button icon
صورة الخلفيّة
button icon
بطاقات دُعاء
button icon
رمضان مبارك
button icon
بطاقة الإجابة

التاريخ والسياحة في مدينة الصويرة بالمغرب: رحلة عبر الزمن

ADVERTISEMENT

تقع مدينة الصويرة على طول الساحل الأطلسي الوعر في دولة المغرب الشقيقة، وهي مزيج فريد من التاريخ والثقافة والجمال الطبيعي، حيث تشتهر مدينة الصويرة بجدرانها البيضاء ونوافذها الزرقاء وأزقتها المتعرجة، مما يجعلها وجهة مثالية للفنانين والمسافرين ومحبي التاريخ. من جذورها القديمة كموقع تجاري للفينيقيين إلى وضعها الحالي كموقع للتراث العالمي لليونسكو، تقدم الصويرة نظرة عميقة على تاريخ المغرب الغني بينما توفر تجربة سياحية لا تُنسى. تتميز المدينة بطابعها الغني الذي يعكس تنوع الثقافات التي سكنتها عبر العصور.

تصوير ريغل

البداية التاريخية لمدينة الصويرة

بدأت قصة الصويرة قبل آلاف السنين عندما كانت مركزًا استراتيجيًا للحضارات البحرية. يشير الأدلة الأثرية إلى أن الفينيقيين كانوا أول من استوطن المنطقة في القرن السابع قبل الميلاد. أطلقوا على المستوطنة اسم "موغادور"، مستوحى من الكلمة الأمازيغية *أمكدول*، بمعنى "مكان محمي جيدًا". مع مرور الوقت، مرت الصويرة بأيدي القرطاجيين والرومان والإسلاميين حتى أصبحت مركزًا بحريًا مهمًا تحت حكم المرابطين والموحدين. في القرن الثامن عشر، صمم المهندس الفرنسي ثيودور كورنوت المدينة المحصنة الحديثة بأمر من السلطان سيدي محمد بن عبد الله.

ADVERTISEMENT

الصويرة والقرطاجيون

مع مرور الوقت، تغيرت أيدي موغادور عدة مرات، مما يعكس التيارات الأوسع للبحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا. في القرن الخامس قبل الميلاد، استولى القرطاجيون على المنطقة، تبعهم تأثير الرومان خلال توسعهم عبر شمال إفريقيا. ومع ذلك، لم يكن حتى فتح الإسلام في القرن الثامن الميلادي أن بدأ موغادور في اتخاذ خصائص حضرية أكثر تحديداً. خلال هذه الفترة، أصبح الموقع مركزاً بحرياً رئيسياً تحت حكم مختلف السلالات، بما في ذلك المرابطون والموحدون، الذين حكموا معظم المغرب الحالي.

الصويرة في العصر الحديث

تعود النسخة الحديثة من الصويرة بشكل كبير إلى السلطان سيدي محمد بن عبد الله، الذي حكم في منتصف القرن الثامن عشر. واعترافاً بالحاجة إلى ميناء آمن لتسهيل التجارة مع أوروبا، خاصة في السلع مثل السكر والمنسوجات والأسلحة، كلف المهندس المعماري الفرنسي ثيودور كورنوت بتصميم مدينة محصنة جديدة. تم الانتهاء منها في عام 1765، وكانت النتيجة عملاً فنياً في الهندسة العسكرية مستوحى من تقنيات الحصون الأوروبية ولكنها معدّلة لتتناسب مع التقاليد المحلية. اكتست الجدران المدينة بأسوار وقلاع ومدافع وأبواب صممت لتحمل الهجمات البحرية.

ADVERTISEMENT

الصويرة جوهرة الأطلسي

هذا الاندماج بين الأساليب الأوروبية والمغربية أكسب الصويرة لقب "جوهرة الأطلسي". جذبت أجواءها الكوزموبوليتانية التجار والدبلوماسيين والمغامرين من خلفيات متنوعة، بما في ذلك اليهود والمسلمين والمسيحيين وحتى القراصنة. بحلول القرن التاسع عشر، أصبحت الصويرة واحدة من أهم الموانئ في المغرب، حيث كانت بمثابة بوابة بين أفريقيا وأوروبا.

التقاء الثقافات والفنون

على مر تاريخها، عملت الصويرة كنقطة تلاق ثقافي حيث يلتقي الشرق بالغرب. هذا التنوع يتجلى ليس فقط في معالمها المعمارية ولكن أيضاً في تراثها الفني الغني. جعل انفتاح المدينة على التأثيرات الأجنبية منها مغناطيساً للعقول الإبداعية. ربما لا يوجد شخص يجسد هذه الروح أفضل من أورسون ويلز، المخرج السينمائي الأسطوري الذي اختار الصويرة كإعداد لفيلمه غير المكتمل المأخوذ عن مسرحية شكسبير "عطيل" في الأربعينيات. وعلى الرغم من أن التصوير كان مليئاً بالتحديات، إلا أن علاقة ويلز بالمدينة تستمر من خلال التكريمات والعروض السنوية التي تُقام خلال مهرجان السينما الدولي.

تصوير ميد بي إن بي

جيمي هندريكس والصويرة

شخصية أخرى مرتبطة بالصويرة هي جيمي هندريكس، الذي زار المدينة بإيجاز في أواخر الستينيات، مما أثار شائعات بأنه استوحى أغنية "Castles Made of Sand". وعلى الرغم من أن هذه الادعاءات تبقى غير مؤكدة، فإن إرث هندريكس يضيف إلى الغموض الذي يحيط بمدينة تُعرف بالفعل بجوها البوهيمي. اليوم، تستمر الصويرة في جذب الموسيقيين والرسامين والكتاب الذين يبحثون عن السلام والتحفيز وسط سحرها الخالد.

ADVERTISEMENT

لعب أيضاً المجتمع اليهودي في المدينة دوراً محورياً في تشكيل هويتها. لقرون، كانت الصويرة موطنًا للسكان اليهود السفارديم الذين أنقذهم المسلمون من مذابح النصارى الأسبان وقت سقوط الأندلس،  كثير منهم ساهموا في ازدهار الصويرة الاقتصادي من خلال التجارة والحرف اليدوية. تعبر معابدهم ومقابرهم والأحياء التاريخية عن وجودهم المستمر، على الرغم من نزوح أعداد كبيرة منهم إلى إسرائيل وغيرها من البلدان بعد الاستقلال.

الصويرة كوجهة سياحية

في العقود الأخيرة، أصبحت الصويرة واحدة من أبرز الوجهات السياحية في المغرب. تتميز المدينة بأجوائها الهادئة مقارنة بمدن أخرى مثل مراكش أو الدار البيضاء. تقدم المدينة القديمة، وهي موقع للتراث العالمي، تجربة فريدة مع أزقتها الضيقة وسوقها التقليدي. يمكن للزوار استكشاف الأسوار البحرية والاستمتاع بالمناظر البانورامية للمحيط. كما تعتبر الصويرة وجهة مثالية لعشاق الرياضات المائية مثل ركوب الأمواج والطائرات الورقية بفضل شواطئها الواسعة والرياح المستمرة.

المدينة القديمة: متحف حي

في قلب الصويرة تقع المدينة القديمة، وهي موقع للتراث العالمي لليونسكو منذ عام 2001. تحيط بها أسوار قوية، المدينة القديمة عبارة عن متاهة من الشوارع الضيقة المبطنة بالمنازل التقليدية (riad)، وورش الحرفيين والأسواق المزدحمة. يمكن للزوار التجول بين الأكشاك المكدسة بالتوابل والسجاد المنسوج يدويًا والأثاث المنحوت بدقة، وكلها مصنوعة باستخدام تقنيات قديمة تنتقل عبر الأجيال.

ADVERTISEMENT

يُعتبر Skala de la Ville أحد المعالم البارزة في المدينة القديمة، وهو جدار بحري مزين بالمدافع ويقدم إطلالات بانورامية على المحيط والمناطق المحيطة. إنه مكان مثالي لمشاهدة الصيادين وهم يسحبون صيدهم اليومي أو ببساطة الاستمتاع بالنسيم المالح. بالقرب من هناك، تُعتبر Place Moulay Hassan مركز الحياة الاجتماعية في المدينة، حيث يجتمع السكان المحليون لشرب الشاي بالنعناع، ولعب الشطرنج أو الاستماع إلى العروض الموسيقية العفوية للموسيقيين الغناويين - نوع موسيقي يعتمد على الطقوس الروحية التي جلبها العبيد من جنوب الصحراء الكبرى إلى المغرب.

الطبيعة والأنشطة الخارجية

إلى جانب تاريخها الغني، تتمتع الصويرة بمناظر طبيعية خلابة تلبي احتياجات عشاق الطبيعة والمغامرات. توفر الشواطئ الواسعة فرصًا لركوب الأمواج والطائرات الورقية، بينما تقدم المسارات الريفية فرصة لاستكشاف القرى التقليدية وغابات الأرغان. تعد المستنقعات حول نهر Oued Ksob موطنًا للطيور المهاجرة مثل النعام والبلشون، مما يجعلها وجهة مثالية لهواة مشاهدة الطيور. هذا التنوع البيئي يضيف إلى جاذبية المدينة كوجهة سياحية شاملة.

المأكولات التقليدية

لا تكتمل زيارة الصويرة دون تجربة مأكولاتها البحرية الشهية. يتم تقديم السمك الطازج المشوي مع التوابل المحلية مثل charmoula، وهو مزيج من الأعشاب والثوم. يعد السردين أحد التخصصات المحلية التي يجب تجربتها. كما تقدم مطاعم الشوارع وجبات خفيفة مثل الحبار المشوي والخبز المسطح (msemen). هذه النكهات الأصيلة تعكس ثقافة المدينة وتاريخها البحري، مما يجعل التجربة الغذائية جزءًا لا يتجزأ من زيارة الصويرة.

ADVERTISEMENT

المهرجانات والفعاليات الثقافية

تعد الصويرة موطنًا لعدد من المهرجانات التي تحتفي بالموسيقى والثقافة. يقام مهرجان غناوة العالمي سنويًا في يونيو، حيث يجمع بين الموسيقيين المحليين والدوليين. كما يكرم Moussem Essaouira الثقافة الأمازيغية من خلال المواكب والعروض الفلكلورية. هذه الفعاليات تسلط الضوء على التنوع الثقافي للمدينة، مما يجعلها وجهة جذابة للزوار الذين يرغبون في استكشاف التقاليد المغربية الأصيلة.

تصوير ماريوس تسيتسمان

الحفاظ على الماضي والانفتاح على المستقبل

مع استمرار نمو السياحة، تبذل الجهود لموازنة التنمية مع الحفظ. تعمل السلطات المحلية والمنظمات بلا كلل لحماية سلامة الصويرة المعمارية وتعزيز الممارسات المستدامة. تهدف المبادرات مثل الإقامة الصديقة للبيئة، وبرامج تقليل النفايات ودعم الحرفيين المحليين إلى ضمان أن تظل المدينة منارة للأصالة في عالم متزايد الترابط.

في النهاية، تكمن جاذبية الصويرة في قدرتها على نقل الزوار إلى حقبة أخرى مع البقاء راسخة في الحاضر. سواء كنت تتجول في المدينة القديمة ذات القصص الغنية، تركب الأمواج على شواطئها الذهبية، أو تتذوق نكهات بحرها الوفير، تعد الصويرة بتجربة تبقى طويلاً بعد انتهاء رحلتك. إنها مكان يهمس فيه التاريخ عبر كل حجر وموجة، داعياً إياك لاكتشاف أسرارها - وربما العثور على جزء من نفسك على طول الطريق.

ADVERTISEMENT
تصوير مصطفي أبيدور

الخاتمة: الصويرة، ملتقى الزمن

في النهاية، تكمن جاذبية الصويرة في قدرتها على نقل الزوار إلى الماضي مع البقاء راسخة في الحاضر. سواء كنت تستكشف المدينة القديمة، أو تركب الأمواج على شواطئها الذهبية، أو تتذوق نكهات بحرها، فإن الصويرة تعد بتجربة تبقى في الذاكرة. إنها مدينة يتحدث كل حجر فيها عن التاريخ، ويدعوك لاكتشاف أسرارها العميقة. الصويرة ليست مجرد وجهة سياحية، بل هي رحلة إلى جوهر المغرب نفسه.

المزيد من المقالات