يظن معظم الناس أن السنجاب يعثر على طعامه المدفون بمجرد أن يشم هنا وهناك عشوائيًا، لكن هذا يغفل الحيلة الأساسية: فهو كثيرًا ما يستخدم الذاكرة المكانية، أي نوعًا من الخريطة الذهنية، ويمكنك أن ترى بدايتها على درابزين عادي في الفناء الخلفي قبل أن تلمس كفّه الأرض أصلًا.
وهذا مهم لأن التوقف الذي يراه كثيرون منا ترددًا يكون في الغالب لحظة القياس. يتوقف السنجاب، ويحدد موضعه، ثم ينطلق كما لو أن لديه عنوانًا محددًا سلفًا.
قراءة مقترحة
إذا راقبت سنجابًا رماديًا شرقيًا مدة كافية في الخريف، فستبدأ بملاحظة التسلسل الصغير نفسه. يصعد إلى السور، ويسكن للحظة، وجسده مشدود وأذناه منتصبتان، ثم ينظر عبر الفناء كأنه يراجع السور والشجرة والمغذي وبقعة التراب العارية بعضها في ضوء بعض.
وما يأتي بعد ذلك لافت، لأن حركة السنجاب تميل إلى أن تكون مباشرة لا استكشافية.
مسار متعرج فضفاض، وتجوال والأنف إلى الأسفل، وحركة تقوم على التجربة والخطأ قبل أن يبدأ أي حفر جدي.
تحديد الاتجاه أولًا، ثم خط سير نحو رقعة واحدة، ويبدأ الحفر تقريبًا فور وصول السنجاب إليها.
هذه هي النقطة التي يتجاوزها كثيرون. فالبحث عن الطعام يبدأ في كثير من الأحيان قبل الشم، عبر التوجه إلى العلامات والمعالم وإلى تخطيط المكان.
في عام 1991، نشرت لوسيا ف. جاكوبس وإيميلي ر. ليمان دراسة في Animal Behaviour ساعدت على توضيح هذه المسألة. فقد وجدت، أثناء العمل على السناجب الرمادية، أن هذه الحيوانات تستطيع استعادة الجوز عبر تذكر الأماكن التي أخفتها فيها بنفسها، لا بالاعتماد على الشم وحده.
1991
قدمت تلك الدراسة أساسًا علميًا واضحًا لفكرة أن السناجب الرمادية تستطيع استرجاع مخابئها من الذاكرة، لا من الشم وحده.
وقد أعطت هذه النتيجة جوابًا مباشرًا عن لغز من ألغاز الحدائق الخلفية. فعندما يتجه السنجاب إلى بقعة واحدة، ويخدش مرتين، ثم يخرج منها بجوزة، فهو ليس محظوظًا دائمًا، ولا يتبع الرائحة دائمًا. ففي كثير من الأحيان، يستدعي الموقع من ذاكرته.
والسناجب الرمادية من الحيوانات التي تخزن طعامها على نحو مبعثر، أي إنها لا تحتفظ بكل طعامها في مخزن واحد. بل تدفن كثيرًا من المخابئ المنفصلة عبر مساحة واسعة. وإذا سبق لك أن شاهدت واحدًا منها يعمل على حافة العشب، وفي حوض الزهور، وعند قاعدة الشجرة خلال ساعة واحدة، فقد رأيت السبب الذي يجعل الذاكرة جزءًا لا بد منه في هذه المنظومة.
والآن أسند إلى نفسك المهمة نفسها للحظة. هل يمكنك أن تعثر مجددًا على جزء ولو يسير من عشرات الأشياء الصغيرة التي أخفيتها في أنحاء حديقتك أو الحديقة العامة قبل أشهر، من دون دفتر ملاحظات، بينما يواصل الناس والأوراق والطقس وسناجب أخرى تغيير المشهد من حولك؟
بعد هذا السؤال، تبدو حركة الاندفاع ثم الحفر اليومية على نحو مختلف. جوز مدفون، ومناطق مخابئ متداخلة، وعودة متأخرة، ومواقع متذكرة، وإشارات معالم. عندها يبدو المشهد كله أقل شبهًا ببحث عشوائي وأكثر شبهًا بذاكرة ميدانية تعمل تحت الضغط.
وقد أضافت أعمال لاحقة عن السناجب التي تخزن طعامها في مخابئ متناثرة، ومراجعات عن استعادة هذه المخابئ، مزيدًا من التفصيل إلى هذه الصورة. فقد وصف الباحثون السناجب الرمادية وأنواعًا قريبة منها وهي تستخدم الإشارات المكانية والمعالم القريبة عندما تعود إلى طعامها المخفي، وهو ما ينسجم مع ما يراه مراقب الفناء الخلفي حين يتحقق السنجاب من موضعه قبل أن يندفع نحو المكان.
ولهذا تكتسب وقفة السور كل هذه الأهمية. فالسنجاب الذي يتوقف، ويرفع رأسه، ويبدو كأنه يصطف العالم أمامه، لا يضيع وقته. بل قد يكون يطابق ما يراه الآن مع الخريطة التي كوّنها حين دفن الجوزة.
ثمة حد صريح هنا. فالسناجب تستخدم الشم أحيانًا، ولا سيما من مسافة قريبة، كما أنها لا تستعيد كل مخبأ تصنعه. والعثور على جوزة ليس دليلًا كاملًا على ذاكرة كاملة.
وأقوى تفسير هنا هو تفسير متعدد الطبقات، لا حكاية تقوم على حاسة واحدة.
يبدو أن الذاكرة المكانية توجه الحيوان عائدًا إلى الجزء الصحيح من الحديقة أو المتنزه.
تساعد الإشارات المرئية مثل الأشجار والأسوار والمغذيات وبقع التراب على تضييق نطاق البحث.
قد تساعد الرائحة على سد الفجوة الصغيرة الأخيرة عندما يكون السنجاب قد اقترب بالفعل من نقطة المخبأ المرجحة.
لكن الشم وحده لا يفسر هذا النمط. فلو كانت الرائحة هي التي تقوم بكل العمل، لتوقعت أن ترى مزيدًا من التحسس الواسع بالأنف ومزيدًا من البحث القائم على التجربة والخطأ قبل الحفر. أما ما تراه غالبًا فهو تحديد الاتجاه أولًا، ثم انتقال مباشر ثانيًا، ثم الحفر فقط حين يبلغ السنجاب نقطة مرجحة.
لذا فإن أفضل صورة هنا هي صورة مركبة. فالذاكرة توصل السنجاب إلى الحي الصحيح، والمعالم تضيق نطاق البحث، ويمكن للشم أن يساعد في سد الفجوة الصغيرة الأخيرة.
فتش عن التوقف، والنظرة الموجهة لتحديد الاتجاه، والمسار المقصود قبل الحفر؛ فهذه عادة أوضح علامة على أنك تشاهد سنجابًا يستخدم خريطته، لا أنفه فحسب.