ما يبدو صدامًا بين التقليد والتكنولوجيا يكون في كثير من الأحيان استمرارًا ظاهرًا للعيان: فمكبرات الصوت المثبتة على المئذنة لا تقطع معناها بقدر ما تواصل أقدم وظيفة لها، وهي أن يبلغ أثرها ما وراء جدران المسجد. ولهذا تكتسب الشرفة والارتفاع، بل وحتى بروز البرج نفسه، أهمية لا تقل عن الزخارف الخزفية.
كثير من الزائرين ينظرون إلى المئذنة على نحوٍ ناقص، كأنها أثر جميل شُدّت إليه تجهيزات حديثة. لكن المئذنة في تاريخ العمارة الإسلامية لم تكن يومًا شيئًا يُتأمل لجماله فحسب. فالمراجع الأساسية، مثل Encyclopaedia Britannica، تصفها بأنها البرج الذي كان يُعلَن منه الأذان، كما تشرح أدلة المساجد الأمر نفسه بعبارات أبسط: فالمئذنة تساعد المسجد على أن يكون مرئيًا ومسموعًا في حياة المدينة.
قراءة مقترحة
لنبدأ من الحقيقة المباشرة: المئذنة موضع مرتفع ملحق بالمسجد، وكان دورها العام تاريخيًا متجهًا إلى الخارج.
كان شكلها منطقيًا لأن عدة وظائف اجتمعت في برج واحد: الإعلان، والتوجيه، وإيصال النداء، والحضور العلني.
حضور دالّ
كان البرج يدل على موضع المسجد في المدينة ويجعله مقروءًا في المشهد العمراني المحيط.
أوصل النداء
كان يمنح المؤذن موضعًا عاليًا يحمل منه الأذان إلى ما وراء جدران المسجد.
وجّه الناس
ساعد الارتفاع والوضوح البصري الناس على الاهتداء إلى المسجد وفهم مكانته في المدينة.
وهذا يبدد ما يُظن أنه تناقض. فمكبرات الصوت لم تُثبَّت على برج زخرفي مصادفة، بل ثُبّتت على برج كانت وظيفته منذ البداية أن يُسمِع ويُوصل؛ أولًا بالارتفاع والصوت البشري، واليوم بالصوت المضخَّم.
ويمكن رؤية هذا المنطق الأقدم في العمارة نفسها. فالشرفة لم توضع هناك لمجرد أن تبدو هيئة البدن أكثر رشاقة، بل كان لها استعمال. الارتفاع يوسّع المدى، والوضوح البصري يحقق الاهتداء. وكان البرج قائمًا بوصفه إشارة عامة بقدر ما كان عنصرًا جماليًا.
وهذه واحدة من تلك المفارقات التاريخية الهادئة التي تعرفها المدن القديمة جيدًا. فنحن، أبناء الحداثة، نفصل بين الجمال والوظيفة بحدة أكبر مما فعل البناؤون الأوائل. أما في كثير من البيئات الإسلامية، فقد كانا يلتقيان في انسجام داخل الآجرّ والخزف والحجر.
تأمل البرج ببطء للحظة: زخارف الخزف التي تلتف حول البدن، والشرفة في منتصفه، والجاذبية الصاعدة في الهيئة كلها، ثم التتويج المدبب الذي يتمم هذا الارتفاع. يسهل أن تتوقف عند هذا الحد، كأنك تقف في متحف أمام بطاقة تعريف مهذبة ولا وجهة لك بعدها.
إذا كان هذا البرج قد بُني ليُرى، فما الذي بُني ليفعله بعد أن يرفع الناس أبصارهم إليه؟
عندها تتغير البناية في ذهنك. تكاد تسمعها: صوتًا ينطلق من مستوى الشرفة، ويعبر الهواء المفتوح، وينساب فوق الأسطح إلى الشوارع، فيحوّل العلامة العمودية إلى أداة. تتوقف المئذنة عن أن تكون ساكنة وتغدو فاعلة.
حين تنظر إلى البرج، هل تتعامل معه بوصفه نحتًا أم بنية تحتية؟
ارتفاع ← خط رؤية ← نداء ← مدى ← اجتماع
هذه السلسلة هي ما يجعل مكبرات الصوت المثبتة تبدو أقل خيانةً للمئذنة من كونها تحديثًا لمهمتها العامة الأصلية.
وبمجرد أن يستقر هذا السؤال في الذهن، يصبح وجود مكبرات الصوت المثبتة أمرًا مفهومًا على الفور. ارتفاع، وخط رؤية، ونداء، ومدى، واجتماع، واستمرار. تتغير التكنولوجيا، لكن المهمة الاجتماعية تبقى مألوفة. فما تزال المئذنة تساعد في تنظيم الزمن المشترك في الفضاء العام.
وهنا تحديدًا تكمن النقطة التي كثيرًا ما تُغفل. نعم، كانت المئذنة مرتبطة بالشعيرة الدينية، لكنها أدت أيضًا وظيفة في حياة المدينة. فقد أعلنت الحضور، ووجّهت الناس. وفي كثير من المدن، كانت تميز أحد المواضع التي يصبح عندها إيقاع الجماعة مسموعًا.
ولهذا يشرح مؤرخو العمارة الإسلامية المآذن عادة من زاوية الرمز والاستعمال معًا. فالبرج كان يدل بصريًا على المسجد، وكان النداء الصادر منه يصل العبادة بحركة الحياة اليومية. وقد بدا الشكل منطقيًا لأن الناس كان ينبغي أن يلحظوه وأن يسمعوا النداء منه.
أما التضخيم الصوتي الحديث فما هو إلا امتداد لتلك الوظيفة الخارجية في بيئة عمرانية أوسع وأكثر ضجيجًا. فقد كان الصوت البشري وحده يعتمد في الماضي على الارتفاع والهواء المفتوح، أما اليوم فحركة المرور، واتساع المدن، وكثافة الأحياء تغيّر الشروط، ولذلك تتغير الأداة أيضًا.
وإنصافًا، لا يحب الجميع منظر مكبرات الصوت أو صوتها على المباني الدينية التاريخية. فبعض الناس يرونها قاسية بصريًا، وبعض المجتمعات ناقشت مسائل تتعلق بدرجة الصوت وموضع التثبيت والتنظيم، وكانت هذه النقاشات جادة فعلًا في أماكن مختلفة. هذه المقالة تشرح استمرارية الوظيفة، ولا تزعم أن كل تركيب يحظى بالقبول العام.
قد تبدو التجهيزات الحديثة خشنة على الحرفية القديمة، وقد تختلف المجتمعات بشأن درجة الصوت أو موضع التثبيت أو التنظيم.
لكن هذا النفور الجمالي لا يمحو الدور الأصلي للبرج: مساعدة المسجد على بسط حضوره وصوته في الفضاء العام.
ولهذا التمييز أهميته. فالنفور الجمالي أمر حقيقي، ولا سيما حين تشق المعدات الحديثة طريقها عبر صنعة قديمة متقنة. لكن الانزعاج البصري ليس هو نفسه انقطاع الغاية. فقد يظل البرج وفيًا لدوره العام الأصلي حتى إن بدا الجهاز المضاف خشنًا أو غير أنيق.
بل إن هذا التباين نفسه يقول شيئًا صريحًا عن العمارة الحية. فالمباني التي ما تزال تؤدي خدمة الناس نادرًا ما تبقى مجمدة عند تاريخ إنشائها. إنها تكتسب أسلاكًا، ومكبرات صوت، وترميمات، وبدائل، وتعديلات، لأن الاستعمال يترك آثاره.
حين تصادف مئذنة مرة أخرى، ابدأ من السمة الظاهرة التي تستوقف عينك، ثم اسأل: أي نوع من الامتداد بُنيت لتؤديه؟ انظر إلى الارتفاع، والشرفة، وموضع البرج في خط الشارع، وأي علامة توحي بأنه صُمم ليحمل الصوت كما يحمل الهيئة.
اقرأها لا بوصفها برجًا جميلًا فحسب، بل بوصفها بنية صُممت لتحرك الرؤية والصوت والناس معًا.