5 تفاصيل ينبغي ملاحظتها داخل جامع يلدز الحميدية

ADVERTISEMENT
ADVERTISEMENT

ما يبدو للوهلة الأولى إفراطاً بصرياً هو في الحقيقة نظام منضبط: فالخط يحدد شروط الانتباه، والزخرفة تضبط السطح، وبحلول الوقت الذي تبلغ فيه عينك نوافذ القبة، تكون الغرفة قد علمتك بالفعل كيف تقرأها.

ولست أقول هذا على سبيل المجاز. فمقالات متحف المتروبوليتان للفنون عن الفن الإسلامي تشير بوضوح منذ البداية إلى أن الزخرفة الهندسية واحدة من الأنماط الزخرفية الثلاثة الكبرى غير التصويرية في الفن الإسلامي، إلى جانب الخط والزخرفة النباتية. وبعبارة أخرى، إذا كان فضاء داخلي مثل مسجد يلدز الحميدية يبدو غنياً بالنظام، فلأنه منظم بالفعل.

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

لكن تجب الإشارة إلى أمر مهم. فالدلالات تختلف باختلاف المنطقة، والسلالة الحاكمة، ونوع المبنى، وعمليات الترميم اللاحقة، لذلك فهذه ليست شيفرة ثابتة واحدة لكل فضاء داخلي إسلامي. إنها طريقة للرؤية تتيح ملاحظة المبادئ المتكررة بوضوح كافٍ بحيث لا يعود المكان يبدو كترف مكدس فوق ترف.

1. الكتابة ليست حشواً. إنها تخبرك أين يبدأ المعنى.

ابدأ بالخط العربي. حتى إن لم تستطع قراءة النص، فلا يزال بوسعك أن تلاحظ ما الذي يفعله. فهو يجلس عادة في مواضع الشرف والانتقال: حول قوس، أو على امتداد إفريز، أو تحت قبة، أو قرب المحراب، أو عند مستوى تتوقف عنده العين بطبيعتها.

أين يؤدي الخط عمله عادة

حول قوس

عتبة·انتقال

تحدد الكتابة موضع عبور مهم، فتخبر العين بأن المعنى يتجمع حيث تُوجَّه الحركة والانتباه.

على امتداد إفريز

شريط·توجيه

يضبط الشريط الأفقي الجدار ويؤطر الغرفة بوصفها مكاناً تشكله التلاوة والذاكرة والنظر المنظم.

تحت قبة

نطاق علوي·تأطير

حين يوضع النص أسفل القبة، يمنح الانتقال إلى الأعلى حداً مقروءاً قبل أن يصبح الضوء القوة البصرية الأساسية.

قرب المحراب

تشريف·تركيز

يدل موضعه على أن النص ليس حشواً، بل علامة على مركزية التعبد وصحة توجيه الانتباه.

ADVERTISEMENT
صورة بعدسة توماس جورج على Unsplash

وهذا الموضع مهم. ففي العمارة الإسلامية، يحمل الخط في كثير من الأحيان آيات قرآنية، أو أسماء الله، أو نقوشاً تعبدية أخرى، ولذلك يؤطر المبنى بوصفه مكاناً للتلاوة والذاكرة وحسن توجيه الانتباه. فالنص هنا ليس شيئاً أضيف لاحقاً مثل إطار على ورق جدران؛ بل هو يحدد مناطق المعنى.

وهذه أول علامة تكشف لي الأمر في الغالب. فالغرفة المصممة لمجرد الإبهار قد تبعثر الزخرفة في أي مكان. أما الغرفة التي تضع الكتابة بعناية، فهي تقول لك إن الثراء البصري لا بد أن يخضع للغة.

2. الزخارف تؤدي عملاً أكثر رسوخاً مما يلاحظه معظم الناس.

والآن انظر إلى الزخارف الهندسية والنباتية المحيطة بذلك النص. فالهندسة تمنح نظاماً قابلاً للتكرار: نجوم، ومضلعات، وأشرطة متشابكة، وتناظراً محسوباً. أما الزخرفة النباتية، التي تُسمى غالباً الأرابيسك، فتليّن ذلك النظام بأوراق وسيقان ملتفة تبدو كأنها تنمو من غير أن تصبح منفلتة.

ADVERTISEMENT

كيف يعمل النمطان الزخرفيان معاً

الهندسة

النظام القابل للتكرار، والتناظر المحسوب، والبنية المتشابكة تمنح العين شيئاً ثابتاً تتبعه.

الزخرفة النباتية

تليّن الأوراق والسيقان الملتفة ذلك النظام، فتضيف حركة ونمواً من غير أن تجعل السطح منفلتاً بصرياً.

والفكرة ليست الوفرة فحسب. فالتكرار يساعد العين على الاستقرار. والتناظر يجعل كل جانب يجيب الآخر. والأسطح الكثيفة قد تجعل الفضاء يبدو أوسع من حدوده لأن العين تتبع العلاقات بدلاً من أن تتوقف عند الحواف الخالية.

جرّب اختباراً سريعاً مع نفسك. تتبع أين تذهب عينك أولاً، ثم ثانياً، ثم أخيراً. فإذا ظلت الغرفة تشدك إلى الأعلى أو إلى الداخل بدلاً من أن تتركك تهيم عشوائياً، فأنت ترى التنظيم بالفعل لا مجرد البذخ.

3. القوس هو الموضع الذي تبدأ فيه الزخرفة بالتصرف كأنها توجيه.

ADVERTISEMENT

نادراً ما يكون القوس المزخرف في داخل المسجد مجرد إطار مزين. فهو يجمع الزخارف والنقوش في هيئة توجه الحركة والانتباه. فالتقوس يرفع العين. والحافة المحددة توضح العتبة. والزخرفة المتكاثفة فيه تجعل تلك العتبة قابلة للقراءة من مسافة.

وهذا أحد أسباب أهمية الأقواس في الفضاءات الإسلامية المقدسة. فهي تؤدي عملاً إنشائياً، نعم، لكنها تقوم أيضاً بفرز بصري. إنها تقول لك: انتبه هنا، اعبر من هنا، انظر عبر هذا الموضع، وانظر إلى ما بعده.

ولأن القوس غالباً ما يجمع الخط والزخرفة أو يحدهما معاً، يمكنك أن تشعر بأن النظام يزداد إحكاماً. النص يمنح المعنى. والزخرفة تمنح النظام. والقوس يمنح الاتجاه.

والآن ارفع نظرك: ماذا تفعل القبة بالضوء؟

4. الأعمدة ليست مجرد دعامات. إنها تضبط إيقاع الغرفة.

قبل أن تبلغ عينك القبة، تكون الأعمدة قد أدت عملاً هادئاً بالفعل. فهي تقسم الفضاء إلى فواصل محسوبة. وتكرر خطوطاً عمودية تهيئك للصعود. وحتى الأعمدة المدهونة أو المزخرفة تظل تعمل كأدوات للعد: واحد، ثم آخر، ثم آخر، لتؤسس إيقاعاً.

ADVERTISEMENT

وهذا الإيقاع مهم، لأن الزخرفة لا تبدو فوضوية إلا حين لا يكون تحتها تراتبية تحكمها. الأعمدة توفر تلك التراتبية. فهي تحفظ تناسب البحور، وتحمل الأقواس، وتجعل الأسطح المزخرفة تُقرأ بوصفها أجزاء من نظام، لا كضباب متصل واحد.

كيف يرفع المكان انتباهك

1

القوس يؤطر

يجمع القوس حقل الزخرفة ويمنح العين موضعاً واضحاً تبدأ منه.

2

الأعمدة تضبط الإيقاع

تقسم الدعامات المتكررة الفضاء إلى فواصل وتؤسس إيقاعاً محسوباً للصعود.

3

الجدار العلوي والرقبة يجمعان

تضيق حركة العين وتعلو عبر الطبقات المتراكبة فوق الدعامات.

4

النوافذ تطلق الضوء

عند القبة، يخفف السطوع من ثقل البناء الحجري ويكمل الصعود البصري.

5. نوافذ القبة تثبت أن الغرفة كانت تدرب عينك طوال الوقت.

هنا لحظة الانكشاف. ففي كثير من الفضاءات الداخلية للمساجد، لا تكون القبة الزخرفة الأخيرة بعد اكتمال كل شيء. بل هي الموضع الذي تجد فيه الزخرفة السفلى غايتها، لأن كل ذلك التنظيم في الأسفل كان يهيئك لملاقاة العلو والمركز والضوء.

ADVERTISEMENT

وغالباً ما تجعل النوافذ المثبتة في رقبة القبة النطاق العلوي يبدو أخف من الجدران التي تحته. فالضوء يفصل القبة عن الكتلة التي تحملها. ويمكنه أن يجعل المظلة فوق الرأس تبدو معلقة، أو على الأقل أقل التصاقاً بثقل البناء الحجري. وهذا أثر معماري، لا مجرد حيلة ذوقية.

تمهل هنا قليلاً، لأن هذا هو الموضع الذي يفوت فيه على كثير من القراء أذكى ما في الأمر. فعندما يمتد شريط من الخط أسفل القبة أو حول قوس رئيسي، فهو لا يزين الانتقال إلى النطاق العلوي فحسب. بل يؤطر ذلك الانتقال، مانحاً العين حداً مقروءاً بين عالم الأسطح المزخرفة والمنطقة الأكثر سطوعاً فوقه، حيث يصبح الضوء هو الفاعل الأساسي.

ADVERTISEMENT

ويمكنك أن ترى هذا في كثير من الروائع العثمانية الداخلية، حيث تتآزر أشرطة الكتابة، والأقواس المتداخلة، والدعامات المتكررة، وحلقات النوافذ، بدلاً من أن يعمل كل منها منفصلاً عن الآخر. وينتمي مسجد يلدز الحميدية إلى هذا التقليد التركيبي الأوسع: ليس جداراً عادياً ثم زخرفة ثم قبة، بل صعوداً يعلّمك فيه كل مستوى كيف تقترب من المستوى التالي.

والاعتراض الشائع هو أن هذه الكثافة الزخرفية لا بد أنها تتعلق أساساً بالفخامة، أو الرعاية، أو الهيبة الإمبراطورية. وبالطبع قد تكون المكانة جزءاً من القصة؛ فالمباني المقدسة هي أيضاً أشياء تاريخية صنعها حكام ومتبرعون وورش. لكن التكرار، والتراتب، والموضع، كلها تخلق قابلية للقراءة وتوجيهاً روحياً. فالمكان يمكن أن يتكلم عن السلطة، وفي الوقت نفسه يكون مبنياً بعناية ليوجه الانتباه نحو الصلاة، والتلاوة، والضوء.

ADVERTISEMENT

حين تكف الغرفة عن أن تكون «مزخرفة» وتبدأ في أن تصبح مقروءة

متى التقطت هذا، أصبحت الفضاءات الإسلامية الداخلية أسهل كثيراً في القراءة. فلن تعود مضطراً إلى الوقوف هناك قائلاً: جميل، لكنه أكثر مما ينبغي. يمكنك أن تسأل: ماذا يؤطر النص؟ وكيف تثبت الزخرفة الهندسية السطح؟ وإلى أين يوجه القوس؟ وكيف تضبط الأعمدة إيقاع الفضاء؟ ولماذا احتُفظ بأشد الضوء سطوعاً للأعلى؟

النص ← الزخرفة ← القوس/الدعامات ← الضوء

هذا هو ترتيب النظر القابل لإعادة الاستخدام الذي تبني إليه المقالة: اقرأ المكان بوصفه تسلسلاً من الانتباه الموجَّه، لا زخرفة متراكمة على نحو عشوائي.

استخدم هذا الترتيب في المرة المقبلة: أولاً النص، ثم الزخرفة، ثم القوس والدعامات، ثم الضوء عند القبة.