قد يبدو الأمر استراحة، لكن ذلك الوقوف المنتصب على المجثم يكون عند الصقر في كثير من الأحيان جزءاً من الصيد، لأنه يوفّر الطاقة، ويمنح رؤية واسعة للأرض، ويتيح للطائر أن ينقضّ فقط حين تكون الاحتمالات في صالحه.
وقد بيّن الباحثون ذلك بوضوح. فقد خلصت دراسة نُشرت عام 2010 في PLOS ONE عن حركات رؤوس الجوارح النهارية أثناء المسح من فوق المجاثم إلى أن كثيراً من الصقور وغيرها من الطيور الجارحة النهارية تستخدم المجاثم كنقاط مراقبة نشطة، وتُجري حركات بالرأس تساعدها على تقدير المسافة واكتشاف الفريسة. فالوقت الذي تقضيه على الغصن ليس وقتاً ميتاً، بل هو مراقبة وترصّد.
2010 PLOS ONE
تعزّز هذه الدراسة فكرة أن الجارح الجاثم يكون في كثير من الأحيان في حالة مسح وتقدير للفريسة بنشاط، لا في مجرد استراحة.
قراءة مقترحة
وهذا مهم لأن معظمنا يقرأ الحركة بوصفها فعلاً، والسكون بوصفه توقّفاً. لكن في الأراضي المفتوحة، سيخدعك هذا. فقد يكون الصقر الجاثم على غصن عارٍ أكثر انشغالاً من طائر يحلّق بالفعل.
أبطئ المشهد إلى صورة بسيطة واحدة: صقر على غصن عارٍ فوق أرض مفتوحة. يمنح هذا المجثم ارتفاعاً من دون كلفة الخفقان. كما يمنحه خط رؤية واضحاً إلى العشب، وبقايا الحصاد، وحواف الخنادق، وكل المواضع الصغيرة التي لا بد لفأر أو فأر الحقول أن يعبرها.
يساعد المجثم بثلاث طرائق مترابطة، وهي مجتمعة تفسّر لماذا يمكن أن يكون السكون تكتيكاً للصيد لا مجرد توقّف.
غصن عارٍ فوق أرض مفتوحة يمنح الطائر توفيراً في الطاقة، وسيطرة بصرية، ولحظة أفضل للانقضاض.
الطاقة
يتيح الجثوم للصقر أن يثبت مكانه، ويراقب، وينتظر اللحظة المناسبة من دون أن يستهلك الوقود كل ثانية.
الرؤية
تساعد التفاتات الرأس الصغيرة والتوقفات القصيرة الطائر على مسح الحقل أسفله واكتشاف الفريسة من فوق المجثم.
كفاءة الانقضاض
من الأعلى، يستطيع الصقر أن يرى أين تنكشف الفريسة في العراء، ويختار هبوطاً قصيراً فعّالاً بدلاً من مطاردة طويلة.
كما دعمت دراسات ميدانية عن الصقور حمراء الذيل في مطلع الألفية الفكرة نفسها من زاوية أخرى. فلم تكن تلك الصقور تختار مجاثمها عشوائياً. بل ارتبط اختيارها للمجثم باستخدامه في الصيد، ولهذا يصفها علماء الأحياء كثيراً بأنها مفترسات «تجلس وتنتظر». فالانتظار جزء من الأسلوب.
ويمكنك أن تشعر بهذا أكثر ما يكون في الأراضي المفتوحة. فعمود سياج، أو شجرة يابسة منفردة، أو غصن عارٍ على حافة مرعى يمكن أن يقرأ الحقل كله بالنسبة إلى صقر. ومن على الأرض قد يبدو كأن شيئاً كثيراً لا يحدث. لكن من فوق المجثم، تكشف الأرض نفسها شيئاً فشيئاً.
تأمل تلك الهيئة التي يميل الناس إلى وصفها بالهادئة: الجسد ثابت، والرأس منتصب، والعين الصفراء متقدة في مواجهة السماء الزرقاء. وقد يجعل ذلك السطوع الطائر يبدو كأنه يتخذ وضعية للصورة. لكن ضوء النهار الواضح يكشف الفريسة أيضاً، ولا يحتاج الصقر إلى التململ كي يستفيد من ذلك.
ماذا لو كان هذا هو الصيد نفسه؟
هنا يأتي التحوّل. فالصيد لا يبدأ حين تنفتح الأجنحة. بل يبدأ، عند كثير من الصقور، فوق المجثم، حيث يقلّل الثبات الهدر، ويزيد حدة الاكتشاف، ويجعل الانقضاض قصيراً. وما إن ترى ذلك حتى يتبدّل المشهد كله من صورة بورتريه إلى افتراس.
يمكن قراءة منطق الصيد من فوق المجثم بوصفه تسلسلاً قصيراً.
يبقى الصقر على المجثم بدلاً من أن يدفع الكلفة المستمرة للطيران.
يفحص الأرض أسفله، مستخدماً المجثم كنقطة مراقبة فوق أرض مفتوحة.
يحافظ الطائر على موقعه حتى تجعل الحركة في الأسفل الانقضاض مجدياً.
وعندما تصبح الاحتمالات مواتية، يحوّل السكون إلى هجوم قصير فعّال.
ولهذا ينجح الصيد من فوق المجثم إلى هذا الحد في الأراضي المفتوحة. فالصقر ينفق قليلاً، ويرى كثيراً، ولا يتحرك إلا حين تكون الأرقام في صالح الحركة. لا استعراض في الأمر، بل مجرد طريقة صارمة واقتصادية للبقاء على الشبع.
والإنصاف يقتضي القول إن ليس كل صقر جاثم على وشك الانقضاض بعد ثوانٍ. فأحياناً يكون في حالة راحة، أو هضم، أو حراسة لإقليم، أو مراقبة لمنافسين. كما أن الصقور تصيد أيضاً بالتحليق، وبالتمشيط فوق الأرض، وبالمطاردة حين تضطر إلى ذلك.
لكن الصيد من فوق المجثم يمتلك ميزة خاصة حيث يكون الغطاء منخفضاً وخطوط الرؤية طويلة. وفي هذا النوع من البيئات، يكون المجثم الجيد مفيداً تقريباً بقدر فائدة الأجنحة القوية. وربما أكثر فائدة، إذا كان الطائر يريد أن يدّخر طاقته للحظة التي تهم.
وثمة اختبار بسيط لذلك. قبل أن تقرر أن الطائر لا يفعل شيئاً، راقب ثلاثة أمور: التفاتات الرأس، وزاوية الجسد، ومدة بقائه في نقطة الرصد نفسها. فالصقر الذي يواصل تفقد الأرض أسفل منه، ويوجه صدره نحو مجال رؤية مفيد، ويبقى في مكانه عن قصد، يكون في الغالب في حالة ترصّد لا خارج الخدمة.
تشير النظرات المتكررة إلى ما تحت المجثم إلى أن الطائر يقرأ الحقل بنشاط، لا أنه شارِد الذهن.
قد يدل توجيه الصدر نحو أفضل خط رؤية على أن الصقر قد اتخذ وضعية تتيح له مراقبة الأرض المفتوحة بكفاءة.
قد يعني البقاء في المكان عن قصد أن الطائر اختار نقطة مراقبة مثمرة وينتظر اللحظة المناسبة.
استخدم الاختبار نفسه مع صور الحياة البرية أيضاً. فإذا كان الطائر جاثماً فوق أرض مفتوحة، وله خط رؤية واضح، ويحمل ذلك الانتباه الثابت الذي يميز الجوارح، فقد تكون تنظر إلى منصة صيد لا إلى استراحة هادئة.
حين ترى صقراً ساكناً، امنحه نصف دقيقة واقرأ حالة المراقبة قبل أن تسميها راحة.