ما يبدو كأنه الهيئة الأنيقة لبيانو كبير هو في الحقيقة آلةٌ مخصّصة لإسقاط الصوت. يفترض معظم الناس أن ذلك الجسم الطويل والغطاء المرفوع موجودان أساسًا لأن الآلة أصبحت أيقونة بصرية كلاسيكية، لكن هذا الشكل تبلور ليُعين على دفع النغمة إلى داخل الغرفة.
إذا سبق لك أن وقفت بجانبه بينما كان أحدهم يعزف، فأنت سمعت بالفعل كيف يعمل التصميم. فبيانو الذيل صُمّم منخفضًا وعريضًا ومفتوحًا لسبب: لكي يمنح الأوتار مساحة للامتداد أفقيًا، ولوح الصوت مساحة ليتنفس، ويعطي الغطاء وظيفة تتجاوز مجرد المظهر الرسمي.
قراءة مقترحة
يحلّ الشكل الخارجي لبيانو الذيل ثلاث مشكلات صوتية مترابطة دفعة واحدة: طول الأوتار، ومساحة لوح الصوت، والحيز اللازم لتحويل اهتزاز الأوتار إلى صوت يملأ الغرفة.
شكله المألوف ليس زخرفيًا في المقام الأول. فكل سمة ظاهرة فيه تؤدي مهمة صوتية محددة.
أوتار باس أطول
يمنح ترتيب الأوتار الأفقي النغمات المنخفضة طولًا أكثر قابلية للاستخدام، ما يساعدها على أن تبدو أمتن وأكثر امتلاءً بدلًا من أن تكون رفيعة.
لوح صوت أعرض
يتيح الجسم العريض لوحًا خشبيًا صوتيًا أكبر، وهو الجزء الذي يحرّك من الهواء ما يكفي فعلًا لكي يملأ البيانو الغرفة.
حيز للضبط الصوتي
يعتمد تحجيم الأوتار، وموضع الجسر، ومساحة لوح الصوت جميعًا على أن يوفّر الصندوق مساحة للأجزاء التي تشكّل قدرة الصوت على الإسقاط.
لنبدأ بالأوتار. ففي بيانو الذيل تمتد أفقيًا من جهة لوحة المفاتيح إلى الذيل، لا عموديًا كما هو الحال في البيانو الرأسي. وهذا يتيح للآلة أن تستخدم مساحة أرضية أكبر لطول الأوتار، ولا سيما في المنطقة المنخفضة، حيث تساعد الأوتار الأطول على إنتاج نبرة منخفضة أكثر امتلاءً وثباتًا.
لا غموض في الأمر. فالنغمات المنخفضة تحتاج إلى أوتار أطول وأثقل لكي تهتز عند تلك الطبقات من دون أن تبدو رفيعة. ومدّ البيانو إلى الخارج بدلًا من رفعه إلى أعلى يمنح المصمّم طولًا أكثر قابلية للاستخدام، وذلك الذيل الطويل في الخلف هو إحدى نتائجه المرئية.
ثم يأتي دور لوح الصوت، وهو الغشاء الخشبي الكبير تحت الأوتار. فالأوتار وحدها لا تحرّك من الهواء ما يكفي لملء غرفة على نحو جيد، لذلك تنتقل اهتزازاتها عبر الجسر إلى لوح الصوت، وهو الذي يتولى العبء الصوتي الحقيقي. ويستطيع بيانو الذيل أن يحمل لوح صوت عريضًا لأن جسمه يمتد أفقيًا بدلًا من تكديس كل شيء داخل خزانة ضيقة.
لطالما أشار خبير صوتيات البيانو كونكلين إلى أن تحجيم الأوتار، وموضع الجسر، ومساحة لوح الصوت، كلها تشكّل الطريقة التي «يتكلم» بها البيانو. وبعبارة أبسط، لا يقتصر دور الصندوق على جمع الأجزاء معًا، بل إنه يفسح المجال للأجزاء التي تحوّل اهتزاز الأوتار إلى صوت مسموع ومُسقَط.
تخيّل الأوتار وهي تهتز تحت غطاء مغلق ومستوٍ. إلى أين سيذهب ذلك الصوت؟
جرّب هذا التصور في ذهنك لثانية. عندما يكون الغطاء مغلقًا، يُحجب كثير من الصوت الصاعد من لوح الصوت والأوتار، أو يخفّ، أو يُترك ليرتد داخل الجسم قبل أن يتسرّب إلى الخارج. ارفع الغطاء، وسيتبيّن أن التغيّر ليس استعراضيًا على الإطلاق: فالنغمة تُقذف إلى الخارج، أكثر سطوعًا واتجاهًا، إلى الهواء نفسه الذي يشغله المستمع.
يُحجب قدر أكبر من الصوت أو يخفّ أو يظل يرتد داخل الجسم قبل أن يخرج.
يعكس الغطاء الطاقة إلى الخارج، فيجعل النغمة أكثر سطوعًا ووضوحًا واتجاهًا داخل الغرفة.
هنا تكمن لحظة الإدراك. فالغطاء يعمل عاكسًا. وبدلًا من أن يترك الصوت يتبدد ضعيفًا فوق الأوتار، يلتقط قدرًا معتبرًا من تلك الطاقة ويوجّهها إلى الغرفة، ولهذا يكون حضور بيانو الذيل بغطائه المرفوع أوضح وأقوى من حضور الآلة نفسها حين تُغلق.
وهذا أيضًا سبب انفتاح الغطاء إلى يسار العازف وارتفاعه نحو جهة الجمهور في آلات الحفلات الموسيقية. فالهندسة هنا تساعد على توجيه الصوت المنعكس بعيدًا عن داخل البيانو ونحو الفضاء المفتوح. وما يبدو رشيقًا من الطرف الآخر للغرفة هو، لوحةً بعد أخرى، قوقعة صوتية مدمجة.
الصوت لا يظهر ببساطة عند حافة البيانو. بل يمر عبر سلسلة من الخطوات الفيزيائية، ثم يتشكّل بفعل الغطاء والغرفة.
تضرب المطرقة الوتر فتبدأ الاهتزاز.
ينقل الوتر المهتز تلك الحركة عبر الجسر إلى لوح الصوت.
يتولى لوح الصوت المهمة الصوتية الأكبر عبر دفع الهواء المحيط.
يساعد الغطاء المرفوع على قذف ذلك الهواء المتحرك إلى الخارج بدلًا من تركه يتجمع فوق الأوتار.
أبطئ الصورة قليلًا. تضرب مطرقة وترًا. يهتز الوتر. ينقل الجسر تلك الحركة إلى لوح الصوت. ثم يدفع لوح الصوت الهواء، ويساعد الغطاء المرفوع على توجيه هذا الهواء المتحرك إلى الخارج بدلًا من أن يتجمع فوق الأوتار.
وهذا القذف إلى الخارج تلتقطه أذناك سريعًا. تسمع حدّة أوضح في بداية النغمة، واتجاهًا أكثر تحديدًا للصوت، وإحساسًا أقوى بأن الصوت يصل من مصدر واحد متماسك، بدلًا من أن يحوم فحسب حول الصندوق. فالبيانو لا يكتفي بإنتاج الصوت؛ بل يرسله أيضًا.
ينطبق هذا الشرح العام على التصميم الصوتي عمومًا، لكن ليس كل تفصيل مرئي في كل بيانو ذيل مُحسَّنًا بالطريقة نفسها تمامًا. فقد يشترك بيانو حفلات موسيقية، وبيانو ذيل صغير، وطراز منزلي زخرفي في الخط الخارجي نفسه، مع اختلافات كبيرة في طول الأوتار، ومساحة لوح الصوت، وصلابة الإطار الجانبي، ومدى كفاءة الغطاء في إسقاط الصوت.
والاعتراض الواضح هنا مفهوم: لا بد أن يكون ذلك الشكل المنساب جماليًا جزئيًا على الأقل. وبالتأكيد هو كذلك. فصانعو البيانو يصقلون المنحنيات والتشطيبات والنِّسَب لأن الناس يعيشون مع هذه الآلات، لا يكتفون بالاستماع إليها.
احتفظ بيانو الذيل بهيئته الخارجية أساسًا لأنه أصبح شكلًا كلاسيكيًا جميلًا.
استمر هذا الشكل لأنه يحل أولًا مهام صوتية: طول الأوتار أفقيًا، واتساع مساحة لوح الصوت، وإسقاط الصوت عبر الغطاء.
لكن السبب في بقاء هذا الشكل هو أن المنطق الصوتي جاء أولًا. فالجسم الطويل يستوعب الأوتار الأفقية وسطحًا رنّانًا أكبر. والغطاء يعمل عاكسًا. وقد بقي هذا الخط الشهير لأنه ناجح وظيفيًا، ثم جاءت الزخرفة لتتطور حول هذا الشكل العامل بدلًا من أن تحل محله.
والتحول المفيد في النظر بسيط. حين تنظر إلى بيانو ذيل، كفّ عن رؤيته كغلاف أسود واحد. وانظر إليه على أنه ثلاث وظائف مرئية: الذيل الطويل من أجل طول الأوتار، والجسم العريض من أجل مساحة لوح الصوت، والغطاء المرفوع من أجل إسقاط الصوت في الغرفة.
وفي المرة المقبلة التي تقف فيها قرب واحد منها، انظر أولًا إلى هذه الأجزاء الثلاثة: الذيل، والبطن العريض، وزاوية الغطاء، وستكون عندئذ تنظر إلى علم الصوتيات لا إلى الزخرفة.