ينظر كثيرون إلى مئذنة في القاهرة ويفكرون في شيء واحد: الأذان. وهذا صحيح، لكنه ليس الحقيقة كلها في مدينة قديمة مكتظة مثل القاهرة، حيث كانت مئذنة المسجد الشاهقة تؤدي أيضًا وظيفة أبسط وأكثر نفعًا؛ إذ كانت علامة بارزة يستطيع الناس قراءتها من مسافة بعيدة.
وهذا مهم لأن القاهرة التاريخية لم تكن مدينة ذات شوارع عريضة مستقيمة وعناوين مرتبة. لقد كانت، وما تزال في مواضع كثيرة منها، مدينة من الأزقة الملتوية، والشوارع التجارية، والحارات، والأبواب، والساحات، والانعطافات المفاجئة. وتصفها UNESCO بأنها «مدينة الألف مئذنة»، وهي عبارة تبدو شاعرية إلى أن تدرك معناها في الحياة اليومية: فقد كانت الأبراج جزءًا من المشهد البصري المألوف للمدينة.
قراءة مقترحة
كثيرًا ما يصف مؤرخو العمارة المئذنة بأنها إحدى السمات البارزة في المدن الإسلامية. وإذا قيل ذلك بلغة بسيطة، فالمعنى هو الآتي: قبل لافتات الشوارع الحديثة، والعناوين المرقمة، وخرائط الهواتف، كانت المئذنة نقطة مرتفعة يمكن رؤيتها من بعيد والاستدلال بها على الموقع.
وفي القاهرة، كانت لهذه الوظيفة العملية وجاهة خاصة. فقد نمت المدينة طبقة فوق طبقة عبر قرون طويلة. وتزاحمت فيها المساجد، والمدارس، والأضرحة، والأسواق، والمنازل، والورش، وطرق القوافل. وعند مستوى الشارع، كان مجال الرؤية يضيق سريعًا. أما المئذنة العالية فكانت تشق طريقها فوق هذا الاكتظاظ.
وكان منطقها العملي بسيطًا: لا بد أن يرتفع البرج بما يكفي ليُرى، وأن يتميز بوضوح كافٍ ليُعرَف، ثم يدلّ الناس على الحي الصحيح.
كانت المئذنة ترتفع فوق الأسطح والدكاكين والنسيج العمراني الكثيف للمدينة.
ولأنها كانت أعلى من المشهد العمراني المحيط، أمكن رؤيتها من مسافة بعيدة.
كان المسافر أو المقيم يستطيع أن يربط هذا البرج المرئي بمسجد معروف أو بحي معين.
وبعد أن يحدد اتجاهه، يمكنه أن يصحح مساره، ويواصل السير عبر الأزقة، ويصل إلى الحي المقصود.
وهنا تكمن النقطة التي يغفلها كثير من القراء اليوم. فالمئذنة كانت متصلة بالمسجد، نعم، لكنها كانت أيضًا جزءًا من المدينة خارج جدران المسجد. فقد كانت تساعد الناس على الاقتراب، وتحديد الاتجاه، والوصول.
ولا يعني هذا أن سكان القاهرة كانوا يعتمدون على الأبراج وحدها. فالأبواب كانت مهمة، والأسواق كانت مهمة، وكذلك الذاكرة المحلية، والعادة العائلية، والطريقة البشرية القديمة في سؤال من يعرف الطريق. لكن البرج المرئي في نسيج عمراني مكتظ كان يثبت هذه المعارف المحلية. كان يمنح العين شيئًا ثابتًا تعمل به.
وحتى في مدينة اشتهرت بكثرة مآذنها، ظلت بعض المآذن أظهر من غيرها. فالموقع على طريق رئيسي، أو الارتفاع الأكبر، أو الإشراف على موضع مهيمن قرب مسجد معروف، كل ذلك قد يجعل برجًا أسهل قراءة من غيره عبر أحياء المدينة المكتظة. ولم يكن امتلاء الأفق بالمآذن يجعل كل مئذنة بلا فائدة، بل كان يجعل المآذن الأوضح والأيسر قراءة أشد أهمية.
وهكذا صار بناء ديني جزءًا من الحياة المدنية. لا لأنه غيّر غايته، بل لأنه لبّى أكثر من حاجة في وقت واحد. ففي القاهرة، كانت المئذنة تدعو المصلين إلى الصلاة، وفي الوقت نفسه تدل الغريب، والحمال، أو المقيم على كيفية انتظام المدينة واتجاهاتها.
توقف الآن لحظة وتخيل الأمر بوضوح: كيف كنت ستعثر على حي في مدينة كثيفة إذا لم تكن هناك لافتات شوارع، ولا أرقام منازل تثق بها، ولا خريطة مضيئة في يدك؟
عند هذه النقطة تتغير صورة المئذنة في الذهن. فلا تعود زينة في المقام الأول، بل تصبح إشارة عمرانية. ففي القاهرة القديمة، حيث كانت الشوارع قد تنعطف أو تضيق أو تفضي إلى عقد تجارية مزدحمة، كان البرج العالي يمنح المتاهة شكلًا واضحًا.
وكان الاهتداء في مدينة كهذه يقوم على سلسلة من العلامات المحفوظة في الذاكرة، لا على مسار مستقيم واحد.
يتذكر المسافر نقاطًا مرجعية كبرى، مثل شارع سوق أو باب من أبواب المدينة.
يبقي الباب وراءه ويتجه نحو المسجد الذي تشير مئذنته إلى الحي المقصود.
لا يحتاج إلى معرفة كل زقاق مسبقًا؛ بل يكفيه قدر من النقاط الثابتة حتى لا يضل مساره.
يمكن أن تلوح المئذنة وتختفي ثم تظهر من جديد مع انكشاف الطريق منعطفًا بعد منعطف.
ولهذا كان ارتفاع البرج عمليًا إلى هذا الحد. فقد كان يعلو فوق صفوف البيوت والدكاكين. وكان يمكن أن يلوح للناظر، ثم يغيب، ثم يعود إلى الظهور مع الحركة. وكان يمنح الاتجاه على دفعات، وهي في الغالب الطريقة التي تُقرأ بها المدن القديمة فعلًا: لا دفعة واحدة، بل زاوية بعد زاوية.
ومن المهم هنا أن نكون دقيقين. فالمئذنة كانت قبل كل شيء بناءً دينيًا، مرتبطًا بالمسجد وبالممارسة الإسلامية. واختزالها في أداة للاهتداء فحسب يُفرغ معناها ويغفل ما انطوت عليه من تعبّد.
لكن القاهرة التاريخية لم تكن تفصل بين الحياة المقدسة والحياة المدنية بالفصل الحاد الذي قد يتصوره الناس اليوم أحيانًا. فالمسجد كان مكانًا للعبادة، وكان أيضًا في كثير من الأحيان ركيزة للحي. وكانت مئذنته تعبر عن الإيمان، وفي الوقت نفسه تخدم القراءة العملية للمدينة. وكان من الممكن أن تجتمع هاتان الوظيفتان من غير تناقض.
أفضل طريقة لفهم المئذنة هي النظر إليها بوصفها برجًا دينيًا جميلًا مرتبطًا بالصلاة فحسب.
في القاهرة التاريخية، ظلت المئذنة بناءً دينيًا، لكنها أدت أيضًا وظيفة إشارة عمرانية عملية ساعدت الناس على تحديد مواقعهم داخل المدينة.
ويساعد وصف UNESCO هنا. فعبارة «مدينة الألف مئذنة» ليست مجرد تعبير عن الجمال. بل إنها، بلغة مباشرة، تخبرك بأن الأبراج أسهمت في تحديد الكيفية التي كانت القاهرة تُرى وتُعرَف بها. لقد كانت جزءًا من الطريقة التي كانت المدينة تعلن بها عن نفسها لسكانها.
لذلك، حين يرتفع مسجد عظيم فوق الأسطح، فإن أذكى طريقة لقراءته ليست بوصفه إضافة جميلة إلى خط الأفق فحسب. ففي القاهرة، كانت المئذنة إحدى الوسائل التي جعلت خط الأفق مفيدًا.
والخلاصة البسيطة هي هذه: لم تكن مئذنة القاهرة يومًا برجًا للصلاة فقط؛ بل كانت أيضًا واحدة من أوضح الإشارات العامة في المدينة وأكثرها قابلية للقراءة.