هل تساءلت يومًا من أين تأتي كتلتك؟ إذا تجاهلنا بعض الإجابات الممكنة عن هذا التساؤل، والمتعلّقة بكمية الشوكولاتة الزائدة، أو قطع الكعك الإضافية التي تتناولها، فمن المحتمل أنك ستجيب ـــــ كأي متحمّس للعلم ـــــ أن منشأ الكتلة الحقيقي هو من ظاهرة فيزيائية تسمى حقل هيغز (Higgs). وفي حين أن هذا الادعاء غالبًا ما يُرى في القصص العلمية الشعبية، فقد تبين أنه غير صحيح على الإطلاق. في الواقع، يساهم حقل هيغز قليلاً جدًا في كتلة الكون. الواقع أكثر إثارة للاهتمام. في هذه المقالة نبيّن التفاصيل الكامنة وراء كتلة الأجسام في الكون.

البداية – حقل هيغز:

الصورة عبر Lucas Taylor / CERN على commons.wikimedia.org
الصورة عبر Lucas Taylor / CERN على commons.wikimedia.org

أولاً، دعنا نستكشف سبب ادعاء الصحافة العلمية أن حقل هيغز يعطي كتلة للأجسام. كان حقل هيغز نظرية طُرحت في ستينيات القرن العشرين كنوع من الإسعافات الأولية لإنقاذ نظرية أخرى كانت شائعة في ذلك الوقت. ابتكر الفيزيائيون نظرية مفادها أن اثنتين من القوى الكمومية المعروفة، هما القوة الكهرومغناطيسية والقوة النووية الضعيفة، كانتا في الواقع تجلّيين متباينَين لقوة أساسية واحدة: القوة الكهروضعيفة. القوة الكهرومغناطيسية مسؤولة عن الكهرباء والمغناطيسية والضوء وكثير من الكيمياء، في حين أن القوة النووية الضعيفة مسؤولة عن أشكال معينة من التفكّك الإشعاعي. بنفس الطريقة التي نعرف بها أن الجليد والبخار هما ببساطة شكلان مختلفان من الماء، كانت هاتان القوتين المختلفتان ظاهريًا، مجرد طريقتين مختلفتين للنظر إلى الشيء ذاته.

ولكن كانت هناك مشكلة مع هذه القوة الجديدة والموحدة؛ فقد تنبأت بأن جميع الجسيمات دون الذرية لها كتلة صفرية. كان من المعروف أن هذا الادعاء خاطئ منذ ثلاثينيات القرن العشرين، لذلك ربما ماتت نظرية الكهروضعيفة بعد وقت قصير من ولادتها. ولكن عددًا من الفيزيائيين اقترحوا في منتصف الستينيات حقل طاقة - يسمى الآن حقل هيغز - يعطي كتلة لبعض الجسيمات ولكن ليس للأُخريات. تنبأت نظرية حقل هيغز بوجود جسيم يسمى بوزون هيغز.

وبقي هذا الجسيم جسيمًا نظريًا إلى أن اكتُشف فعلًا في عام 2012 من قبل باحثين يعملون في مختبر سيرن (CERN). مع اكتشاف بوزون هيغز، أُثبتت صحة نظرية القوة الكهروضعيفة. من الصحيح أن حقل هيغز يعطي كتلة لبعض الجسيمات دون الذرية، مثل الإلكترون المألوف لدينا، وكذلك فئة من الجسيمات تسمى "الكواركات"، والتي توجد داخل البروتونات والنيوترونات في النوى. وبسبب هذه الحقيقة، يقول بعض المؤلفين وعشاق العلوم أن حقل هيغز يعطينا الكتلة.

ما الذي يعطينا الكتلة؟

الصورة عبر PublicDomainPictures على pixabay
الصورة عبر PublicDomainPictures على pixabay

ومع ذلك، وعلى الرغم من نجاح نظرية هيغز، فإن هذا الادعاء يتبين أنه غير صحيح. يمكننا توضيح ذلك بالسؤال عن مصدر كتلة شخص يزن 80 كيلوغرامًا مثلاً. إذا سألت كيميائيًا، فسيقول لك إن كتلة الشخص تأتي من الجزيئات التي يتكون منها. وإذا وزنت هذه الجزيئات، فستجد أنها تزن 80 كيلوغرامًا. وإذا بحثنا بعمق أكبر، أمكننا أن نسأل: ما كتلة الذرات التي تتكون منها هذه الجزيئات؟ عندما تزنها، ستجد مرة أخرى 80 كيلوغرامًا. توجد داخل الذرات البروتونات والنيوترونات الموجودة في مركز الذرة، بالإضافة إلى غمامة من الإلكترونات حول النواة. للبروتونات والنيوترونات كتلتان متقاربتان، في حين أن الإلكترونات أخف بكثير (كتلة الإلكترون حوالي 1 من 2000 من كتلة البروتون أوالنيوترون. لذا، يمكننا تجاهل الإلكترونات والتركيز على البروتونات والنيوترونات. عندما نجمع كتل جميع البروتونات والنيوترونات الموجودة في الشخص، نحصل على 79.9 كيلوغرامًا (مع 0.1 كيلوغرام في الإلكترونات).

حتى هذه المرحلة، يبدو أن كتلة الشخص موجودة في الجسيمات دون الذرية التي يتكون منها؛ ولكن بعد ذلك تحدث مفاجأة. يحتوي كل بروتون ونيوترون على ثلاثة جسيمات أصغر تسمى الكواركات. لذا، قد يتوقع المرء أننا إذا جمعنا كتل جميع الكواركات، فسنحصل على الرقم الممل ذاته (80 كيلوغرامًا). ولكن ـــــ وهنا المفاجأة ـــــ ليس هذا ما نجد. إذا جمعنا كتل جميع الكواركات في الشخص ذي الـ 80 كيلوغرامًا، وجدنا أقلّ من كيلوغرامين. إذًا، من أين تأتي الـ 78 كيلوغرامًا الأخرى؟ هنا تصبح الأمور مثيرة للاهتمام.

تم العثور على الإجابة، كما هو الحال غالبًا، في معادلة أينشتاين الشهيرة E = mc2 . تقول هذه المعادلة أن الطاقة والكتلة متكافئتان. فكيف يساعد هذا؟ لقد تبين أن الكواركات داخل كل بروتون ونيوترون تتحرك بسرعات عالية جدًا؛ في الواقع، يمكن أن تقترب هذه السرعات من سرعة الضوء. وهذه السرعة العالية جدًا تعني طاقة عالية جدًا. ووفقًا لأينشتاين، تعني الطاقة العالية جدًا كتلة عالية جدًا. ومع ذلك، هناك المزيد عن هذه القصة. تشبّه البروتونات والنيوترونات بِكرات صغيرة جدًا، يبلغ قطرها حوالي 1 على كوادريليون من المتر، (الكوادريليون هو 1 يليه 15 صفرًا ويساوي مليون مليار). إذا كانت البروتونات مكونة من كواركات سريعة جدًا محصورة داخل هذا الحجم الضئيل، فيجب أن تكون هناك قوى قوية بنفس القدر تربطها معًا. يمكن أن تعني القوى القوية أيضًا طاقة عالية، تمامًا مثل القوس المشدود جدًا الذي يحتوي على طاقة أكبر من القوس ذي الوتر المرن. يمكنك جمع طاقة الحركة وطاقة حصر الكواركات داخل البروتونات والنيوترونات، وعندما تفعل ذلك، ستجد أن كتلة الشخص ليست مصنوعة من "مادة" بالطريقة التي نفكر بها عادةً، بل إن كتلتنا مصنوعة من طاقة. في واقع الأمر، تتكون كل المادة من طاقة. وبذلك نكون جميعنا طاقة، تمامًا كما تقول بعض العبارات العلمية الزائفة.

الصورة عبر VIVIANE6276 على pixabay
الصورة عبر VIVIANE6276 على pixabay

الآن، قد يذهب المرء بعيداً في مزاعم العلوم الزائفة، وهذا يحدث غالباً. ولكن فكرة أن كتلتنا ليست أكثر من حركة محمومة لجسيمات دون ذرية صغيرة، متماسكة معاً بقوى لا يمكن تصورها، تمنحنا طريقة مختلفة تماماً للتفكير في المادة والطاقة. مرة أخرى، يعلّمنا العلم أن الواقع أغرب كثيراً مما نتخيل.

  • الحيوانات
  • إدارة وأعمال
  • الثقافة
  • الطعام
  • أسلوب الحياة
  • علوم
  • تقينة
  • الرحلات والسفر

    علوم

      المزيد من المقالات