أكبر حيوان بري ما زال يعتمد على الجماعة في تربية صغاره

ADVERTISEMENT
ADVERTISEMENT

أكبر ما يثير الدهشة في الفيلة أن الضخامة لا تجعل الصغير مستقلًا؛ ففي بدايات حياته، تجعل هذه الضخامة نفسها أكثر عرضة للخطر وأكثر اعتمادًا على العائلة التي تحيط به.

فالصغير لا يتحرك في العالم بوصفه نسخة مصغّرة من الفيل البالغ. بل يتحرك داخل منظومة عائلية، غالبًا ما تكون أمومية، حيث تُبقيه الأمّهات والأخوات الأكبر والعمّات وغيرهن من القريبات قريبًا، ويحمين جانبيه، ويعدّلن خطاهن بما يلائم قصر خطوته. وما يبدو كأنه حيوان ضخم يسير قريبًا فحسب، يكون في كثير من الأحيان درعًا متحركًا يؤدي عمله.

صورة بعدسة هو تشين على Unsplash
ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

لماذا لا يُعدّ البقاء قريبًا ضعفًا

راقب المسافات أولًا. فكثيرًا ما يُبقى الصغير قرب الوسط أو إلى الأمام قليلًا من أحد البالغين، بينما يكون فيل آخر مستعدًا لسدّ الفراغ إذا ابتعد. هذا القرب ليس سلبية. بل هو حماية في صورتها العملية: فالصغير أقصر قامة، وأبطأ حركة، وأسهل أن يضيع وسط العشب الطويل، وما يزال يتعلم كيف يقرأ الخطر وكيف يتبع خط سير الجماعة.

وهذا هو الجانب المضلّل بالنسبة إلينا. فنحن نرى سيقانًا غليظة، وجسمًا متينًا، ونوعًا مشهورًا بالقوة، فنفترض أن الأمان جزء فطري فيه. لكن صغار الفيلة يظلون معرّضين للخطر. فقد يتعبون، أو يترددون عند الأرض الوعرة، أو يتأخرون عند عبور المياه، أو يندفعون إلى طريق المتاعب إن لم يكن أحد يدير موضعهم.

ADVERTISEMENT

ولهذا تبقى العائلة منظّمة بهذا الشكل الجسدي الدقيق. فقد يقف أحد البالغين على الحافة الخارجية. وقد يدفع آخر الصغير برفق إلى الأمام. وقد يتوقف ثالث لأن الصغير توقف. وإذا أردت اختبارًا سريعًا لنفسك وأنت تراقب عائلات الفيلة، فلا تسأل: «من هي الأم؟» بل اسأل: «من الذي يُبقي الصغير في الوسط، أو يبطئ له، أو يوفّر له الغطاء؟»

الصغير لا تربيه أم واحدة وحدها

لا تترك عائلات الفيلة رعاية الصغار لثنائي واحد فقط. فهي تعتمد ما يُعرف بالرعاية المشتركة، أي الرعاية التي تأتي من فيلة غير أمّ الصغير نفسها. وبعبارة بسيطة، كثيرًا ما يتولى عدة إناث في الجماعة التعامل مع الصغير وحراسته وتوجيهه.

وتتبعت دراسة أجرتها فيليس سي. لي عام 1987 في دورية Animal Behaviour بعنوان «Allomothering among African elephants» جماعة كانت فيها الأنساب العائلية وأعمار الصغار معروفة. وما يهم القارئ هنا بسيط: لقد تفاعل الصغار مرارًا مع فيلة ليست أمهاتهم. ولم يكن هذا أمرًا نادرًا أو إضافة جانبية، بل كان جزءًا طبيعيًا من حياة الصغير.

ADVERTISEMENT

ومن السهل أن ترى السبب. فقد تقف إحدى الإناث الراعية بين الصغير والمساحة المفتوحة. وقد تمنعه من التوهان بينما تنشغل الأم بالرعي. وقد ترافقه حين يبدأ القطيع في الحركة، أو تثبت في مكانها مدة تكفي لمروره عبر عقدة مزدحمة من الأجساد. و«رعاية الأطفال» تعبير أصغر من الحقيقة هنا، لأن المهمة لا تقتصر على المراقبة. إنها تنظيم نشط للحركة، وتوفير للغطاء، وتدريب أيضًا.

هذا العمل جماعي ومتعدد الطبقات، إذ تتولى عدة بالغات مهام وقائية مختلفة حول الصغير نفسه.

كيف يدعم القطيع صغير الفيل

1

يحرس

يحمي البالغون الصغير من الأخطار الخارجية ويمنعونه من الانجراف إلى مساحة مكشوفة.

2

يوجه

يوجهون حركته، ويدفعونه برفق إلى الأمام، ويساعدونه على البقاء منسجمًا مع القطيع.

3

يمتص الصدمة

يمتص البالغون تزاحم الأجساد، ويبطئون حركة الجماعة، ويصنعون مساحة تمكّن الصغير من التحرك بأمان.

4

يعيد الوصل

يساعدونه على عبور الأرض المفتوحة، ويُبقونه مع القطيع، ويتجاوبون بعضهم مع بعض حين تتسع المسافة.

ADVERTISEMENT

لماذا لا يستطيع أكبر حيوان بري أن يفعل ذلك بمفرده

قد تظن أن أنثى الفيل، بوصفها واحدة من أقوى الثدييات على اليابسة، ينبغي أن تكون قادرة على تربية صغيرها وحمايته بمفردها. ويبدو ذلك منطقيًا. لكن هنا تحديدًا تقلب الفيلة توقعاتنا: فالحجم الهائل لا يصنع الاستقلال في بداية الحياة، بل يوسّع المهمة الاجتماعية المحيطة بالصغير. نعم، يستطيع الصغير أن يمشي مبكرًا، لكنه يظل بطيئًا، ومعرّضًا للخطر، وما يزال يتعلم، ولهذا تزداد أهمية القطيع ولا تقل.

وهنا يأتي الجزء الذي يكاد المرء يشعر به في صدره قبل أن يسميه. فخرخرة الفيلة منخفضة النبرة إلى حد أنها تُدرك أحيانًا بوصفها اهتزازًا قبل أن تُسمع بوضوح على أنها صوت. وهذا مهم لأن الرعاية العائلية لا تتعلق فقط بمن يقف أقرب. بل تتعلق أيضًا بكيفية بقاء الجماعة مترابطة حين تتمدّد المسافة أو يحجب الشجَر الرؤية.

ADVERTISEMENT

وأظهرت ورقة بحثية نُشرت عام 1991 للانغباور وزملائه في Journal of Experimental Biology أن الفيلة الإفريقية تستجيب للنداءات المنخفضة التردد القادمة من مسافات بعيدة. وبصياغة أبسط، تستطيع الفيلة أن تتابع مواقع بعضها بعضًا عبر مسافات طويلة مستخدمة نداءات عميقة تصل أبعد مما يبلغه نداء عادي. وبالنسبة إلى الصغير، فهذا يعني أن الدرع المتحرك لا يقتصر على حلقة الأجساد القريبة فحسب، بل يشمل أيضًا أفراد العائلة الذين ينسقون فيما بينهم خارج مجال الرؤية المباشر.

ما الذي يفعله القطيع حقًا حين يتحرك

ما إن تلاحظ ذلك حتى يبدو لك انتقال الفيلة مختلفًا. فالجماعة لا تنتقل من مكان إلى آخر فحسب، بل تظل تعدّل نفسها باستمرار كي تُبقي أصغر أفرادها داخل نطاق من الأمان.

كيف تتغير حركة القطيع بوجود صغير

الحالةاستجابة القطيعالغاية
إذا أبطأ الصغيرتتقارب الأجسادإبقاء الصغير داخل الجماعة
إذا انفتحت الأرضيشدّ البالغون الصفوفتقليل التعرّض للخطر
إذا تفرقت العائلة أثناء الرعيتعيد النداءات المنخفضة الحركة إلى نظامهااستعادة التنسيق خارج مجال الرؤية
ADVERTISEMENT

تلك هي القوة الحقيقية هنا. ليست قوة منفردة، بل تغطية منسقة. وهكذا يعمل السلوك العائلي المعتاد لدى فيلة السافانا الإفريقية، مع أن كل مشاهدة لا تبدو على النحو نفسه، ولا تكون كل جماعة من الفيلة مرتبة بالنمط ذاته تمامًا.

وبالنسبة إلى صغير الفيل، فإن نشأته داخل هذا النظام تعني أنه يتعلم وهو في حماية. فهو يتعلم الإيقاع من القطيع، والاتجاه من القطيع، وحتى، بمعنى عملي، الشجاعة من القطيع، لأنه لا يضطر إلى مواجهة كل رقعة جديدة من الأرض وحده. أما الضخامة فستأتي لاحقًا. أما في البداية، فما يحمله إلى الأمام هو نظام العائلة.

كيف تراقب عائلات الفيلة من دون أن يفوتك المغزى

حين تراقب عائلات الفيلة، لا تثبّت نظرك على أكبر جسم فقط. راقب المسافات. لاحظ من يتقدم إلى الحافة الخارجية، ومن يتوقف حين يتوقف الصغير، ومن يعيده إلى الداخل، ومن يجيب الحركة بحركة. تلك هي تربية الصغار على نحو مشترك، ماثلة أمامك في الزمن الحقيقي.