ما يتذكره معظم الزائرين في مسجد-كاتدرائية قرطبة بوصفه الأقواس الحمراء والبيضاء لم يكن في الأصل مجرد وسيلة لتزيين القاعة، بل كان أولًا طريقة لحمل السقف وكسب مزيد من الارتفاع.
يشرح الدليل الرسمي للمسجد-الكاتدرائية الفكرة الأساسية بوضوح: فالأروقة القوسية تساعد على حمل بنية السقف. وهذه نقطة مهمة لأنها تغيّر طريقة نظرك إلى المكان. فالخطوط اللونية ليست شيئًا أُضيف لاحقًا كزخرفة سطحية، بل هي جزء من نظام دعم المبنى نفسه.
ومتى عرفت ذلك، انكشفت لك القاعة على نحو مختلف. فالأقواس لا تزال جميلة بالطبع، لكنها أيضًا جواب مرئي عن مشكلة صعبة: كيف تبني قاعة صلاة واسعة وعالية حين تكون كثير من أعمدتك قطعًا معاد استخدامها، ولا يكفي ارتفاعها وحدها؟
قراءة مقترحة
استخدم البناؤون الأوائل في قرطبة أعمدة رومانية وقوطية غربية معاد توظيفها. وكان ذلك عمليًا، لكنه جاء بحدود معينة. فقد كانت تلك السواري أنيقة ومتينة، غير أن كثيرًا منها كان قصيرًا نسبيًا إذا قيس بحجم الفضاء الذي أراده البناؤون.
وجاء الحل في نظام متراكب أتاح لتلك الأعمدة الموروثة القصيرة أن تحمل فضاءً داخليًا أعلى.
بدأ البناؤون بسواري رومانية وقوطية غربية قصيرة كانت متاحة أصلًا لإعادة الاستخدام.
تربط القوس الأولى بين دعامة وأخرى وتشكّل الفتحة في الأسفل.
ترفع قوس ثانية فوقها منسوب انطلاق البناء، بحيث يمكن أن يبدأ السقف على ارتفاع أعلى مما تسمح به الأعمدة وحدها.
والنتيجة قاعة صلاة أوسع وأكثر علوًا من غير الحاجة إلى عمود واحد ضخم في كل نقطة ارتكاز.
ولم يكتفِ الباحثون بالإعجاب بهذا النظام من بعيد، بل قاسوه بدقة أيضًا. فقد تناولت دراسة قياسية أعدّها J. Cantizani-Oliva وزملاؤه في عام 2022 نسب الأروقة القوسية، وأظهرت مدى إحكام النظام وترتيبه. تبدو الأقواس سهلة وطبيعية لأن هندستها مضبوطة بإحكام.
والآن توقّف عند الجزء غير المألوف. إذا كانت الأعمدة هي الدعامات الواضحة، فلماذا كان لا بد أصلًا من هذه الطبقة الثانية من الأقواس؟
تخيّل القاعة من دون تلك الأقواس المخططة. أبقِ الأعمدة المعاد استخدامها نفسها، لكن أزل تلك الطبقة العلوية. عندها سينخفض السقف، وستبدو الفتحات أضيق، وسيفقد الداخل كله ذلك الامتداد المرتفع المنفتح الذي يجعله راسخًا في الذاكرة.
هنا تأتي النقلة الحاسمة في طريقة رؤية قرطبة. فالنمط الشهير ليس موضوعًا فوق الهندسة، بل هو الهندسة نفسها وقد صارت مقروءة للعين.
يسهل فهم مسار الحمل إذا قُسِّم إلى تسلسل بسيط.
يبدأ وزن السقف من أعلى هذا النظام.
تمثل الطبقة العليا الحلقة الإنشائية الرئيسية التي تضطلع بالدور الأثقل في حمل السقف.
تنتقل القوة من الأقواس إلى الدعامات التي تحتها ثم عبر التيجان.
ومن هناك ينتقل الحمل عبر الأعمدة المعاد استخدامها إلى الأرض.
أما الأقواس السفلية فلها أهميتها أيضًا، ولكن ليس بالطريقة نفسها. فهي تساعد على تنظيم الرواق القوسي وربط الدعامات عبر الممر، بينما تظل الطبقة العليا هي التي تتيح للنظام كله أن يرتفع فوق تلك الأعمدة الموروثة القصيرة. ولهذا ينبغي ألا تختلط الأقواس العليا والسفلى في ذهنك.
وإذا كنت واقفًا هناك، فجرّب اختبارًا سريعًا لنفسك. تتبّع بعينك، أو بإصبعك في الهواء، المسار من السقف إلى القوس العلوية إلى الدعامة السفلى إلى العمود. وما إن تتبع هذا المسار حتى يتوقف المبنى عن أن يكون مجرد زخرفة متكررة، ويبدأ في الظهور أمامك بوصفه ضربًا من التفكير المادي.
وهنا، لعل جدًّا في متحف كان سيتوقف بك بلطف ويشير إلى أعلى. ليس تلك القوس، بل التي فوقها، كما قد يقول. فالقوس العليا هي التي تقوم بالعمل الإنشائي الأثقل، أما السفلى فتساعد على جعل النظام ممكنًا ومقروءًا.
ويأتي الأثر الأحمر والأبيض من تناوب صنجات القوس، وهي الأحجار الإسفينية التي تتألف منها القوس. وفي قرطبة تتناوب ألوانها بتنوع المواد، وغالبًا ما توصف بأنها حجر وطوب، وهو ما يحوّل الحلقة الإنشائية لكل قوس إلى خطوط لا يمكن أن تخطئها العين.
هنا تتضح المقابلة الأساسية في المقال: فالأقواس إنشائية ورمزية في آن واحد.
بحسب هذه الرؤية، يُعامَل النمط الأحمر والأبيض بوصفه تشطيبًا بصريًا أضيف ليجعل القاعة أكثر رسوخًا في الذاكرة.
في قرطبة، تشير صنجات القوس المخططة إلى حل إنشائي حقيقي، وفي الوقت نفسه تستحضر تقاليد البناء الأموية وتمنح المكان هويته.
وهكذا تعمل العمارة في أفضل حالاتها في كثير من الأحيان. فحاجة إنشائية تطرح المشكلة، ولغة ثقافية تمنح الجواب هيئته. وفي قرطبة تؤدي الزخرفة الإسفينية الظاهرة الوظيفتين معًا: فهي تميّز القوس بوضوح وتجعل الحل لا يُنسى.
لذلك، حين يقول الناس إن الأقواس زخرفية، فهم ليسوا مخطئين تمامًا. إنهم فحسب يتوقفون قبل خطوة واحدة من النهاية. فالزخرفة لم تحل محل البنية الإنشائية، بل قامت عليها، وحدّدتها بوضوح، وجعلتها سهلة القراءة في المبنى كله.
تخفي كثير من الفراغات الداخلية الشهيرة هندستها فوق الأسقف أو خلف الجدران. أما قرطبة فتفعل شيئًا أشد إرضاءً. إنها تترك المنطق ظاهرًا للعيان، متكررًا من باكية إلى أخرى، بحيث تستمتع عينك بالنمط بينما يقف جسدك داخل الحل نفسه.
ولهذا تبقى الأقواس في ذاكرة الناس. لا لأن الزخرفة أُضيفت إلى بنية إنشائية عادية، بل لأن واحدة من أكثر الزخارف شهرة في العالم هي نفسها البنية الإنشائية، ظاهرة بوضوح.