تعز: المدينة اليمنية التي تمزج بين التاريخ والحداثة، بحياتها الفكرية النابضة بالحياة، ومناظرها الجبلية الخلابة، وهندستها المعمارية القديمة.

ADVERTISEMENT

مدينة تعز، التي تُلقب غالبًا بـ"العاصمة الثقافية لليمن"، هي مدينةٌ يمتزج فيها التاريخ والحداثة بتنام بديع إذ أثرت فيها قرونٌ من الحياة الفكرية والفنية، ما يجعلها واحدةً من أكثر المدن سحرًا في شبه الجزيرة العربية. فمعمارها العريق، ونسيجها الاجتماعي النابض بالحياة، وهويتها الحضرية المتطورة، تجعلها وجهةً تعكس ماضي اليمن العريق وتطلعاته المستقبلية.

صورة بواسطة المصور أنس الحاج على wikipedia

نسيجٌ من التاريخ والهوية المعاصرة

يمتد تاريخ تعز لأكثر من ألف عام، وقد شكّلته سلالاتٌ حاكمةٌ وعلماءٌ وتجارٌ ورحالةٌ تركوا بصماتهم على شوارعها وأفقها. برزت المدينة خلال العصرين الأيوبي والرسولي، لتصبح مركزًا سياسيًا وثقافيًا لليمن في العصور الوسطى. ويعود تاريخ العديد من معالمها التاريخية إلى هذه الحقبة، بما في ذلك المساجد والحصون والمدارس التي لا تزال شامخة حتى اليوم. يُعدّ قصر القاهرة، المُتربّع على سفوح جبل صبر، أحد أبرز رموز ماضي تعز. فقد ظل هذا الحصن العريق يشرف على المدينة لقرون مؤديا دور الحصن الدفاعي ومقر الإقامة الملكية تُتيح أسواره الحجرية وممراته المتعرّجة وإطلالاته البانورامية لمحةً عن الأهمية الاستراتيجية التي تمتّعت بها تعز في الماضي. ومع ذلك، لم تتوقف تعز عند هذا الحد. فعلى مدار القرن الماضي، نمت لتصبح مركزًا حضريًا نابضًا بالحياة، يضمّ أحياءً حديثة وجامعات ومؤسسات ثقافية. وتعجّ الأسواق بالحركة والنشاط، وتُشيّد مبانٍ جديدة بجوار مبانٍ قديمة، فتواصل المدينة تجديد نفسها مع الحفاظ على جذورها. هذا المزيج بين القديم والجديد يمنح تعز هويةً فريدة. إنها مدينةٌ تتجاور فيها المآذن العريقة مع المقاهي العصرية، وتتعايش فيها الحرف التقليدية مع التعليم الحديث، حيث لا يُنسى الماضي بل يُنسج في نسيج الحياة اليومية.

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

حياة فكرية وثقافية نابضة بالحياة

لطالما اشتهرت تعز بكونها مركزًا للعلم والأدب والفنون. وقد اكتسبت مكانتها بفضل أجيال من العلماء والشعراء والمفكرين الذين أسهموا في إثراء ثقافتها. ولطالما لعب التعليم دورًا محوريًا في هوية تعز. تضم المدينة العديد من الجامعات والمعاهد التي تستقطب الطلاب من مختلف أنحاء البلاد. وتُعزز هذه المؤسسات بيئة أكاديمية حيوية، و يُعزز وجود المكتبات ومتاجر الكتب والأوساط الأدبية مكانة تعز كمدينة للأفكار. وتزدهر الفنون أيضًا في هذه المدينة. فتتداخل الموسيقى اليمنية التقليدية، والأمسيات الشعرية، والعروض المسرحية في نسيج الحياة الثقافية لمدينة تعز.

صورة بواسطة Hasso Hohmann على wikipedia

يفخر سكانها بتراثهم الفني، محافظين على التقاليد الشعبية مع احتضانهم لأشكال التعبير المعاصرة. ولا تزال فنون الخط، وصناعة الفخار، والنسيج من الممارسات الثقافية المهمة، التي تتوارثها الأجيال وتتميز الحياة الاجتماعية في تعز بحيويتها. يُعرف أهلها بكرم ضيافتهم وحسن استقبالهم وأحاديثهم الشيقة. وتضج المقاهي وأماكن التجمع بالنقاشات حول الأدب والسياسة والحياة المجتمعية. تضفي هذه الطاقة الفكرية على المدينة روحًا ديناميكية تميزها عن العديد من المراكز الحضرية الأخرى في المنطقة.

ADVERTISEMENT

عظمة الجبال وجمال الطبيعة

تتمتع مدينة تعز، المحاطة بالجبال الشاهقة والوديان الخضراء، ببعضٍ من أروع المناظر الطبيعية في اليمن. ولا يقتصر تأثير هذا المشهد الطبيعي الخلاب على مظهر المدينة فحسب، بل يمتد ليشمل مناخها وثقافتها وحياتها اليومية. يُعدّ جبل صبر، الجبل المهيب الذي يرتفع لأكثر من 3000 متر فوق سطح البحر، أشهر معالمها الطبيعية. وتنتشر على سفوحه مزارع مدرجة وقرى حجرية ومسارات متعرجة تُطلّ على مناظر خلابة للمدينة. يُشكّل جبل صبر جنةً لهواة المشي ومحبي الطبيعة، حيث تُضفي نسائمه العليلة وهضابُه الخضراء ومناظره البانورامية تجربةً لا تُنسى. ولا يقتصر دور الجبل على كونه خلفيةً طبيعيةً خلابة، بل هو رمزٌ لصمود تعز وجمالها. وقد أثّر وجوده على هندسة المدينة المعمارية، حيث تُبنى المنازل والمباني غالبًا على سفوح التلال شديدة الانحدار، مما يُشكّل مشهدًا حضريًا فريدًا ينسجم بسلاسة مع الطبيعة. ويتميز مناخ تعز باعتداله مقارنةً بالعديد من المدن اليمنية الأخرى، وذلك بفضل ارتفاعها. تساهم درجات الحرارة المنخفضة والأمطار الموسمية في دعم الزراعة، مما يجعل المنطقة المحيطة خصبة وخضراء. يزدهر البن والقات والفواكه والخضراوات في الوديان والمدرجات الزراعية، مما يُثري تقاليد الطهي في المدينة وينعش اقتصادها المحلي.

ADVERTISEMENT
صورة بواسطة المصور أنس الحاج على wikipedia

عمارة عريقة وتراث خالد

يُعدّ التراث المعماري لتعز شاهدًا على ماضيها العريق والغني. فالمدينة تزخر بالمساجد التاريخية والمنازل التقليدية والأسواق القديمة التي تعكس قرونًا من الحرفية والتبادل الثقافي. يُعتبر جامع الأشرفية، الذي يُطلق عليه غالبًا "جوهرة تعز"، أحد أروع الأمثلة على العمارة الإسلامية في اليمن. بُني الجامع في العصر الرسولي، وتُبرز قبابه الأنيقة ونقوشه الدقيقة ومحرابه المزخرف ببراعة براعة البنائين اليمنيين في العصور الوسطى. ولا يقتصر دور الجامع على كونه مكانًا للعبادة فحسب، بل هو أيضًا رمزٌ لإرث المدينة الروحي والثقافي. تصطف البيوت اليمنية التقليدية، بتصاميمها الحجرية المميزة ونوافذها الخشبية ونقوشها الزخرفية، على جانبي أحياء تعز القديمة. تعكس هذه البيوت فهمًا عميقًا للمناخ المحلي ومواد البناء، ممزوجةً بين العملية والجمال. ويضم العديد منها شرفات على أسطحها تُطل على مناظر خلابة للجبال والمدينة. وتُعدّ أسواق المدينة كنزًا معماريًا وثقافيًا آخر. فالأزقة الضيقة المليئة بالتوابل والمنسوجات والمجوهرات والمنتجات اليدوية تخلق جوًا خالدًا. هذه الأسواق ليست مجرد أماكن للتسوق، بل هي متاحف حية للثقافة اليمنية. ورغم التطور العمراني الحديث، حافظت تعز على جزء كبير من هويتها المعمارية. وتساهم جهود الترميم وفخر المجتمع في حماية المباني التاريخية، مما يضمن بقاء تراث المدينة حاضرًا للأجيال القادمة.

ADVERTISEMENT

مدينة الروح والجمال والصمود

تعز مدينة تجسد روح اليمن، غنية بالتاريخ، نابضة بالحياة الثقافية، ومُنعمة بجمال طبيعي خلاب. فمزيجها الفريد من العمارة العريقة، والحيوية الفكرية، والمناظر الجبلية الساحرة، يخلق طابعًا مميزًا لا يُنسى. حتى في أوقات الشدة، لا تزال تعز مصدر إلهام بفضل صمودها وإبداعها وروحها الخالدة. للمسافرين والباحثين والحالمين على حد سواء، تقدم تعز رحلة إلى عالم يتعايش فيه الماضي والحاضر في وئام. إنها مدينة تستحق الزيارة