الجزء الأهم في هذا المعلم ليس الزجاج، ولا الارتفاع، ولا حتى التوربينات، بل الفراغ المتعمَّد بين البرجين.
في المنامة، يُشار على نطاق واسع إلى مركز البحرين التجاري العالمي بوصفه أول ناطحة سحاب أُدمجت فيها توربينات رياح كبيرة في التصميم منذ البداية. وقد منحت شركة Atkins المبنى ذلك الشكل التوأمي الشبيه بالأشرعة لسبب واضح. فقد صُمم المبنى ليتعامل مع رياح الخليج، لا لمجرد أن يقف في مواجهتها.
إذا أمضيت سنوات تتنقل في مدينة واحدة، فأنت تتعلم أن المباني الشاهقة لا تغيّر الأفق العمراني فحسب، بل تغيّر أيضًا الإحساس الذي يخلّفه المكان عند الزاوية. قرب هذين البرجين، قد تتصرف الرياح على نحو ما في الشارع المفتوح، ثم تشتد وتضيق كلما اقتربت من الفجوة بينهما، فتغدو أحدّ مما كانت عليه على بُعد كتلة سكنية واحدة.
قراءة مقترحة
وهذا ليس مصادفة ولا أثرًا جانبيًا. بل هو المقصود بعينه. فالبرجان ينحنيان كالأشرعة، والمسافة بينهما مشكَّلة بحيث تلتقط النسيم البحري السائد القادم من الخليج وتوجّهه نحو الجسور التي تحمل التوربينات.
11–15%
في الظروف المناسبة، صُممت التوربينات الثلاث المثبتة على الجسور لتوفّر نحو 11 إلى 15 بالمئة من احتياجات المجمع من الكهرباء.
وقد ورد ذلك بصياغة واضحة في ورقة بحثية عن المشروع صادرة عن مجلس المباني الشاهقة والموئل الحضري في أواخر العقد الأول من الألفية، إذ أوضحت كيف تطوّر التصميم استنادًا إلى دراسات الرياح، بدلًا من إضافة تجهيزات خضراء في نهاية العملية. وثُبتت ثلاث توربينات على الجسور الهوائية بين البرجين. وقد صُممت لتوفّر نحو 11 إلى 15 بالمئة من احتياجات المجمع من الكهرباء في الظروف المناسبة.
هذا الرقم مهم، لكن الترتيب أهم. فالشكل المعماري للمبنى جاء أولًا. ثم مسار الرياح. ثم موضع التوربينات. ولهذا يبدو هذا الزوج من الأبراج أذكى من زوج عادي من ناطحات السحاب أُلحقت بهما تجهيزات بيئية بعد اكتمال التصميم.
ما الذي تظنه العنصر الرئيسي هنا: الارتفاع، أم الأشكال الشبيهة بالأشرعة، أم التوربينات الثلاث؟
إنها الفجوة. ما إن تضع نفسك ذهنيًا في ذلك الفراغ حتى تتضح الفكرة كلها. فالهواء الذي كان يتحرك على امتداد الموقع ينحصر بين البرجين، فتزداد سرعته ويغدو أشد اندفاعًا وهو يمر عبر المسار الموجَّه. ويبدأ الفراغ في أن يبدو أقل شبهًا بالغياب وأكثر شبهًا بمعدة تعمل.
وعندها يصبح من السهل تتبع الآلية.
تتلقى الأشكال الشبيهة بالمقاطع الهوائية الرياح البحرية على أسطحها المنحنية.
المسافة بين البرجين تضيق الهواء المتحرك وتزيد من سرعته.
ثلاث توربينات مثبتة على الجسور الهوائية تقع في الموضع الذي يصل إليه الهواء المتسارع.
تدور الشفرات لأن الفراغ المصمَّم هندسيًا يساعد في جعل الرياح أكثر قابلية للاستخدام.
هنا تكمن لحظة الإدراك: فالبرجان لا يحملان التوربينات فحسب، بل يسهمان أيضًا في تغذيتها. وبعبارة أخرى، يؤدي الغياب وظيفة البنية التحتية التي يُنسب الفضل فيها عادة إلى الكتلة الصلبة.
كثير من مخططات طاقة الرياح المثبتة على المباني يبدو أفضل في الرسومات التخيلية مما يكون عليه في الواقع. فالرياح قرب المباني الشاهقة قد تكون مضطربة وفوضوية وصعبة التنبؤ. وإذا وُضع توربين في المكان الخطأ، فالنتيجة ضجيج ومقاومة ومشكلات صيانة، مع قدر ضئيل من الكهرباء.
يُثبَّت توربين على مبنى في مرحلة متأخرة من العملية، في موضع قد يؤدي فيه اضطراب تدفق الهواء إلى الضجيج والمقاومة ومشكلات الصيانة وضعف إنتاج الطاقة.
شُكل البرجان، والتباعد بينهما، ومواضع الجسور، بوصفها عناصر مخططة معًا، بحيث تسهم العمارة نفسها في تشكيل مسار هواء أفضل.
ثمة حدّ صريح هنا. فليست كل المواقع تتمتع برياح سائدة مستقرة بما يكفي. وليس كل زوج من الأبراج قادرًا على تشكيل الهواء بقدر كافٍ من الانتظام ليجعل التوليد في الموقع مجديًا. وحتى هنا، لن يقول أحد عاقل إن طاقة الرياح وحدها قد حلت متطلبات الطاقة في مجمع مكاتب شاهق.
ومع ذلك، يظل هذا المثال حادًّا بوصفه منطقًا تصميميًا. يمكنك أن تقرأه وأنت تمر بجواره. فالأجزاء الصلبة تؤطر الفراغ العامل، والفراغ هو الذي يؤدي المهمة.
حين تنظر إلى مبنى شاهق آخر، امنح نفسك سؤالًا صغيرًا للمراجعة: ماذا يفعل هذا الشكل بالرياح، أو الظل، أو حركة المشاة؟ سيخبرك هذا السؤال بأكثر مما يخبرك به الكسوة الخارجية أو الارتفاع.
بعض المباني الشاهقة تلقي ظلًا عميقًا عن قصد، فتشكّل الطريقة التي تتوزع بها الحرارة والراحة على مستوى الأرض.
بعضها يرفع قاعدته بحيث يتمكن الناس من العبور عبره بسهولة أكبر، فيحوّل الكتلة إلى مسار بدلًا من أن تكون حاجزًا.
بعض الأشكال تصنع مصائد للرياح، عمدًا أو من غير عمد. ويبرز مركز البحرين التجاري العالمي لأنه يتعامل مع الهواء المتحرك بوصفه شيئًا يمكن العمل معه، لا مجرد شيء يجب احتماله.
في المرة المقبلة التي تحكم فيها على أفق مدينة، انظر أولًا إلى الهواء.