ما يبدو تمويهًا يكون عند الحرباء، في أحيان كثيرة، تواصلًا في الحقيقة. فأشد تحولات الحرباء سطوعًا تكون غالبًا رسائل إلى حرباوات أخرى، لا مجرد حيل للاختباء.
وهذا التصحيح مهم لأن الرواية القديمة شديدة الإحكام والسهولة. نتعلم أن الحرباء تغيّر لونها لتطابق ورقة أو غصنًا، ويبدو الحيوان وكأنه يؤكد ذلك حين يتلاشى في العالم المحيط به.
2015
ساعدت دراسة رئيسية للآلية على إظهار أن تغير اللون ينتج من خلايا جلدية ذات بنية منظَّمة، لا من أثر تمويهي عام ومبهم.
قراءة مقترحة
لكن إذا راقبتها وقتًا كافيًا، بدأ ذلك اليقين يتزعزع. فالجلد لا يساعد السحلية على تفادي الانتباه فحسب، بل يشكل أيضًا جزءًا من نظام بصري موجَّه إلى المنافسين، والقرناء، وأحيانًا إلى مسألة الحرارة نفسها.
تتحرك الحرباء بطريقة تشجع على تصديق قصة التمويه. فهي تنتقل من غصن إلى غصن ببطء يكفي لكي لا تبدو الأوراق مضطربة. وتطبق أقدامها على المجاثم الرفيعة كما لو كانت ملاقط. وتمسح كل عين محيطها على نحو مستقل، كأن الحيوان يتوقع الخطر من أكثر من جهة.
إذا خرجت بانطباع أن تغير اللون يتعلق أساسًا بالاختباء، فهذه قراءة مفهومة. فكثير من الحرباوات تحمل بالفعل درجات من الأخضر والأصفر والبني، مع أشرطة داكنة تساعد على تفكيك حدود الجسم بين النباتات والظل.
كما أن التمويه ينسجم مع ما يراه كثير من الناس فعلًا. ففي حدائق الحيوان، والأفلام الوثائقية، والمقاطع القصيرة على الإنترنت، يبدو الحيوان في الغالب وكأنه يستقر في الخلفية بدل أن ينفصل عنها بوضوح. وهذه الصورة المألوفة ليست خاطئة، لكنها غير مكتملة فحسب.
تتضح آلية الجلد أكثر حين تُعرض النتائج بوصفها سلسلة تبدأ من بنية الخلية وتنتهي إلى التحول المرئي في اللون.
تستخدم حرباء النمر خلايا جلدية متخصصة تُسمى الخلايا القزحية.
تحتوي هذه الخلايا على بلورات دقيقة من الجوانين مرتبة في شبكات صغيرة.
وعندما يتغير التباعد بين هذه البلورات، يعكس الجلد أطوالًا موجية مختلفة من الضوء.
وهذا التحول قد ينقل المظهر من الأزرق والأخضر نحو الأصفر أو البرتقالي أو الأحمر.
كما أن بعض الخلايا القزحية الأعمق تعكس مقدارًا أكبر من الضوء القريب من تحت الأحمر، وهو ما يرجح أنه يساعد على تنظيم الحرارة الناتجة من أشعة الشمس.
استخدم الفريق المجهر ليفحص الخلايا عن قرب، كما استخدم تصويرًا فيديويًّا فوتومتريًّا لقياس تغيرات اللون أثناء حدوثها. وهذا ما يجعل النتيجة مفيدة إلى هذا الحد هنا؛ فهي تربط تحول اللون بآلية فيزيائية حقيقية بدل التعامل معه على أنه خدعة سحرية غامضة في جلد الزواحف.
من الطبيعي بالطبع أن تبدو الدرجات المرقطة من الأخضر والأصفر تمويهًا. فإذا كانت سحلية شجرية تقضي حياتها بين الأوراق والأغصان، فمن المنطقي أن يُظن أن نظام الألوان موجود أولًا لمساعدتها على الاندماج في محيطها.
لكن أكثر التحولات درامية تحدث غالبًا عندما يكون للاختباء معنى أقل من أن تُرى. ففي عام 2013، أفاد راسل أ. ليغون وكيفن ج. ماكغرو في دورية Biology Letters أن مناطق مختلفة من جسم الحرباء كانت ترسل معلومات مختلفة أثناء المواجهات. فقد ارتبطت ألوان الرأس بدرجة أقوى بالقدرة على القتال، في حين تغيّر لون الجانبين مع العدوانية والاستعداد للتصعيد. لم يكن الجلد يطابق الخلفية فحسب، بل كان يذيع الحالة أيضًا.
وهنا تنعطف الحكاية. نعم، تستطيع الحرباء أن تندمج. لكن السجل البحثي يبين أن أشد التحولات سطوعًا ولفتًا للنظر تبلغ ذروتها غالبًا أثناء التفاعلات الاجتماعية، ولا سيما مع المنافسين والقرناء. فالحيوان لا يختفي في الأوراق فحسب، بل «يتكلم» بالألوان أيضًا حيث تستطيع حرباء أخرى أن تقرأ ذلك.
التحول إلى لون زاهٍ هو أساسًا محاولة من الحيوان لمطابقة الخلفية والاختفاء.
في اللحظات الاجتماعية الحاسمة، تؤدي التحولات الزاهية غالبًا دور إشارات مرئية إلى المنافسين أو القرناء، بينما يستطيع نظام الجلد نفسه أيضًا أن يساعد في تنظيم الحرارة.
إذا نُظر إلى الأمر من جهة الحيوان، بدا أقل غموضًا مما يوحي به في البداية. فالذكر الذي يواجه ذكرًا آخر لا يكسب كثيرًا بأن يصبح شبيهًا بورقة إذا كانت المواجهة تدور حول التقييم. ما يكسبه هو إرسال معلومات واضحة بسرعة: مدى استثارته، وما إذا كان مستعدًا لمواصلة النزاع، وربما ما إذا كانت كلفة اختباره ستكون مرتفعة.
وهنا تلتقي دراسة آلية 2015 ودراسة الإشارات لعام 2013 على نحو أنيق. فإحداهما تفسر كيف يستطيع الجلد أن يغير الضوء المنعكس بسرعة كبيرة، والأخرى تُظهر أن توقيت تلك التغيرات ومواضعها ينسجمان مع الاستخدام الاجتماعي.
وحين تضع هاتين الحقيقتين معًا، تصبح الحكاية القديمة ذات الغرض الواحد أضيق من أن تكفي. فجلد الحرباء ليس مجرد غطاء؛ إنه جزء منه ملاذ، وجزء منه منظم للحرارة، وجزء منه لوحة إشارات.
وهنا يأتي الجزء الصريح. فليس كل تغير لوني عند كل حرباء إشارة اجتماعية في المقام الأول. بعض الأنواع أقل استعراضًا من حرباء النمر. وبعض التحولات خافتة. كما أن لمطابقة الخلفية، والتوتر، ومستويات الضوء، وحرارة الجسم، جميعها أهميتها.
وسيكون مضلِّلًا بالقدر نفسه أن نقول إن التمويه خرافة. فكثير من الحرباوات تصبح فعلًا أصعب على الرصد بين اللحاء أو الأوراق، وبعض الحالات اللونية أقل لفتًا للنظر بوضوح من غيرها. والتصحيح هنا أضيق وأدق: فالاستعراضات الأسرع والأشد زهوًا لا تتعلق غالبًا بالاختفاء أصلًا.
ثمة قاعدة بسيطة يجدر حملها إلى الزيارة المقبلة لحديقة الحيوان أو إلى مقطع الحياة البرية التالي. قبل أن تفترض أن الحيوان يحاول الاندماج في الخلفية، انظر إلى السياق.
وجود حرباء قريبة قد يجعل تغير اللون إشارة اجتماعية مقروءة بدل أن يكون مطابقة للخلفية.
السياق المرتبط بالتزاوج قد يجعل اللون اللافت أنفع من التستر.
قد يؤدي الإمساك بالحيوان إلى استجابة مرئية تُقرأ بوصفها حالة أو توترًا، لا تمويهًا.
قد يشير تغير مفاجئ في الشمس أو الظل إلى تنظيم حراري بدلًا من التواصل أو التخفي.
هذا التوقف القصير يغيّر ما تلاحظه. فالجنب الذي يزداد سطوعًا قرب منافس، أو التحول الحاد أثناء الإمساك بالحيوان، يبدأان في الظهور أقل بوصفهما مطابقة للخلفية وأكثر بوصفهما استجابة نشطة. ولست بحاجة إلى معرفة كل نوع لكي ترى الفرق. كل ما عليك هو أن تكف عن التعامل مع اللون بوصفه مجرد مشهد ثابت.
قد تكون الحرباء الزاهية التالية التي تلفت انتباهك بصدد إطلاق تصريح علني، لا تنفيذ حيلة اختفاء.