك تُستخدم مدافن ملكية ومدافن للنخبة. وهي، في العموم، أصغر من أهرامات مصر الشهيرة وأكثر انحدارًا بوضوح، ولهذا قد تبدو كأنها فرع مختلف من العائلة المعمارية نفسها.
وتؤدي اليونسكو دورًا مفيدًا هنا، لأنها تُخرج الموضوع من إغراء «الحقائق الطُعم» على الإنترنت وتعيده إلى أرض أكثر صلابة. فإدراجها لموقع «المواقع الأثرية في جزيرة مروي» على قائمة التراث العالمي يعرّف المكان بأنه مركز رئيسي لمملكة كوش، يضم حقول أهرامات ومعابد وبقايا أخرى ترتبط بتاريخ سياسي وثقافي طويل ومستقل في وادي النيل.
وهذا مهم لأن الناس كثيرًا ما يسمعون «الأهرامات النوبية» ويفترضون أنها لا بد أن تكون فصلًا جانبيًا في قصة مصر. صحيح أنها بُنيت في حوار مع مصر، بلا شك. لكن مروي كوشية أولًا. وإذا فاتك ذلك، فاتك جوهر المسألة كله.
يعمل هذا السؤال كاختبار لصورتك الذهنية أنت نفسك. فعندما تسمع كلمة «أهرامات»، هل ترى الجيزة، وبعض الكتل العملاقة على أطراف القاهرة، ولا ترى شيئًا أبعد إلى الجنوب؟ أغلب الناس كذلك. ولهذا تحديدًا تبدو مروي مفاجئة حتى بعد أن تسمع الحقيقة.
وهذا الافتراض راسخ لأسباب وجيهة، لا لأسباب ساذجة. فأهرامات مصر أقدم وأكبر، ومرتبطة بإحدى أشهر الحضارات على وجه الأرض. وقد ترسخت في الكتب المدرسية، والأفلام الوثائقية، والملصقات السياحية، وفي كل اختزال كسول للعالم القديم.
الأهرامات قصة مصرية في الأساس، وكل ما هو أبعد جنوبًا ليس سوى صدى ثانوي.
بمجرد إدخال كوش في الصورة، يصبح عالم النيل أوسع من مركز ملكي واحد ومن تقليد هرمي واحد، ويغدو السودان صاحب العدد الأكبر من الأهرامات الباقية.
تفلت مروي من الانتباه لأنها تتطلب خريطة أفضل قليلًا لشمال شرق أفريقيا. وما إن تضع كوش داخل الصورة حتى يستقيم المشهد. عندها لن تعود تنظر إلى مصر مع بعض الأصداء الجنوبية الملحقة بها؛ بل إلى عالم نيلي أوسع، فيه أكثر من تقليد ملكي، وأكثر من مركز قوة، وأكثر من موضع ترتفع فيه الأهرامات من قلب الصحراء.
في مروي، لا يكون الدليل مجرد فكرة مجردة. فهناك حقول أهرامات متجاورة، وبقايا مصليات ملحقة بالقبور، وأطلال قريبة تضع هذه المدافن ضمن سياق ملكي حقيقي لا بوصفها غرابة معزولة. وهذا من تلك المواقع التي تصححك بمجرد وجودها.
تظهر الأهرامات في حقول متجمعة، بما يكشف عن مشهد دفن منظم لا عن أثر منفرد.
تربط بقايا المصليات الملحقة المدافن بممارسات احتفالية وتذكارية، لا بالبناء وحده.
تضع الأطلال المحيطة القبور داخل مشهد ملكي أوسع، بما يعزز أن مروي كان مركزًا سياسيًا حقيقيًا.
وتساعد الأهرامات نفسها أيضًا في هذا التصحيح. فهي أضيق عند القاعدة وأكثر انحدارًا في هيئتها من النماذج المصرية العريضة الجوانب التي يعرفها الناس أكثر. ولا تحتاج إلى عين متخصصة كي ترى أنك أمام تقليد ذي صلة، لكنه مشكَّل وفق الأذواق والعادات الكوشية.
والصلة الكوشية هي نقطة الارتكاز. فهذه الأهرامات تعود إلى حكام ونخب مملكة كوش، التي تنقل مركز قوتها عبر الزمن بين مواقع منها نبتة ومروي. وبعبارة أخرى، فإن حقول الأهرامات في السودان ليست ذيلًا غريبًا للقصة. بل هي واحدة من أوضح الشواهد على أن سلطة الدولة القديمة والدفن الملكي في وادي النيل لم يكونا يومًا شأنًا مصريًا وحده.
وهذه هي المقارنة المفيدة التي ينبغي الاحتفاظ بها. فمصر تمنحك الأسماء الأكبر. أما مروي فيمنحك الإطار المصحح.
وهنا يأتي الاعتراض الواضح. إذا كان في السودان أهرامات باقية أكثر، فلماذا ما تزال مصر تهيمن على الموضوع؟ لأن الشهرة ليست هي نفسها العدد الإجمالي للأهرامات الباقية.
فأهرامات مصر الأشهر أقدم وأكبر، وقد ترسخت في الثقافة العالمية منذ قرون. وهي الآثار التي يستطيع الناس تمييزها منذ الطفولة. أما أهرامات السودان فهي أقل شهرة خارج دوائر السفر والتاريخ، وكثير منها أصغر حجمًا أو متضرر أو غائب عن المسار السياحي المعتاد.
إذًا لا، لا أحد يقول إن مروي يحل محل الجيزة. فهذا كلام سخيف. والتصحيح أبسط من ذلك وأفضل: إذا كنت تعتقد أن تاريخ الأهرامات يبدأ بمصر وينتهي عندها، فخريطتك أصغر مما ينبغي.
تذكر مروي، وسيتضح لك الموضوع كله على نحو أفضل. فالأهرامات لا تخص مصر وحدها؛ وبعض الأهرامات الباقية التي ترجّح الكفة لصالح السودان هي أهرامات كوشية.