إن كون الحلزون يجمع بين الجنسين لا يعني أنه مكتفٍ بذاته، رغم أن هذا بالضبط ما يفترضه معظم الناس عنه، والسبب في ذلك أغرب بكثير مما توحي به قوقعته.
كثير من حلزونات اليابسة خناثى متزامنة، أي إن الفرد الواحد يملك في الوقت نفسه أعضاء تناسلية ذكرية وأنثوية. ويبدو هذا وكأنه يضع حداً للغز. فإذا كان الحلزون قادراً على إنتاج الحيوانات المنوية والبويضات، فلماذا يحتاج إلى أي فرد آخر؟
إذا تمهّلت بما يكفي لتراقب حلزونين بريين في حالة تزاوج، فستكون المفاجأة الأولى أنهما لا يتصرفان ككائنين لديهما اختصار بسيط لهذه العملية. إنهما يدوران حول بعضهما، ويتلامسان، ويضبطان اصطفاف جسديهما بعناية. وما يبدو شبه ساكن ليس في الحقيقة إلا تفاوضاً على الموضع والتوقيت.
قراءة مقترحة
وهذا التفاعل ليس أشبه بتكاثر ذاتي تلقائي، بل أقرب إلى تبادل منظّم، تؤثر فيه عملية نقل الحيوانات المنوية وتخزينها ثم تنافسها لاحقاً في تحديد ما سيحدث بعد ذلك.
يدور الزوج حول بعضه، ويتلامس، ويُحكم موضعة جسديه بعناية قبل التزاوج.
في كثير من الأنواع، يستطيع كل حلزون أن يهب حيوانات منوية وأن يتلقاها خلال لقاء التزاوج نفسه.
يمكن للحلزون أن يحتفظ بالحيوانات المنوية التي تلقاها داخل جسمه لاستخدامها لاحقاً، بدلاً من تخصيب البويضات فوراً.
قد تتنافس الحيوانات المنوية الآتية من شركاء مختلفين، مما يجعل التكاثر عملية اجتماعية، وأحياناً تنافسية.
وتوضح مراجعة نُشرت عام 2013 في Canadian Journal of Zoology بعنوان Reproductive strategies in hermaphroditic gastropods: : conceptual and empirical approaches الفكرة الأوسع بجلاء: فالخنوثة لا تلغي اختيار الشريك ولا المقايضات البيولوجية. إنها تغيّر شروطها فقط. فالحلزون لا يحتاج إلى العثور على فرد من الجنس المقابل، لكنه لا يزال يحتاج إلى شريك، وإلى تبادل الأمشاج، وإلى إدارة كلفة إنتاج البويضات والحيوانات المنوية، واستعمال كل منهما في الوقت المناسب.
وهنا سؤال جيد لتختبر به فهمك وأنت تتابع القراءة: ما الذي يحلّه فعلاً «امتلاك الجنسين»؟ إنه يحل مشكلة واحدة بفاعلية كبيرة. فكل فرد بالغ من النوع نفسه قد يكون شريكاً محتملاً. لكنه لا يحل تلقائياً مشكلة التنوع الجيني، ولا الفروق في الكلفة البيولوجية بين إنتاج البويضات وإنتاج الحيوانات المنوية.
فلماذا إذن لا يستطيع أن يتكاثر بمفرده ببساطة؟
لأن التشريح ليس سوى جزء من التكاثر. أما الجزء الآخر فهو التطور. فامتلاك القدرة على إنتاج كلا نوعي الخلايا الجنسية يمنح الحلزون مرونة، لكن التزاوج مع فرد آخر يظل يوفّر ميزة أساسية واحدة: مزج الجينات من حيوانين بدلاً من إعادة نسخ اليد الجينية لحيوان واحد مرة بعد مرة.
لا يحتاج الحلزون إلى البحث عن شريك من الجنس المقابل. فكل حلزون بالغ من النوع نفسه قد يكون شريكاً محتملاً.
لا تُلغي قيمة المزج الجيني، ولا المقايضات البيولوجية المرتبطة بإنتاج البويضات والحيوانات المنوية واستخدام كل منهما بكفاءة.
وهذا المزج الجيني، الذي يُسمّى التزاوج الخارجي، يساعد عادةً على الحد من تراكم الطفرات الضارة، وقد يمنح الذرية فرصة أفضل في الظروف المتغيرة. وقد يتمكن الحلزون الذي يخصّب نفسه ذاتياً من إنتاج نسل، لكن احتمال أن يرث هذا النسل التركيبات الجينية الضارة نفسها من الجانبين يكون أكبر. وبعبارة بسيطة، فإن الاعتماد على النفس قد ينجح، لكنه غالباً ما يكون خياراً أعلى كلفة على المدى الطويل.
وهنا يكمن المخرج الخفي في القصة. فالخنوثة تحل مشكلة العثور على شريك من جنس متوافق. لكنها لا تلغي قيمة تبادل الجينات مع جسد آخر.
والآن إلى الجزء الأشد غرابة. ففي بعض حلزونات اليابسة، يتضمن التزاوج بنية تُعرف غالباً باسم «سهم الحب». وليس هذا اسماً لطيفاً للرومانسية. بل هو سهم صلب، مكوَّن جزئياً من الكالسيوم، يمكن أن يغرسه أحد الحلزونين في الآخر أثناء التودد.
أكثر من الضعف
في تجربة أُجريت عام 2005 على حلزونات الحدائق البنية، ضاعف المخاط المرتبط بسهم الحب تقريباً فرصة الأبوة لدى مطلق السهم إلى أكثر من الضعف.
والسهم لا يحقن الحيوانات المنوية. المهم هو المخاط الذي يغطيه. وقد بيّن رونالد تشيس وزملاؤه ذلك في بحث نُشر عام 2005 في Proceedings of the Royal Society B. ففي تجربتهم على حلزونات الحدائق البنية، ضاعف المخاط المرتبط بسهم الحب حظوظ الأبوة لدى مطلق السهم إلى أكثر من الضعف، أي إن الحيوانات المنوية لذلك الحلزون أصبحت أكثر احتمالاً لأن تكون هي التي تُنجب الذرية.
وبلغة يومية، يساعد هذا السهم على ترجيح الكفة بعد أن يكون التزاوج قد بدأ بالفعل. فكل من الحلزونين يملك كلا العضوين التناسليين، ومع ذلك يتزاوجان. ويتبادلان الحيوانات المنوية ويخزنانها. وفي بعض الأنواع يستخدمان أيضاً السهام، وحتى عندئذ لا يوجد طريق مختصر إلى الاستقلال الكامل.
ثمة استثناء حقيقي هنا. فبعض الحلزونات وغيرها من بطنيات القدم تستطيع الإخصاب الذاتي، لذلك سيكون من الخطأ القول إن جميع الحلزونات لا بد أن تتزاوج مع فرد آخر. فالأحياء أكثر فوضى من ذلك.
لكن كثيراً من حلزونات اليابسة يعتمد عادةً على التزاوج مع حلزون آخر، وحتى الأنواع القادرة على الإخصاب الذاتي قد لا تتعامل معه بوصفه الخيار الأول. ففي كثير من الحالات، يكون الإخصاب الذاتي محدوداً أو مؤجلاً أو يُلجأ إليه عندما يصعب العثور على شركاء. وهذا ينسجم مع النمط الأوسع الذي تبرزه المراجعة البحثية: فامتلاك الوظيفتين الجنسيتين يوسّع الخيارات الإنجابية، لكن هذه الخيارات تظل مصحوبة بمقايضات.
إذا كان الحلزون يجمع بين الجنسين، فهو مستقل تماماً ولا يحتاج إلى حلزون آخر كي يتكاثر.
تستطيع بعض الحلزونات الإخصاب الذاتي، لكن كثيراً منها يعتمد عادةً على التزاوج، وحتى الأنواع القادرة على ذلك غالباً ما تتعامل معه كخيار محدود أو احتياطي.
وهذا هو الافتراض الذي يستحق التصحيح. فعبارة «يجمع بين الجنسين» توحي باستقلال تام. لكن الواقع أنها تعني في كثير من الأحيان نوعاً مختلفاً من الاعتماد، قائماً على التبادل لا على الانقسام إلى أجساد ذكرية وأنثوية منفصلة.
متى عرفت هذا، لم يعد تزاوج الحلزون يبدو مجرد تفصيل تقني بسيط. فالحلزون البري العادي يتعامل مع عدة مشكلات في وقت واحد: العثور على شريك، وتحديد الأدوار الإنجابية في اللحظة نفسها، وتخزين الحيوانات المنوية، وفي بعض الأنواع حتى استخدام حيل كيميائية لتحسين فرص الأبوة.
ولهذا يبدو هذا الحيوان معاكساً للحدس على نحو هادئ. فالقوقعة توحي بحياة مكتفية بذاتها. أما البيولوجيا فتقول غير ذلك. فكثير من حلزونات اليابسة مهيأ لا للعزلة، بل للشراكة، والمساومة، وتبادل الجينات.
قد يحمل حلزون اليابسة الجنسين معاً، ومع ذلك يكون مهيأً ليتكاثر مع كائن آخر.