صوت المحيط الغامض: الكشف عن أصوات شبيهة بالوحوش البحرية تحت الأمواج

لطالما أسَرَ المحيط الواسع والغامض البشرية بأسراره. ومن بين هذه الأسرار ظاهرة الأصوات الغريبة التي لا يمكن تحديدها تحت الماء والتي يُشبِّهها البعض بأصوات وحوش بحرية أسطورية. وقد أثارت هذه الأصوات، التي تتراوح من الأنين المخيف إلى النبضات الإيقاعية، فضول العلماء والجمهور على حد سواء. تتعمق هذه المقالة في أصول هذه الأصوات الغامضة في المحيط وخصائصها وتفسيراتها، وتتفحص كيف سهَّلت التكنولوجيا دراستها وما قد تكشفه عن كوكب الأرض.

1. ظهور ظاهرة ضوضاء المحيط وتطورها.

تم الإبلاغ عن أصوات غامضة في المحيط لعقود من الزمان، حيث ارتبطت بعض أقدم الأحداث الموثقة بالسونار العسكري خلال منتصف القرن العشرين. دفعت الحرب الباردة إلى نشر أجهزة الاستماع المصممة لكشف الغواصات تحت الماء، وقد كشفت عن غير قصد عن سيمفونية من الضوضاء الطبيعية وغير المُفسَّرة تحت الماء.

مع مرور الوقت، سمح التقدم في تكنولوجيا الهيدروفون (hydrophone) للباحثين بعزل هذه الأصوات وتسجيلها. تشمل الأمثلة الشهيرة "Bloop" التي سجلتها الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (National Oceanic and Atmospheric Administration NOAA) في عام 1997. كان يُعتقد في البداية أن Bloop، وهو صوت منخفض التردد نشأ في المحيط الهادئ، يشبه الضوضاء التي تنتجها الحيوانات البحرية الأكبر من أي نوع معروف، مما أثار التكهنات حول وحوش البحر أو ليفياثان (leviathans) غير المعروفة.

2. أدلة وحقائق حول أصوات ضوضاء المحيط.

يتم توثيق أصوات ضوضاء المحيط من خلال أنظمة صوتية مائية متقدمة. سجَّلت أجهزة الهيدروفون التابعة لمنظمة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية التابعة للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي آلاف الأصوات سنوياً. فيما يلي أمثلة بارزة:

The Bloop (1997): صوت منخفض التردد للغاية يبلغ 52 هرتزاً تم تحديده بالقرب من الساحل الجنوبي الغربي لأمريكا الجنوبية. وتعزو الدراسات اللاحقة ذلك إلى حركات الجرف الجليدي وليس النشاط البيولوجي.

The Julia (1999): صوت يستمر لأكثر من 15 ثانية، يشبه أنيناً طويلاً. لا يزال مصدره مجهولاً ولكن تم افتراض أنه يتضمن نشاطاً بركانياً أو جليدياً تحت الماء.

The Upsweep: ضوضاء موسمية تم اكتشافها لأول مرة في عام 1991، وتُظهر أنماطاً مُتسقة ولكنها تتحدى التفسير القاطع.

يكشف التحليل الإحصائي للأصوات المُسجَّلة عن غلبة الترددات الأقل من 100 هرتز، والتي تقطع مسافات كبيرة تحت الماء. بالإضافة إلى ذلك، تشير الأدلة إلى زيادة نشاط الصوت في المناطق ذات النشاط التكتوني أو الجليدي.

3. انتشار أصوات الضوضاء المحيطية.

صورة من unsplash
صورة من unsplash

تم تسجيل ظاهرة الضوضاء المحيطية عبر جميع المحيطات الرئيسية، حيث تَظهر مناطق معينة كنقاط ساخنة. وتُظهِر المحيطات الهادئة والجنوبية أعلى نسبة من الضوضاء الغامضة، المنسوبة إلى العمليات الجيولوجية والبيولوجية الديناميكية.

توضح الدراسات الحديثة توزيع ضوضاء المحيطات، حيث تَظهَر مجموعات بالقرب من:

• سلسلة جبال وسط المحيط الأطلسي (النشاط التكتوني).

• بحر روس (حركات الجليد الجليدي).

• خندق ماريانا (تيارات أعماق البحار).

تساهم العوامل البشرية، بما في ذلك ممرات الشحن والنشاط الصناعي، أيضاً في مستويات الضوضاء في المحيطات، مما يُعقِّد اكتشاف الأصوات الطبيعية ودراستها.

4. دراسات أصوات الضوضاء في المحيطات واستكشافها.

تتضمن أبحاث ضوضاء المحيطات التعاون بين علماء المحيطات وعلماء الجيوفيزياء وعلماء الأحياء البحرية. تشمل المشاريع البارزة:

نظام مراقبة الصوت (Sound Surveillance System SOSUS): كان في البداية برنامجاً عسكرياً، ولكنه الآن يساعد في البحث العلمي.

تجربة المحيط الهادئ الدولية (International Quiet Ocean Experiment IQOE): تركز على فهم دور الصوت في النظم البيئية البحرية.

برنامج VENTS التابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي: يدرس الإشارات الصوتية من النشاط البركاني.

لقد أدت الاختراقات التكنولوجية، مثل المركبات ذاتية التشغيل تحت الماء، والمركبات التي يتم تشغيلها عن بُعد، إلى توسيع قدرات الاستكشاف. على سبيل المثال، استخدمت البعثات الاستكشافية الأخيرة ميكروفونات أعماق البحار لتحليل الأصوات غير المُفسَّرة بالقرب من الفتحات الحرارية المائية.

5. وسائل قياس أصوات الضوضاء في المحيط.

صورة من wikimedia
صورة من wikimedia

تعتمد دراسة ضوضاء المحيط على أدوات متخصصة:

الميكروفونات المائية: ميكروفونات حساسة تكتشف الموجات الصوتية تحت الماء. تسمح مجموعات الميكروفونات المائية بتحديد مصادر الصوت.

الطائرات الشراعية الصوتية: تم تجهيز هذه المركبات ذاتية التشغيل تحت الماء بميكروفونات مائية لتسجيل الأصوات تحت الماء ورسم خرائطها بشكل مستقل.

أجهزة السونار: يتم نشر هذه الأجهزة بواسطة الطائرات أو السفن، وتوفر مراقبة صوتية قصيرة المدى.

تكشف البيانات الرقمية من مجموعات الميكروفونات المائية عن شدة ضوضاء المحيط وترددها ومدتها. على سبيل المثال، تم تسجيل صوت Bloop بتردد 16 هرتز مع شدة مصدر تقديرية تتجاوز 200 ديسيبل.

6. تفسير أصوات ضوضاء المحيط.

صورة من wikimedia
صورة من wikimedia

غالباً ما يربط التفسير العلمي لأصوات المحيط الغامضة بظواهر طبيعية:

الأصول البيولوجية: تحاكي بعض الأصوات أصوات الحيتان، مما يشير إلى أنواع غير معروفة أو أصوات فريدة

النشاط الجيولوجي: التحولات التكتونية، والثورات البركانية تحت الماء، وانهيار الأنهار الجليدية هي الأسباب الرئيسية.

الضوضاء البشرية: يهيمن شحن البضائع والحفر والسونار بشكل متزايد على المشهد الصوتي تحت الماء، مما يخفي الضوضاء الطبيعية.

أدى الانبهار العام إلى تغذية نظريات بديلة، بما في ذلك التكهنات حول الكائنات البحرية العملاقة أو الأصول خارج كوكب الأرض. في حين أن هذه الأفكار تجذب الخيال، إلا أنها تفتقر إلى الأدلة التجريبية.

تُمثّل أصوات المحيط الغامضة إشارة على مدى ضآلة ما نعرفه حقاً عن الحدود النهائية للأرض. تستمر التطورات في تكنولوجيا الصوت في إلقاء الضوء على هذه الأصوات الغامضة، وربطها بأسباب طبيعية وبشرية. ومع ذلك، فإن جاذبية المجهول لا تزال قائمة، مما يُلهِم البحث العلمي ورواية القصص الخيالية. وبينما يسعى المُختصون جاهدين لفك رموز هذه الأصوات تحت الماء، فإنهم لا يعملون على تعميق فهم المحيط فحسب، بل ويؤكدون أيضاً على دوره كمخزن للعجائب والغموض.

  • الحيوانات
  • إدارة وأعمال
  • الثقافة
  • الطعام
  • أسلوب الحياة
  • علوم
  • تقينة
  • الرحلات والسفر

    الرحلات والسفر

      المزيد من المقالات