مساحاتٌ شاسعة من الأرض مغطاة بالرمال، لا وجود فيها للحياة، وأحياناً صورٌ لخيالات الأيل في خلفيّةِ غروبٍ للشمس عبر الكثبان الرملية: هذه هي نوعية الصور التي تتبادر إلى الذهن عندما يسمع شخص ما أو يفكر في الصحراء.
وبغض النظر عن الرومانسية التي تمتلكها هذه الصور الذهنية، يُعتقد إلى حد كبير أن الصحارى هي واحدة من أصعب الأماكن التي يعيش فيها أيُّ كائن حي.
إن انعدامَ الحياة الواضح، المقترنَ بظروفٍ بيئية قاسية سائدة، مع الفراغِ المُحبِط، جعل الناسَ يعتبرون الصحارى أراضٍ قاحلةً بيئيّاً واقتصاديّاً. ومع ذلك، ليس هناك نقصٌ في الأسباب التي تجعلنا نعتبر الصحارى سماتٍ جغرافيّةً وبيئيةً فريدةً على هذا الكوكب، ولماذا يجب أن نفكر في هذه النظم البيئية باعتبارها ضرورية للحياة كما نعرفها.
قراءة مقترحة
لفهم أهمية النظم البيئية الصحراوية، نحتاج أولاً إلى معرفة الأنواع المختلفة من المناظر الطبيعية التي تندرج تحت هذا المصطلح الشامل.
غالبًا ما يتمّ تعريفُ الصحارى الحقيقية بوجود ظروف بيئية معينة، مثل أقل من 25 سم من متوسط هطول الأمطار السنوي ومستويات عالية من تبخر الماء من التربة.
تندرج تحت هذا التعريف موائل ومناخات متعددة، وتظهر الفروق الأساسية بينها في الموقع، وشدة الجفاف، ومتوسط الهطول، ومدى ملاءمتها للحياة النباتية.
| الفئة | السمات الأساسية | الهطول أو الجفاف | مثال |
|---|---|---|---|
| الصحارى الساحلية | مساحات رملية واسعة تقع بجوار البحر أو المحيط، وغالبًا على الساحل الغربي للقارات. | تُعرَّف أساسًا بموقعها الساحلي ضمن البيئات الجافة. | صحراء أتاكاما في أمريكا الجنوبية. |
| الصحارى الحارة والجافة | من أقسى البيئات المناخية، وتضم أراضي شاسعة وكثبانًا رملية متموجة. | يتراوح معدل هطول الأمطار السنوي فيها بين 0.2 و20 سم، مع معدّل تبخّر نتح مرتفع للغاية. | الصحراء الكبرى في أفريقيا. |
| الصحارى شبه القاحلة | أقل جفافًا نسبيًا وأكثر ملاءمة للغطاء النباتي من الصحارى الحارة والجافة. | يبلغ متوسط هطول الأمطار السنوي فيها 20-50 سم. | صحراء الحوض العظيم في أمريكا الشمالية. |
4. الصحارى الباردة: على عكس غيرها، فهي صحارى تقع في مناطق شديدة البرودة، وتقع عمومًا عند خطوط العرض العليا مع انخفاض هطول الأمطار وارتفاع الجفاف، مثل صحراء جوبي في آسيا الوسطى.
تغطي الصحارى ما يقرب من سدس مساحة اليابسة العالمية، وهي موجودة في جميع القارات السبع. على الرغم من أن الحياة في الصحاري لا ترحم، إلا أن العديد من أنواع الحيوانات والنباتات تكيّفتْ لتزدهر وتعيش هناك. والعديد من هذه الأنواع غير قادرة على البقاء في أي مكان آخر على الكوكب، مما يشير إلى أهمية الصحارى في الحفاظ على التنوع البيولوجي العالَمي.
حتى البشر قاموا بتكييف أنفسهم للعيش في الظروف المناخية القاسية للصحارى. ما يقرب من 6% من سكان العالَم، بما في ذلك بعض المجتمعات الأكثر تهميشاً وعوزاً في العالم، يعتبرون الصحارى موطنهم. لقد طوّرت هذه المجتمعات، ومعظمُها من البدو الرحّل أو شبه الرحل، هياكلَها الاجتماعية والسياسية الفريدة وثقافاتها وعاداتها، وصمّمت أسلوبَ حياةٍ يناسب هذه الظروف المعيشية الصعبة.
وعلى عكس ما هو متوقع، تُعدّ الصحارى أحدَ مواقع تخزين الكربون الرئيسية على هذا الكوكب، حيث إنها بمثابة بالوعات صافية للكربون، وهي واحدة من أكبر هذه البالوعات على هذا الكوكب، حيث يُقدَّر تخزينها بـ 1 تريليون طن متري. في ظلّ السيناريو الحالي لتغيّر المناخ، تعمل الصحارى الحالية كخطّ دفاعٍ ضد ظاهرة الاحتباس الحراري.
وتتجاوز أهمية الصحارى حدودها المحلية؛ فرمالها يمكن أن تنتقل عبر القارات لتغذّي نظامًا بيئيًا بعيدًا مثل الأمازون.
حدّد العلماء أن جسيمات الرمال الصحراوية القادمة من أفريقيا تساعد في تكوين وصيانة غابات الأمازون المطيرة.
تعبر هذه الجسيمات المحيط الأطلسي الشاسع عبر التنقّل لمسافات طويلة على متن الرياح المتجهة غربًا.
تستقر الجسيمات في حوض الأمازون في أمريكا الجنوبية، فتجعل التربة غنيّة بالمغذيات وتغذّي الغابات ذات التنوع البيولوجي الهائل؛ ويعتقد أنه إذا لم تعد الصحراء الكبرى موجودة، فسوف تنهار غابات الأمازون المطيرة.
رغم الخدمات الحيوية التي توفرها الصحارى، فإن النظر إليها كأراضٍ يمكن جعلها “منتجة” دفع إلى استغلال مواردها بطرق تهدد توازنها البيئي.
يمكن جعل الصحارى أراضٍ منتجة عبر التعدين، وتحويل الموائل والمناجي، وإنشاء محطات الطاقة الشمسية.
تحتوي الصحارى على 13 نوعًا من الرواسب المعدنية الرئيسية الخمسة عشر، إضافة إلى الزيوت المعدنية والغاز الطبيعي، لكن حصاد هذه الموارد بطرق غير صديقة للبيئة، مع تغيّر المناخ، أدى إلى تدهور شامل وجعل الصحارى من أكثر النظم البيئية هشاشةً وتهديدًا.
على الرغم من أن توسّع الصحارى لتغدوَ مناطقَ قاحلةً أو شبهَ قاحلة أمرٌ ينذر بالخطر بالنسبة لكوكب الأرض، إلا أن الخسارة الكاملة للصحارى ليست مرغوبة ولا مفيدة للكوكب. لن يؤثِّر غيابُ الصحارى على التنوع البيولوجي العالَمي في شكل انقراض الأنواع فحسب، بل سيؤدي أيضًا إلى إحداث تغييرات كارثية في حياة ومعيشة مليار شخص يسكنون هذه المساحات ويؤثر على الاقتصاد العالمي.
ومن هنا فإن الإجابة على السؤال الذي بدأنا به بسيطة: نعم. نحن بحاجة إلى الصحارى على هذا الكوكب!