عندما فتح حاكم إحدى الإمارات الساحلية قبل قرن من الزمان عددًا قليلاً من الكتب داخل غرف قلعة حجرية باردة، لم يكن أحد يتخيل مدى التأثير الكبير الذي سيحدثه هذا القرار. في عام 1925، أنشأ الشيخ سلطان بن صقر القاسمي ما كان يعرف آنذاك بمكتبة القاسمية داخل قلعة الشارقة - وهي مجموعة خاصة نمت على مدى المئة عام التالية لتصبح مكتبات الشارقة العامة (SPL)، وهي شبكة ومحرك ثقافي يصل اليوم إلى القراء في جميع أنحاء الإمارة وخارجها.
قراءة مقترحة
منذ بداية عام 2025، تحتفل الشارقة بالذكرى المئوية ببرنامج من الفعاليات يستمر لمدة عام كامل، احتفاءً بماضي المكتبة الغني ودورها الحالي كمؤسسة ديناميكية ومنفتحة على العالم. انطلق الاحتفال بالذكرى المئوية رسمياً باحتفالات رفيعة المستوى في المنطقة التاريخية بالشارقة وفي القلعة التي بدأت فيها المكتبة، ووعد المنظمون بجدول أنشطة على مدار العام — من ورش عمل لترميم الوثائق وعروض للمخطوطات النادرة إلى أمسيات شعرية ومحاضرات عامة ومهرجانات قراءة للأطفال. وقد صُمم الاحتفال — الذي أُطلق عليه اسم ”100 عام من الحكايات“ — ليكون تكريماً للتراث ومنصة للتبادل الثقافي المعاصر.
100 عام من الحكايات
الشعار يلخص احتفالًا يمتد طوال عام 2025 لربط إرث المكتبة التاريخي ببرامج ثقافية معاصرة.
يعكس مسار المكتبة التطور الثقافي للشارقة نفسها، إذ انتقلت عبر مواقع متعددة قبل أن تستقر في مقرها الحالي المخصص لها.
تأسست المكتبة داخل الحصن وبقيت فيه حتى عام 1956.
انتقلت المكتبة إلى المضيف، وهو مبنى شُيّد في ساحة الحصن.
انتقلت المكتبة إلى قاعة أفريقيا ضمن مسار توسعها المؤسسي.
واصلت المكتبة انتقالها إلى مبنى المركز الثقافي.
دخلت المكتبة مرحلة جديدة بانتقالها إلى المدينة الجامعية.
افتُتح المقر الحالي المخصص لهذا الغرض في الساحة الثقافية.
من حصن الشارقة بدأت قصة المكتبة
على مدى عقود، تخلت المؤسسة عن طابعها الخاص وأعادت توجيه نفسها نحو الصالح العام، وتوسعت لتصبح نظامًا متعدد الفروع يخدم الآن مجتمعات متنوعة في المدن الحضرية والساحلية في جميع أنحاء الإمارة. لم تكن هذه التحركات لوجستية فحسب: بل عكست مهمة متوسعة — من الحفاظ على الكتب الأصلية إلى رعاية ثقافة القراءة لجميع السكان.
يبرز احتفال المئوية هوية المكتبة المزدوجة بين صون التراث النادر وتوسيع الوصول إليه بأدوات رقمية حديثة.
تضم المكتبة مخطوطات وسجلات تاريخية نادرة، بما في ذلك سجلات الضرائب ووثائق قديمة للحكم المحلي، مع أولوية لحماية النسخ الأصلية.
استثمرت المكتبة في الرقمنة والخدمات الرقمية لإتاحة الموارد عن بُعد، وتوسيع الوصول، والحفاظ على المجموعة للأجيال القادمة.
كنوز المكتبة – مجموعات خاصة من الكتب النادرة
ما يميز مكتبات الشارقة العامة هو أنها لطالما وضعت نفسها في مكانة تتجاوز كونها مجرد مستودع للمعلومات. ففي برنامج الذكرى المئوية، تجد أنشطة تهدف إلى تنمية القراء من الطفولة إلى مرحلة البلوغ: ساعات القصص، والشراكات مع المدارس، ونوادي القراءة، ومبادرات محو أمية الكبار، وورش عمل متخصصة في حفظ المخطوطات والخط العربي. كما ربطت برامج المئوية عمداً بين الحوارات الأوسع نطاقاً حول الهوية الثقافية وتعدد اللغات والمعرفة المدنية، ما عزز دور المكتبات كمساحات عامة مدنية يجتمع فيها الناس للتعلم والمناقشة وتطوير التفكير النقدي في عصر التغير السريع للمعلومات. وشددت التقارير المحلية على دور المكتبة في تزويد المواطنين بالقدرة على التعامل مع المعلومات الرقمية بمسؤولية، مع توفير متعة لا غنى عنها تتمثل في المساحة المادية المشتركة.
ترأس الاحتفال بالذكرى المئوية ودعمه قيادة الشارقة، بما في ذلك توجيهات من حاكم الشارقة، ومشاركة نشطة من المسؤولين الثقافيين مثل الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، التي كان لإشرافها على مبادرات الكتب والنشر في الإمارة تأثير كبير. ساعدت الاحتفالات في إعطاء الشارقة - المعروفة منذ فترة طويلة باستثماراتها في الثقافة والتعليم - دورًا عابرًا للحدود الوطنية كمركز للنشر العربي وشريك في التبادل الثقافي الدولي. تضمنت الفعاليات المرتبطة بالذكرى المئوية تعاونًا مع جامعات وهيئات ثقافية وضيوف دوليين، ما أعاد تأكيد مكانة المكتبة في الشبكات التي تربط التراث المحلي بالحوار العلمي والفني العالمي.
قد تبدو الذكرى المئوية للمكتبة أمرًا نوستالجيًا، لكن احتفال الشارقة يبدو أمرًا ملحًا وليس مجرد استعراض للماضي. تواجه المكتبات في جميع أنحاء العالم أسئلة حول أهميتها وتمويلها والتوازن بين المجموعات المادية والعروض الرقمية. في الشارقة، توفر المئة عام الماضية نموذجًا للمرونة: فقد نجت المكتبة من التغيرات الاجتماعية والتكنولوجية من خلال إعادة تفسير غرضها باستمرار — كحافظة ومربية ومنظمة ومتبعة للتكنولوجيا. أكدت الذكرى المئوية للمكتبة أن المكتبات ليست آثارًا قديمة؛ بل هي بنية تحتية للحياة المدنية، وضرورية لمحو الأمية والتماسك الاجتماعي ونقل الذاكرة الثقافية. أبرزت الروايات المحلية للأحداث كيف لا يزال القراء - من طلاب المدارس إلى الباحثين - يلجؤون إلى مكتبة الشارقة العامة ليس فقط للحصول على الكتب، بل للحصول على مساحة عامة آمنة وتوجيه ومجتمع.
مع اقتراب نهاية عام اليوبيل، أعلنت مكتبات الشارقة العامة عن نيتها الاستفادة من الزخم الحالي عبر ثلاثة مسارات رئيسية: حماية المواد، وتوسيع الوصول، وتجريب صيغ جديدة للبرامج.
توضح خطط ما بعد المئوية كيف تريد المكتبة تحويل الاحتفال إلى برنامج عمل طويل الأمد.
الحفظ الرقمي
مواصلة مشاريع الرقمنة لحماية المواد وإتاحتها للباحثين في المستقبل.
الشمول المجتمعي
توسيع نطاق التوعية ليشمل المجتمعات المحرومة وتعزيز إتاحة الأرشيفات للبحث في تاريخ المنطقة.
البرامج المختلطة
تجربة صيغ تجمع بين الفعاليات الحية والمحاضرات عبر الإنترنت والتعلم التفاعلي.
إذا كانت المكتبة هي مجموع قرائها بقدر ما هي مجموع مجلداتها، فإن قصة الشارقة التي امتدت على مدى قرن من الزمان لا يمكن فصلها عن الأشخاص الذين استخدموها ودافعوا عنها وأعادوا تصورها: الحكام الذين خصصوا مساحة للكتب، والمكتبيون الذين اعتنوا بالصفحات الهشة، والمعلمون الذين حولوا الصفحات إلى مسارات، والقراء الذين تعرفوا على أنفسهم وعالمهم من خلال القصص. الذكرى المئوية هي دعوة للنظر إلى الوراء، إلى تاريخ مؤسّسي رائع، والأهم من ذلك، للدخول في الفصل التالي بفضول واهتمام. بالنسبة لمدينة ارتدت عباءة العاصمة الثقافية عن قصد، فإن 100 عام من مكتبة الشارقة ليست نقطة نهاية بقدر ما هي وعد: أن القراءة، المحفوظة والمعاد تصورها، تظل قوة حيوية للصالح العام.