بين أواخر كانون الأوّل / ديسمبر 2025 وأوائل كانون الثاني / يناير 2026، أصبحت الرياض مسرحًا نابضًا بالحياة للحوار بين الثقافات والتبادل الفنيّ، حيث استضافت معرضًا فنيًا معاصرًا كبيرًا بعنوان ”عندما تهبّ الرياح شرقًا“، احتفالًا بالسنة الثقافية السعودية الصينية 2025. كان المعرض - الذي أقيم في قاعة مالفا في مدينة مسك غير الربحية - بمثابة محور مهرجان الأرضية المشتركة، وهو مبادرة ثقافية أوسع نطاقًا نظمتها وزارة الثقافة السعودية للاحتفال بمرور 35 عامًا على العلاقات الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية وجمهورية الصين الشعبية.
يمثّل العام الثقافي السعودي الصيني 2025 جهدًا متضافرًا من كلا البلدين لتعميق التفاهم الثقافي وتقوية العلاقات من خلال التعاون الفني والثقافي. كجزء من برنامج الفعاليات الذي يستمرّ على مدار العام، جمع معرض ”عندما تهبّ الرياح شرقًا“ أكثر من 60 فنانًا معاصرًا — فنانين تعكس أعمالهم وجهات نظر متنوعة ولغات إبداعية من المملكة العربية السعودية والصين.
قراءة مقترحة
أقيم المعرض على ثلاثة أقسام موضوعية استكشفت أسئلة جوهرية حول الهوية والذاكرة والروحانية والتراث الفني. نسجت هذه الموضوعات تاريخًا ثقافيًا مشتركًا بين المنطقتين، ودعت المشاهدين إلى التفكير في كيفية تأثير المناظر الطبيعية — سواء كانت مادية أو عاطفية أو تاريخية — على التعبير الفني.
مدينة مسك في الرياض
تناول القسم الأول كيفية تأثير الجغرافيا والتقاليد والذاكرة المشتركة في تشكيل الهوية الفنية. عكست الأعمال المعروضة العلاقة التكافلية بين المكان والإدراك، موضّحة كيفية تفاعل الفنانين السعوديين والصينيين مع الطبيعة والتراث الثقافي. جسدت أعمال مثل ”الكسوة: خيوط الإيمان“ للفنانة السعودية نبيلة أبو الجدايل - وهي صورة رقمية منسوجة على قماش قطني - هذا التفاعل بين التقاليد والممارسات المعاصرة.
دعا هذا القسم إلى التفكير في التوتر والتناغم بين الوجود المادي والتأمل الروحي. قدم الفنانون أعمالًا استندت إلى عناصر رمزية - من الحرف التقليدية إلى التجريدات التي تشير إلى العوالم الداخلية والاستفسارات الميتافيزيقية.
استكشف القسم الثالث كيف تستمر التقاليد الفنية القديمة في التأثير على الممارسات الإبداعية المعاصرة. سواء من خلال إعادة تفسير الخطّ العربي أو الزخارف التاريخية أو الرمزية الثقافية، سلّط هذا القسم الضوء على كيفية تطور التقاليد الحية في السياقات الحديثة.
توج المعرض السنة الثقافية السعودية الصينية
ومن بين المساهمات البارزة أعمال زيتية تجريدية للفنان الصيني شو فنغ، مثل ”المجالات“، التي مزجت تأثيرات الأشكال الطبيعية وأنظمة المعتقدات مع التجريد التجريبي. كذلك قدّم فنانون سعوديون مثل راشد الشاشاي أعمالًا تتناول تطوّر الأساليب البشرية في تنظيم الحياة ضمن نظام عالمي تهيمن عليه ثقافة الاستهلاك، وذلك من خلال وسائط مختلطة وتركيبات ضوئية، ما يجسد الحوار الإبداعي بين الثقافات.
بينما كان معرض ”عندما تهب الرياح شرقاً“ حجر الزاوية الفني لمهرجان الأرضية المشتركة، سلّط الحدث الأوسع الضوء على الممارسات الثقافية السعودية والصينية عبر التخصصات. استمتع الزوار بعروض حيّة، وأنشطة خطّيّة تمزج بين الخطّ العربي والصيني، ومعارض عرضت الملابس التقليدية والممارسات التراثية والتقاليد الثقافية غير المادّية التي تتردد أصداؤها في كلتا الثقافتين.
كما كانت التجارب التفاعلية جزءًا من البرنامج الثقافي. على سبيل المثال، تمكن الحضور من الانخراط في رحلات الواقع الافتراضي إلى بكين، وتذوّق حفلات الشاي الصينية التقليدية جنبًا إلى جنب مع المأكولات السعودية، واستكشاف التركيبات التي سلطت الضوء على أوجه التشابه المعماري بين المنطقتين. أعطت هذه العناصر الغامرة الحياة لموضوعات المهرجان، وجعلت الحوار الثقافي في متناول جمهور عريض.
يعكس نجاح مهرجان ”عندما تهب الرياح شرقاً“ الجهود الواسعة التي تبذلها المملكة العربية السعودية لوضع الدبلوماسية الثقافية في صميم استراتيجياتها الدولية. وقد ركز مهرجان ”الأرضية المشتركة“ في السابق على مناطق أخرى، لكنه، في نسخته الثالثة، وصل إلى أبعاد جديدة هذا العام بدعوة الصين كضيف شرف. احتفلت هذه النسخة بالقيم المشتركة - مثل الضيافة والتاريخ والابتكار الفني - مع التركيز على نمو المشهد الفني المعاصر في كلا البلدين.
كما أظهر المعرض كيف يمكن للفن المعاصر أن يكون وسيلة قوية للتفاهم بين الثقافات. من خلال عرض أعمال من مجموعات مهمة، أكد معرض ”عندما تهب الرياح شرقاً“ على الإبداع الفني كلغة عالمية تربط بين التقاليد التاريخية والتجارب الحديثة.
التبادل الفني من ثوابت المعرض
تجاوز معرض ”أرضية مشتركة“ الجماليات لتعزيز روابط ثقافية جديدة، حيث وفّر مساحة يمكن فيها للفنانين والجمهور على حد سواء، استكشاف الروايات المشتركة وتصور مستقبل تعاوني. لم يقتصر هذا الحوار على قاعات العرض، بل امتد إلى مساحات الأداء والتجارب الطهويّة والتفعيلات العامة التي احتفلت بالتراث الثقافي غير المادي. طوال المهرجان، ظل التركيز على القيم المشتركة والاحترام المتبادل، ما يوضح كيف يمكن للتبادل الثقافي أن يثري المجتمعات حتى عبر مسافات بعيدة.
يمثّل معرض ”عندما تهب الرياح شرقاً“ لحظة فارقة في العام الثقافي السعودي الصيني، حيث يسلط الضوء على كيفية تأثير الفن المعاصر والبرامج الثقافية في تشكيل العلاقات الدولية وتعميق التفاهم المتبادل. من خلال الجمع بين أصوات فنية متنوعة وجماهير من مختلف أنحاء العالم، عزز المعرض تبادلاً هادفاً يتجاوز الحدود الوطنية.
مع استمرار المملكة العربية السعودية في تعزيز الدبلوماسية الثقافية والتعاون الفني على الساحة العالمية، من المرجح أن تظلّ مثل هذه الفعاليات محوريّة في تعزيز الروابط التي تتجاوز الفوارق الجغرافية والثقافية، ما يعزز فكرة أن التجارب المشتركة في الفن، كما في الدبلوماسية، يمكن أن تؤدي إلى شراكات دائمة.