نواجه في حياتنا اليومية أشخاصًا يميلون إلى فرض آرائهم والتحكّم في من حولهم، سواء في العمل، أو داخل الأسرة، أو في العلاقات الاجتماعية المختلفة. هذا النوع من الشخصيات، المعروف بالشخصية المتسلّطة، قد يترك أثرًا نفسيًا سلبيًا إذا لم نعرف كيف نتعامل معه بطريقة واعية. لكن الخبر الجيد هو أن التعامل مع هذه الشخصيات يمكن أن يتحوّل من مصدر ضغط إلى فرصة حقيقية لبناء الذات وتعزيز الثقة بالنفس.
في هذا المقال، نستعرض أسرارًا عملية تساعدك على التعامل مع الشخصيات المتسلّطة بذكاء وهدوء، مع التركيز على تطوير نفسك وحماية صحتك النفسية.
الشخصية المتسلّطة هي شخصية تحب السيطرة، وترى أن رأيها هو الصواب دائمًا، وتسعى لاتخاذ القرارات بدلًا عن الآخرين. غالبًا ما ترفض الحوار المتوازن، وتستخدم أساليب مثل التقليل من شأن الآخرين، أو التهديد غير المباشر، أو رفع الصوت لإثبات قوتها.
قراءة مقترحة
من المهم أن نفهم أن التسلّط لا يعني القوة الحقيقية، بل غالبًا ما يكون نابعًا من خوف داخلي أو شعور بعدم الأمان.
لفهم كيفية التعامل مع الشخصية المتسلّطة، يجب معرفة الأسباب التي تدفعها لهذا السلوك، ومن أبرزها:
هذا الفهم يساعدك على عدم أخذ تصرّفاتهم بشكل شخصي، ويمنحك قدرة أكبر على التعامل الهادئ.
أحد أهم أسرار التعامل مع الشخصية المتسلّطة هو إدراك أن سلوكها لا يعبّر عن قيمتك أنت. كلماتهم القاسية أو أوامرهم المتكررة هي انعكاس لصراعاتهم الداخلية، وليس دليلًا على ضعفك.
كلما فصلت بين ذاتك وبين تصرّفاتهم، قلّ تأثيرهم النفسي عليك.
الشخصية المتسلّطة تزدهر في غياب الحدود. لذلك، تعلّم وضع حدود واضحة وصحية هو خطوة أساسية لحماية نفسك. الحدود لا تحتاج إلى صراخ أو عدوانية، بل إلى وضوح وثبات.
عبارات بسيطة مثل:
تُظهر أنك تحترم نفسك وتطالب بالاحترام.
الشخص المتسلّط يسعى غالبًا إلى استفزازك ليشعر بالقوة. كلما فقدت أعصابك، شعر بأنه انتصر. لذلك، حافظ على هدوئك، وخذ نفسًا عميقًا قبل الرد، واختر كلماتك بعناية.
الهدوء في هذه المواقف ليس ضعفًا، بل علامة قوة ونضج.
الدخول في صراع مباشر مع الشخصية المتسلّطة قد يستنزف طاقتك دون نتيجة. بدلًا من محاولة إثبات من الأقوى، ركّز على حماية نفسك وتحقيق أهدافك.
اختر معاركك بذكاء، وتذكّر أن سلامك الداخلي أهم من كسب جدال عابر.
الثقة بالنفس هي درعك الأقوى أمام التسلّط. اعمل على تطوير ذاتك، وتذكّر إنجازاتك، وتعلّم تقدير نفسك دون انتظار موافقة الآخرين.
كلما زادت ثقتك بنفسك، قلّ تأثير الكلمات السلبية عليك.
التواصل الحازم يجمع بين الاحترام والوضوح. عبّر عن رأيك بنبرة هادئة، دون تردّد أو عدوانية. استخدم عبارات تبدأ بـ “أنا” بدل “أنت” لتجنّب التصعيد.
هذا الأسلوب يساعدك على إيصال موقفك دون خلق صدام.
في بعض الحالات، يكون الابتعاد هو الخيار الأكثر صحّة، خاصة إذا كانت العلاقة مؤذية نفسيًا ولا يمكن إصلاحها. اختيارك للابتعاد لا يعني الفشل، بل يدل على وعيك بقيمتك واحتياجاتك.
صحتك النفسية أولوية لا يجب التنازل عنها.
من الأخطاء الشائعة عند التعامل مع الشخصيات المتسلّطة هو الاعتقاد بأنك تستطيع تغييرها أو إصلاحها. في الواقع، التغيير الحقيقي لا يحدث إلا عندما يختاره الشخص بنفسه. محاولتك المستمرة لتغيير هذا النمط قد تُشعرك بالإحباط والتعب النفسي.
بدلًا من ذلك، ركّز على تغيير طريقة تعاملك أنت، وعلى حماية حدودك ومشاعرك. قبولك لحقيقة أن بعض الأشخاص لن يتغيّروا يحرّرك من عبء كبير، ويمنحك طاقة أكبر للاهتمام بنفسك.
التعامل المستمر مع شخصية متسلّطة قد يكون مرهقًا نفسيًا، خاصة إذا كان هذا الشخص قريبًا منك. لذلك، من المهم ألا تعزل نفسك. مشاركة مشاعرك مع شخص تثق به، أو صديق داعم، أو حتى مختص نفسي، تساعدك على تفريغ الضغط ورؤية الأمور بوضوح أكبر.
طلب الدعم لا يعني الضعف، بل يدل على وعيك بنفسك وحرصك على صحتك النفسية.
كلما كانت علاقتك بنفسك قوية، أصبح تأثير التسلّط عليك أضعف. خصّص وقتًا للتأمل، أو الكتابة، أو ممارسة نشاط تحبه، وكن لطيفًا مع نفسك في الأوقات الصعبة.
عندما تحترم نفسك، وتقدّر مشاعرك، وتثق بحدسك، لن تسمح لأي شخص أن يقلّل منك أو يسيطر على حياتك. العلاقة السليمة مع الذات هي الأساس لأي علاقة صحّية مع الآخرين.
التعامل مع الشخصيات المتسلّطة يمكن أن يكون درسًا عميقًا في الحياة. فهو يعلّمك الصبر، ووضع الحدود، وقوة الهدوء، وأهمية احترام الذات.
كل موقف صعب تمرّ به هو فرصة لتقوية شخصيتك وبناء نسخة أكثر وعيًا منك.
التعامل مع الشخصيات المتسلّطة يتطلّب وعيًا، وصبرًا، وقوة داخلية. لا يمكنك تغيير الآخرين دائمًا، لكن يمكنك تغيير طريقة تعاملك معهم وحمايتك لنفسك. عندما تختار الهدوء، وتضع حدودك، وتثق بنفسك، تصبح أكثر قوة وراحة.
تذكّر أن بناء الذات رحلة مستمرة، وكل خطوة تخطوها نحو احترام نفسك تقرّبك من حياة أكثر توازنًا وسلامًا. أنت تستحق علاقات صحّية ومساحة آمنة تنمو فيها بثقة واطمئنان.