شجرة الدر هي واحدة من أكثر الشخصيات استثنائية في التاريخ الإسلامي. قصتها هي قصة عن المرونة والذكاء والفطنة السياسية، تتكشف خلال حقبة مضطربة من الحروب الصليبية والصراعات الأسرية وولادة سلطنة المماليك. من صعودها من العبودية إلى أن أصبحت واحدة من النساء القليلات في التاريخ اللاتي حكمن كملكات في العالم الإسلامي، فإن حياة شجرة الدر هي شهادة على طموحها وقدرتها على التعامل مع تحديات السلطة في مجتمع يهيمن عليه الذكور. تتناول هذه المقالة رحلتها الرائعة، والدور المحوري الذي لعبته خلال الحملة الصليبية السابعة، وتأثيرها الدائم أثناء الانتقال من الحكم الأيوبي إلى سلطنة المماليك.

1- الحياة المبكرة ودخولها إلى السلطة:

الصورة على commons.wikimedia.org
الصورة على commons.wikimedia.org

ولدت شجرة الدر في بدايات متواضعة، من المرجح أن تكون من أصل تركي أو أرمني. بدأت رحلتها إلى بلاط السلطة عندما اشتراها، كأمَة، السلطان الصالح نجم الدين أيوب، أحد حكام الأسرة الأيوبية. وسرعان ما لفت جمالها وذكاؤها انتباهه، وارتقت لتصبح محظيته المفضلة ثم زوجته لاحقًا.

شجرة الدر كمستشارة موثوقة: لم تكن شجرة الدر شخصية عادية في البلاط. فقد عهد إليها السلطان الصالح بمسؤوليات كبيرة، بما في ذلك المشاركة في الشؤون السياسية والعسكرية. وكان هذا دليلاً على ذكائها الحاد وفهمها للحكم. وأصبحت موضع ثقة السلطان ولعبت دورًا خلف الكواليس في إدارة شؤون الدولة.

سياق الحملة الصليبية السابعة: خلال فترة وجودها مع السلطان الصالح، واجهت مصر أحد أخطر التهديدات: الحملة الصليبية السابعة بقيادة الملك لويس التاسع ملك فرنسة. كان هدف الحملة الصليبية الاستيلاء على مصر، المركز الاستراتيجي للعالم الإسلامي، وإضعاف القوة الإسلامية في شرق البحر الأبيض المتوسط. اشتدت الضغوط على بلاط السلطان الصالح مع استهداف قوات لويس التاسع لمدينة دمياط، وهي ميناء مصري رئيسي.

2- القيادة خلال الحملة الصليبية السابعة:

الصورة عبر Hannah Wernecke على unsplash
الصورة عبر Hannah Wernecke على unsplash

برزت براعة شجرة الدر وقيادتها عندما مرض السلطان الصالح بشكل خطير في عام 1249. وفي حين أن وفاته كانت لتدفع الدولة الأيوبية إلى الفوضى، إلا أن شجرة الدر تصرفت بحزم للحفاظ على النظام والمعنويات، فأخفت وفاة السلطان الصالح لعدة أشهر، وأصدرت الأوامر باسمه للحفاظ على توحيد الجيش. وتحت قيادتها الفعلية، حققت القوات الإسلامية نصرًا حاسمًا؛ ففي معركة المنصورة عام 1250، هُزم الجيش الصليبي هزيمة ساحقة، وُقبض على الملك لويس التاسع الذي فدى نفسه لاحقًا، ما يمثل فشل الحملة الصليبية السابعة. لقد عزز دور شجرة الدر في هذا النصر سمعتها كزعيمة قادرة، وأظهر قدرتها على اكتساب الاحترام والحفاظ على الاستقرار خلال أوقات الأزمات براعتها السياسية والعسكرية.

3- الصعود كسلطانة لمصر:

مع وفاة السلطان الصالح وتزايد التوترات بين الأسرة الأيوبية، أصبحت زعامة شجرة الدر ضرورية. بعد اغتيال ابن زوجها، توران شاه، على يد قادة المماليك الساخطين، نشأ فراغ في السلطة. واعترافًا بكفاءتها، أعلن المماليك شجرة الدر حاكمة جديدة لمصر في مايو / أيار 1250.

كان حكم شجرة الدر رائدًا، لكنه واجه مقاومة فورية؛ ففي العالم الإسلامي في القرن الثالث عشر، كانت فكرة حكم المرأة كملك ذات سيادة مثيرة للجدل إلى حد كبير، وقد رفض الخليفة في بغداد الاعتراف بسلطتها، مشيرًا إلى أنه لا يمكن للمرأة أن تحكم المجتمع المسلم. من جهة أخرى، كان الانتقال من الحكم الأيوبي إلى حكم المماليك محفوفًا بالتوترات، حيث تنافست الفصائل المتنافسة على السلطة.

وعلى الرغم من هذه التحديات، اتخذت شجرة الدر عدة خطوات لتعزيز سلطتها. فحملت لقب ملكة المسلمين وضربت عملات معدنية تحمل اسمها، ترمز إلى سيادتها. كما سعت إلى التحالف مع زعماء المماليك الأقوياء لتأمين منصبها. كان حكمها القصير كحاكمة وحيدة لمصر بمثابة لحظة محورية في تاريخ المنطقة، حيث سلط الضوء على القوة المتنامية للمماليك، الذين كانوا في السابق عبيدًا عسكريين، ودورهم في تشكيل مستقبل مصر.

4- الانتقال إلى سلطنة المماليك:

الصورة عبر American Numismatic Society على commons.wikimedia.org
الصورة عبر American Numismatic Society على commons.wikimedia.org

بعد بضعة أشهر، أصبحت الضغوط السياسية على شجرة الدر غير محتملة. ولإرضاء المنتقدين وتعزيز موقفها، تزوجت من عز الدين أيبك، أحد القادة المملوكيين البارزين، ما أدى فعليًا إلى انتقال السلطة إليه. وقد مثّل هذا الزواج النهاية الرسمية للحكم الأيوبي في مصر وصعود سلطنة المماليك. ولكن، وعلى الرغم من أنها لم تعد الحاكمة الوحيدة، إلا أن شجرة الدر ظلت شخصية سياسية هائلة. فحكمت بالاشتراك مع أيبك، وحافظت على نفوذ كبير على شؤون الدولة، وعملت كوسيط ومستشارة، مستفيدة من خبرتها واتصالاتها.

5- المؤامرة والنهاية المأساوية:

مع توطيد أيبك لسلطته، تصاعدت التوترات بينه وبين شجرة الدر. بدأ أيبك في البحث عن تحالفات من خلال زواج آخر، وهو ما رأت فيه شجرة الدر تهديدًا لنفوذها. في تحول دراماتيكي للأحداث دبرت شجرة الدر اغتيال أيبك في عام 1257، ما أدى إلى القضاء عليه كمنافس. ولكن الموالين لأيبك قاموا باعتقالها. وانتهت حياة شجرة الدر بنهاية مأساوية. فوفقًا لبعض الروايات، تعرضت للضرب حتى الموت بقباقيب خشبية من قبل محظيات أيبك، وهو عمل وحشي ورمزي يهدف إلى إذلالها.

الخاتمة:

الصورة عبر Giammarco Boscaro على unsplash
الصورة عبر Giammarco Boscaro على unsplash

تظل شجرة الدر واحدة من أبرز الشخصيات في التاريخ الإسلامي، ليس فقط كامرأة حكمت خلال فترة من الاضطرابات، ولكن كزعيمة لعبت دورًا محوريًا في تشكيل مستقبل مصر. ويؤكد صعودها من العبودية إلى السيادة، وأفعالها الحاسمة خلال الحملة الصليبية السابعة، وتأثيرها في تأسيس سلطنة المماليك، على إرثها الدائم. ورغم أن فترة حكمها كانت قصيرة وأن حياتها انتهت بمأساة، فإن قصة شجرة الدر لا تزال تلهم وتثير اهتمام العلماء والمؤرخين حتى يومنا هذا.

  • الحيوانات
  • إدارة وأعمال
  • الثقافة
  • الطعام
  • أسلوب الحياة
  • علوم
  • تقينة
  • الرحلات والسفر

    الثقافة

      المزيد من المقالات