button icon
صورة الخلفيّة
button icon
بطاقات دُعاء
button icon
رمضان مبارك
button icon
بطاقة الإجابة

نزهة في باربيس، مركز المهاجرين العرب الأفارقة في قلب باريس

ADVERTISEMENT

إلى الشمال مباشرةً من محطة القطار الرئيسية في العاصمة الفرنسية، غار دو نور، وعلى بعد بضعة شوارع من مونمارتر، موطن فنانيها، يقع حي باربيس الأقل شهرةً ولكن الأكثر احتياجًا في الدائرة الثامنة عشرة من باريس، والذي طالما كان ملجأً للمهاجرين.

تجتاز ميمونة بسرعة متاهة الصناديق والعلب وهي تشق طريقها عبر السوق الصاخب، متجاهلةً بائع الخضار الطويل القامة الذي يصرخ باللهجة الصعيدية: ”تفضلي يا ست الكل“. معظم بائعي الخضروات من المهاجرين المصريين، كما تقول، وهي تتنقل بين الشخوص، بينما تعلو وتتلاشى أصوات بمزيج من اللغات واللهجات وسط تدفق المتسوقين في هذا الزحام الكثيف.

يعبق الهواء برائحة السمك واللحم والبيض المقلي والبريك (معجنات الملسوقة المحشوة باللحم المفروم والبصل). يأتون إلى هنا من جميع أنحاء باريس، من ضواحي أوبرفيلييه ولا بلين سان دوني وكورنوف. وهم اليوم يحملون المظلات ويرتدون ملابس شتوية ثقيلة تحت المطر، للشراء والمشاركة في المحادثات.

From wikimedia جادة باربيس في الدائرة الثامنة عشرة في باريس

جادة باربيس في الدائرة الثامنة عشرة في باريس

https://commons.wikimedia.org/wiki/File:P1310721_Paris_XVIII_bd_Barbes_rwk.jpg

ADVERTISEMENT

الحياة مع الحركة:

تتوقف ”ميمونة“ عند كشك متواضع لامرأة إفريقية ذات ألوان زاهية تترقب الشرطة. تمتزج ألوان فستانها بسلاسة مع عرض الخضروات والفواكه النابضة بالحياة، معظمها مستورد من إسبانيا أو البرتغال، والبعض الآخر مهرب من الجزائر والمغرب وتونس.

تغرف ميمونة حفنة من مسحوق الحناء في صحيفة مجعدة. تسلم ميمونة آخر القطع النقدية في حقيبة يدها. يلقي الضوء الذهبي بظلاله الخافتة على لافتة باهتة، وهي آخر بقايا ما كان في يوم من الأيام متجرًا.

تقول ميمونة وهي تشعل سيجارة: ”أشعر أنني في بيتي تمامًا هنا“. ”هذا الضجيج يجعل الحياة هنا لا تقاوم. لا يمكنني تخيل العيش في أي مكان آخر، ولا يمكنني تخيل حياتي بدون الحركة المستمرة في هذا الحي.“ تتكئ ميمونة على حائط مكتوب عليه عبارة ”Ici Annaba“ (هنا عنابة)، وهي مدينة في الجزائر، وتراقب النساء المتجمعات على طول جدار محطة مترو باربيز-روشوار.

From wikimedia الخروج من محطة المترو

الخروج من محطة المترو

https://commons.wikimedia.org/wiki/File:Acc%C3%A8s_Station_M%C3%A9tro_Ch%C3%A2teau_Rouge_Boulevard_Barb%C3%A8s_-_Paris_XVIII_(FR75)_-_2022-01-29_-_2.jpg

يصطف الباعة على الرصيف، وينادون على بضائعهم بأسعار رخيصة - أمشاط بلاستيكية، وسلع معلبة، وكحل، وأشرطة كاسيت مستعملة، وأحذية مستعملة، وهواتف وساعات مستعملة (ربما مسروقة)، وفواكه موسمية. تقول ميمونة: ”بعضهن يحاولن فقط الحصول على غرفة رخيصة في فندق رخيص لقضاء الليل بدلاً من النوم في الشارع“.

ADVERTISEMENT

وليس بعيدًا عن هؤلاء النسوة، تفيض الأكشاك المؤقتة بالخضروات والفواكه والتوابل واللحوم والأسماك من المحيط الأطلسي والمخللات والهريسة النارية والأوعية البلاستيكية وأدوات المطبخ المستوردة من باكستان والهند. تقول بضحكة صاخبة: ”في هذا السوق، يمكنني شراء كل شيء - كل شيء - حتى الأوهام والبهجة“. ”ليس عليّ أن أغادر أبداً. هنا، يمكنني استعادة أجزاء من طفولتي.“

تتحدث بمرح مع أحد الباعة بلهجتها الجزائرية. يناولها قرون الغزال، وهي معجنات لوز على شكل هلال، فتتذوق حلاوتها، وسيجارتها مشتعلة في يدها الأخرى. ”أنا لا أتخلى عنها أبدًا"، تقول بابتسامة تكشف عن أسنانها التي اصفرت بسبب هذه العادة. ”سيجارتي هي صديقتي الوحيدة - إلى جانب قطتي نجمة“. تتنقل بين اللغتين العربية والفرنسية، وتقول إنها أطلقت اسم نجمة على قطتها تيمناً بالرواية الشهيرة للكاتب الجزائري كاتب ياسين.

أحمد، عامل مصري وصل إلى فرنسا في عام 2005 وعمره 18 عامًا، وهو واحد من بين العديد من أصحاب الأكشاك المصريين. كان يعمل عادةً في البناء قبل الجائحة، ثم تحول إلى بيع الخضروات. ”يقول: ”هنا، بالكاد أتحدث الفرنسية. ويضيف: ”لم أتقنها حقاً لأن معظم المتسوقين عرب من تونس والجزائر والمغرب وفلسطين ومصر والسودان وسوريا. حتى أنك ترى العلم الفلسطيني هنا!“

ADVERTISEMENT
From wikimedia مشهد من الشارع

مشهد من الشارع

https://commons.wikimedia.org/wiki/File:King-of-Barbes.jpg

معظم الزبائن من النساء أو الرجال الذين يعيشون بمفردهم، كما يقول، وهم عمال سابقون لم يتزوجوا أو لم يعودوا إلى وطنهم. ”في الوقت الحاضر، يأتي الطلاب العرب أيضاً للتسوق. ويجد الشباب الأشياء التي يفتقدونها من الوطن - الشطة (الصلصة الحارة) والتوابل والحلويات واللحوم الحلال. ولكن في الغالب، يأتون من أجل الأسعار.“ الأسعار هنا أرخص بكثير من أي مكان آخر في باريس.

ولدت ميمونة عام 1965، وتعيش في شقة ورثتها عن والديها. وُلد والدها في باربيس ولكن عائلتها من تلمسان، وهي مدينة في شمال الجزائر. وكانت والدتها فتيحة تعمل في رعاية زوجين فرنسيين مسنين. تقول: ”لقد عشنا حياة جيدة بسببهم، خاصةً عندما كان والدي لا يكسب الكثير من المال كنادل“.

باربيس من تام - تام:

جاء جد ميمونة إلى فرنسا أثناء الحرب ”مجندًا مثل الكثيرين من المستعمرات الفرنسية في ذلك الوقت“، كما تقول. استقر في باربيس، مثل معظم الجزائريين الذين تم تجنيدهم في الجيش الفرنسي لمحاربة ألمانيا النازية.

From wikimedia باربيس بعد فوز المنتخب الجزائري لكرة القدم في مباراة
ADVERTISEMENT

باربيس بعد فوز المنتخب الجزائري لكرة القدم في مباراة

https://commons.wikimedia.org/wiki/File:Barb%C3%A8sAfterTheAlgerianTeamWon.jpg

وخلال الحرب شهدت باربيس أولى موجات الهجرة الكبيرة التي شهدتها خلال الحرب، وأصبحت نقطة جذب للجزائريين على وجه الخصوص، الذين ساعد وجودهم في تشكيل هوية المنطقة، وذلك جزئيًا من خلال العديد من المطاعم والمقاهي والملاهي. ”كان والدي يتردد على أحد أشهر الأمكنة هنا، ويدعى تام - تام، حيث اعتلت المطربة الجزائرية الأسطورية وردة المسرح لأول مرة.“. وقد أراد صاحبه، محمد فتوكي -والد وردة- في البداية تسمية الملهى باسم ”المغرب الكبير“، لكنه رُفض منحه ترخيصاً بهذا الاسم، فابتكر اختصاراً من الحروف اللاتينية الأولى من تونس والجزائر والمغرب - وهكذا وُلدت ”تام“.

منذ أربعينيات القرن العشرين، كان لباربيس مشهد حياة ليلية مزدهرة، حيث كانت المقاهي والملاهي تجتذب الفرق الموسيقية والموسيقيين والراقصين. ولا يزال هذا الحيّ الباريسي ينبض بالحياة نهارًا وليلاً، ويجذب الحشود من مجتمع المغاربيين من المناطق المجاورة.

المزيد من المقالات