ما يبدو بحيرة جبلية هادئة إنما يوجد هنا لأن الجليد حفر حوضًا في الصخر وأبقى عليه، لا لأن الماء صادف ببساطة أن تجمّع في الجبال.
قد يبدو ذلك تصحيحًا صغيرًا، لكنه يغيّر المشهد كله. فالبحيرة المرتفعة تكون مكشوفة، ومحاطة بجوانب شديدة الانحدار، وغالبًا ما تستقر فوق الجرانيت أو صخور مقاومة أخرى. نعم، يمكن للماء أن يتدفق إلى منخفض ما. لكن السؤال الأصعب هو: لماذا يبقى هناك؟
قراءة مقترحة
عندما أتوقف مع المتنزهين عند نقطة مطلة، أطلب منهم عادة أن يؤجلوا القصة الكبرى دقيقة واحدة، وأن يقرؤوا أولًا ما هو ظاهر أمامهم.
تقع كثير من البحيرات الألبية داخل وعاء مستدير ذي جدار خلفي شديد الانحدار، أشبه بحوض محفور منه ببركة ماء على منحدر.
إذا كانت البحيرة رابضة تحت جرف رأسي مع جوانب ترتفع بحدة، فذلك يشير إلى سيرك جليدي، وهو تجويف على هيئة وعاء يرتبط بنشاط جليدي سابق.
قد تدل الألواح الملساء، والحجر المصقول، والصخر الأساس المكشوط، والصخور العارية قرب خط الماء على جليد متحرك أكثر مما تدل على نحتٍ نهري.
قد يكون ارتفاع طفيف أو عتبة عند موضع خروج الماء هو العنصر الحاسم الذي يمنع الحوض من أن يفرغ ماؤه.
ثم انظر إلى الجوانب. فإذا كانت ترتفع بحدة، وبدا أن البحيرة متوارية تحت جرف رأسي، فإن لهذا الشكل دلالته. وتصف خدمة المتنزهات الوطنية الأمريكية وغيرها من الأدلة المبسطة عن التجلد هذا النوع من التجاويف بأنه سيرك جليدي، أي حوض على هيئة وعاء نُحت في الموضع الذي استقر فيه نهر جليدي قديم واشتغل على الجبل.
ويمكن للصخر أن يقدّم دلائل أخرى. فالأسطح الملساء المصقولة، والألواح المكشوطة، والصخر الأساس العاري قرب خط الماء، كثيرًا ما تشير إلى جليد متحرك احتكّ بالحجر تحت ضغط هائل. يستطيع المجرى المائي أن ينحت الصخر، نعم، لكنه يخلّف عادة نمطًا مختلفًا: قناة، لا حاوية عريضة محفورة.
وثمة دليل آخر مفيد. فكثير من هذه البحيرات يقع خلف ارتفاع طفيف أو شفة عند المخرج. وقد لا يبدو هذا العنصر لافتًا للنظر. ومع ذلك، فهذه العتبة المنخفضة كثيرًا ما تكون هي الفارق بين حوض يحتفظ بالماء وآخر يصرّفه كله.
يذوب الثلج، ويهطل المطر، ثم يستقر الماء ببساطة في منخفض ما بين الجبال.
تحتاج البحيرة الجبلية أيضًا إلى حوض صُنع، وعُمّق إلى ما دون مستوى المخرج، وتُركت له حافة أو سد أو عتبة صخرية تكفي لاحتجاز الماء.
فلا بد أن شيئًا ما صنع ذلك المنخفض، وعمّقه إلى ما دون المخرج، وترك له من الحافة أو السد أو العتبة الصخرية ما يكفي للاحتفاظ بالماء. وهذا هو الجزء الذي لا يكشفه لك المشهد الهادئ من النظرة الأولى.
وهنا ينقلب المشهد. فالحوض الساكن هو في الحقيقة محصلة قوة امتدت عبر آلاف السنين.
في أعالي الجبال، قد يبقى الثلج صامدًا صيفًا بعد صيف. ومع مرور الوقت، ينضغط حتى يتحول إلى جليد نهري. وما إن تتراكم كتلة كافية من هذا الجليد حتى يبدأ في الحركة، ببطء نعم، ولكن بوزن هائل.
وحين يضغط هذا الجليد على تجويف محمي قرب قمة الجبل، يحتك بالصخر الأساس ويطحنه. ويطلق الجيولوجيون على أحد وجهي هذه العملية اسم السحل: إذ تؤدي شظايا الصخور المتجمدة في قاعدة النهر الجليدي دور ورق الصنفرة. أما الوجه الآخر فهو الاقتلاع: إذ تتسرب مياه الذوبان إلى الشقوق، ثم تتجمد، فتساعد النهر الجليدي على انتزاع كتل من الصخر.
وعلى مهل، يتعمق الحوض. يتراكم الجليد. ويحتك الصخر. ويغدو التجويف مفرط التعميق، أي إن النهر الجليدي ينحت أجزاء من الحوض إلى مستوى أدنى من المخرج. وهنا تكمن لحظة الإدراك: فالبحيرة لا تستقر فقط في منخفض ما. بل تشغل وعاءً صخريًا نُحت إلى عمق يتجاوز مستوى مفيضه.
ولهذه الآلية مهمتان: أن تنحت وعاءً، ثم أن تُبقي ما يحتجز الماء خلفه.
تعتمد البحيرة الألبية الباقية على الحفر والاحتجاز معًا، لا على الماء وحده.
نحت الحوض
يعمّق التعرية غير المتساوية التجويف، وتساعد عمليتا السحل والاقتلاع على نحت أجزاء منه إلى ما دون مستوى المخرج.
احتجاز الماء
تؤدي عتبة من الصخر الأساس أو ركام جليدي عند مقدمة الحوض دور الشفة الحابسة بعد انحسار الجليد.
وهذه القصة ذات الشقين مهمة. فالنحت يخلق الحيز، والاحتجاز يبقي الماء فيه.
يشيع الجرانيت وما يشبهه من الصخور الصلبة في كثير من السلاسل الجبلية التي تضم بحيرات ألبية، وهو يساعد على حفظ الشكل بعد أن ينجز الجليد عملية النحت. فالصخر الصلب لا يوقف التعرية الجليدية، لكنه قد يحافظ على حوض واضح المعالم وشفة مميزة بعد زوال النهر الجليدي.
ويمكنك أن ترى ذلك في كثير من البحيرات السيركية الكلاسيكية في الجبال التي شهدت تجلدًا، من سييرا نيفادا إلى أجزاء من الروكي والألب. وغالبًا ما تستخدم شروح المتنزهات والجيولوجيا هذه البحيرات لتوضيح ظاهرة فرط التعميق بطريقة يستطيع غير المتخصصين ملاحظتها من دون تدريب كبير: وعاء ذو جدران شديدة الانحدار، وصخر عارٍ مجروف، وبركة محتواة تستقر على ارتفاع يثير الدهشة فوق الوديان في الأسفل.
إنها قطعة أنيقة من هندسة خفية. ليست هندسة مقصودة بالطبع، بل هندسة صنعتها العملية نفسها: الجليد بصفته أداة القطع، وشكل الصخر بصفته القالب، والعتبة بصفته السدادة.
وهنا تحديدًا يفيد شيء من التحفظ. فليست كل بحيرة ألبية تتكوّن بالطريقة نفسها تمامًا، وليست كل بحيرة في الجبال بحيرةً سيركية.
| موضع البحيرة | ما الذي يُنشئ الحوض أو يعدّله | ما الذي يحتجز الماء |
|---|---|---|
| بحيرة سيركية | نحت جليدي في الصخر الأساس | شفة أو عتبة صخرية |
| بحيرة تحتجزها الركامات الجليدية | فعل جليدي مع رواسب من الرسوبيات والصخور | حيد ركام جليدي |
| بحيرة تحجزها انزلاقة أرضية | انسداد الوادي بسبب انهيار منحدر | ركام الانزلاق الأرضي |
| تجويف صخري معدل | لاانتظام سابق في الصخر عدّله الجليد | الشكل الصخري المتبقي أو تعديل جليدي جزئي |
وهذا يجيب أيضًا عن الاعتراض القائل إن كل بحيرة ليست إلا ماءً في منخفض. نعم، كل بحيرة تشغل منخفضًا. لكن السؤال الحقيقي هو: ما الذي صنع هذا المنخفض، وما الذي يمنعه من أن يفرغ؟
إليك الفحص الميداني الذي أقدمه للناس على الدرب. ابحث عن جدار رأسي على هيئة وعاء خلف البحيرة، وجوانب شديدة الانحدار من حولها، وصخر أساس مصقول أو مكشوط في الجوار، وشفة أو عتبة عند المخرج يُحتجز الماء عندها. فإذا اجتمعت هذه العناصر، فالغالب أنك تنظر إلى حوض شكّله الجليد وجعله محكمًا بالقدر الكافي ليبقى.