قد يتخذ الدلفين هيئة السمكة على نحو يكاد يكون كاملاً، ومع ذلك يعيش وفق قواعد الثدييات. وهنا تخدعك العين في البحر: فالمظهر الخارجي يقول «سمكة»، لكن الجسد من الداخل يخضع للقواعد الكبرى نفسها التي تحكم البقرة أو الخفاش أو الإنسان. ويمكنك إثبات ذلك بمجرد أن تنظر إلى الحيوان بالطريقة الصحيحة.
هذه دلافين شائعة، أو على الأقل حيوانات شبيهة بالدلفين الشائع عند النظرة السريعة، وهو تحفّظ في محلّه لأن تمييز الأنواع قد يكون صعباً من لمحة عابرة واحدة. وتصنّف NOAA الدلافين الشائعة ضمن الثدييات البحرية لا الأسماك، وهذه هي نقطة الانطلاق الثابتة. فالمخطط الخارجي الشبيه بالسمكة حقيقي، لكنه حلّ للتنقل في المحيط، لا علامة على الانتماء إلى الأسماك.
قراءة مقترحة
من السهل أن ترى لماذا يقع الناس في هذا الخطأ. فجسمه أملس وانسيابي. وعلى ظهره زعنفة ظهرية، وعلى جانبيه زعانف صدرية، وله ذيل مهيأ للسباحة السريعة في المياه المفتوحة. ولو لم يكن أمامك سوى الظل والحركة، فلن يكون غريباً أن تقول: «إنها نوع من السمك».
هذا التشابه جاء من حل المشكلة نفسها المتعلقة بالحركة في الماء، لا من الانتماء إلى الفئة الحيوانية نفسها.
جسم انسيابي، وزعنفة ظهرية، وزعانف جانبية، وحركة سريعة في المياه المفتوحة تجعل الدلفين يبدو كأنه سمكة من حيث الظل العام.
هذا الشكل الانسيابي هو جواب مشترك لمقاومة الماء في المحيط. فأسماك القرش وبعض الزواحف البحرية المنقرضة والدلافين قد تنتهي إلى هيئة متقاربة، رغم أن مخطط أجسامها مختلف.
وهنا نقطة التحول: إذا كان الدلفين يبدو بهذا القدر من الشبه بالسمكة من الخارج، فما العلامات التي تخبرك بأنه في الداخل محكوم بقواعد الثدييات؟
ابدأ بالتنفس، لأنه أوضح الأدلة كلها. فالدلفين يتنفس الهواء عبر فتحة النفخ، وهي منخر انتقل بفعل التطور إلى أعلى الرأس ليسهّل الصعود إلى السطح. أما الأسماك فلا تحتاج إلى اختراق السطح لتأخذ شهيقاً من الهواء؛ إذ إن معظمها يستخلص الأكسجين من الماء بواسطة الخياشيم.
هذه الحقيقة وحدها تغيّر صورة الحيوان كلها في ذهنك. فالدلفين لا يجوب البحر بنظام سمكي ثم يزور السطح أحياناً. بل هو ثديي لا بد له من العودة إلى الهواء مرة بعد مرة، مهما بدا منسجماً مع الماء.
وقد أظهرت أبحاث نوم الحيتانيات لماذا يكتسب هذا الأمر كل هذه الأهمية: فالدلافين لا تنطفئ بالكامل لساعات كما تفعل الثدييات البرية غالباً. بل تستريح بطريقة تتيح لها الاحتفاظ بالتحكم في التنفس، إذ ينام جزء واحد فقط من الدماغ في كل مرة. وما إن تعرف ذلك حتى يتوقف الجسد عن الظهور كأنه تنكر في زي سمكة، ويبدأ في الظهور كثديي بُني حول الحقيقة الصلبة المتمثلة في حاجته إلى الهواء.
وتمنحك الحركة الدليل المرئي التالي، ويصبح بنيان البرهان أقوى بكثير حين تجمعه مع التنفس وحرارة الجسم.
| العلامة | الدلفين | السمكة |
|---|---|---|
| التنفس | هواء عبر فتحة النفخ | الأكسجين من الماء عادة عبر الخياشيم |
| حركة الذيل | زعانف ذيلية أفقية تتحرك صعوداً وهبوطاً | ذيل يتحرك من جانب إلى جانب |
| حرارة الجسم | ثابتة الحرارة، ومعزول بطبقة من الشحم | غالباً ما تقترب من حرارة الماء المحيط |
| الصغار | ولادة حية وحليب للعجول الصغيرة | لا تملك نظام الرضاعة الخاص بالثدييات |
وهذه ليست تفصيلة هامشية تخص الخبراء وحدهم. إنها علامة مرئية تشير إلى أصل أعمق. فقد ورثت الدلافين عموداً فقرياً ثديياً وأسلوب حركة خاصاً بالثدييات، ثم تكيفت به مع البحر. والنتيجة سريعة ورشيقة، لكنها ليست صنيعة الأسماك.
وفي هذه المرحلة المتأخرة من البرهان، تتوالى العلامات سريعاً: فتحة نفخ للهواء، وضربات ذيل أفقية صعوداً وهبوطاً، وجسم دافئ تعزله طبقة من الشحم، وأمهات تلد صغارها أحياء وتغذيها بالحليب. قد تتشارك الأسماك معها الماء نفسه، بل وحتى الهيئة الانسيابية نفسها، لكنها لا تشترك معها في هذه الحزمة من القواعد.
غالباً ما تترك السمكة حرارة جسمها تساير حرارة الماء من حولها. أما الدلفين فلا يفعل ذلك. فهو ثابت الحرارة، أي إنه يحافظ على حرارة جسمه ضمن نطاق مستقر عبر إنتاج الحرارة والاحتفاظ بها، ومن الوسائل التي يفعل بها ذلك طبقة سميكة من الشحم تحت الجلد.
ولم توجد هذه الطبقة لأننا نرى فيها شبهاً بشيء ما. إنها حل لمشكلة يفرضها المحيط. فالماء يسحب الحرارة أسرع كثيراً من الهواء، ولذلك يحتاج الثديي البحري إلى عازل داخلي إذا أراد أن يظل نشطاً في البحار الباردة.
ثم هناك التكاثر. فالدلافين تلد صغاراً أحياء وترضعها الحليب. ولن ترى ذلك عادة من فوق القارب بالطبع، لكنه ينتمي إلى المجموعة نفسها من خصائص الثدييات التي تضم الرئتين وثبات حرارة الجسم.
هذا اعتراض وجيه. فإذا كان الجسد انسيابياً، والزعانف تبدو في موضعها، والحيوان يعيش طوال الوقت في المياه المفتوحة، فقد يبدو الإصرار على هذا الفرق شيئاً من التدقيق المفرط. لكن علم الأحياء لا يصنّف الكائنات بحسب الشكل الذي يبدو مألوفاً من النظرة الأولى، بل بحسب كيفية بناء الجسد وطريقة عمله.
وهذه هي الحكاية القديمة للتطور التقاربي. فقد تنتهي مجموعات مختلفة إلى أشكال متشابهة لأنها تواجه المهمة نفسها. فالسباحة السريعة في المياه المفتوحة تكافئ الجسد الضيق قليل المقاومة، لذلك يواصل التطور إيجاد نسخ متعددة من هذا الحل. شكل متشابه، وآلية مختلفة.
ولهذا يمكن للدلفين أن يكون على هيئة سمكة من دون أن يكون سمكة، تماماً كما يمكن للخفاش أن يملك أجنحة من دون أن يكون طائراً. فالمظهر الخارجي يخبرك بالمشكلة التي حلها الحيوان، أما الداخل فيخبرك بنوع الحيوان الذي هو عليه.
إذا أردت وسيلة بسيطة تتحقق بها بنفسك، فاستعمل ثلاث علامات.
فتحة النفخ في الأعلى تعني ثديياً يتنفس الهواء، لا سمكة تتنفس بالخياشيم.
الحركة صعوداً وهبوطاً تشير إلى دلفين، أما الحركة من جانب إلى جانب فتشير إلى سمكة.
الجسم الأملس ذو طبقة الشحم ينتمي إلى ثديي بحري مصمم للاحتفاظ بالحرارة، لا إلى المخطط الأساسي لجسم السمكة.
سيأخذك هذا الاختبار الصغير بعيداً. فأنت لا تحتاج إلى مختبر أو كتاب دراسي أو إلى تحديد النوع بدقة تامة. كل ما تحتاجه هو أن تتوقف عن قراءة الطلاء الخارجي وأن تبدأ في الإصغاء إلى الآلية التي تعمل في الداخل.
استعمل هذه العلامات الثلاث في المرة القادمة التي يطفو فيها أمامك: فتحة نفخ، وذيل يتحرك صعوداً وهبوطاً، وجسد يحتفظ بالحرارة.