والمثير في هذا الجدار أنه لا يطلب منك أن تقرأه من أوله إلى آخره؛ فالكتابات المنقوشة عليه ليست موجودة لتُقرأ سطرًا بعد سطر بقدر ما هي موجودة لتجعل عادة البشر الطويلة في تدوين المعرفة مرئية على مقياس معماري.
عرض النقاط الرئيسية
في مكتبة الإسكندرية الجديدة في الإسكندرية، التي صممتها Snøhetta، تتجسد هذه الفكرة في الحجر نفسه. وقد درجت التغطيات المعمارية على وصف الواجهة الخارجية المصنوعة من الغرانيت بأنها منقوشة بكتابات من أكثر من 100 لغة؛ وتذهب بعض المصادر إلى أن العدد يتجاوز 120، كما أشارت ArchDaily إلى الجدار المنحوت بوصفه سطحًا نحتيًا يمتد على 6,000 متر مربع. وهذه الحقائق مهمة لأنها تخبرك بأن الأمر ليس مجرد تفصيل زخرفي جانبي. بل هو المبنى يعبّر بوضوح عن الغاية من المكتبة.
قراءة مقترحة
لنبدأ بالحقيقة الواضحة: الكتابة تستدعي القراءة. فإذا رأيت علامات منقوشة تشبه الحروف، راحت عينك تبحث عن كلمة، ثم عن جملة، ثم عن معنى ثابت يمكنك الإمساك به.
لكن هذه الواجهة سرعان ما تتجاوز تلك العادة. فهي أكبر من أن تُقرأ بهذا المعنى، وأكثر تنوعًا، وأشد انفتاحًا على المجال العام. لا يستطيع شخص واحد أن يقف هناك ويقرأها كلها بوصفها نصًا، بأي معنى عملي. وهذا ليس عيبًا في التصميم، بل هو جوهره.
وهنا الدليل بسرعة. أولًا، الحجم: تمتد النقوش على سطح غرانيت ضخم بما يكفي ليؤدي دور علامة مدنية لا صفحة مكتوبة. ثانيًا، التنوع: أكثر من 100 نظام كتابي، بل أكثر من 120 بحسب روايات كثيرة، تجعل الجدار ملتقى لأنظمة الكتابة لا رسالة واحدة بلغة واحدة. ثالثًا، الموضع: هذا هو الخارج لمكتبة، ما يعني أن الفكرة تُعلن قبل أن تدخل، وقبل أن تبلغ رفًا واحدًا، وقبل أن يُفتح كتاب واحد.
فالمبنى من هذا النوع لا ينتظر منك أن تدخل لتكتشف رسالته. إنه يضع الرسالة على جلده.
وهذا مهم لأن المكتبات ليست مجرد مستودعات للكتب. إنها وعود عامة بالذاكرة، والإتاحة، وبأن البشر يواصلون ترك السجلات بعضهم لبعض. ومن خلال نحت الكتابات في الحجر، تحوّل مكتبة الإسكندرية الجديدة الكتابة نفسها إلى مادة من مواد البناء.
فماذا ترى هنا إذن: زينة أم إعلانًا؟
إنه إعلان يستخدم أدوات الزينة. وحتى إن تعاملت عينك أولًا مع العلامات بوصفها نمطًا بصريًا، فإن ذلك لا يناقض الفكرة بل يدعمها. فالجدار يعمل على مسافتين في آن واحد: عن قرب يبدو كتابة، ومن بعيد يُقرأ بوصفه كتلة من النقش الإنساني، أي حقيقة مشيدة تقول إن الحضارة تقوم على علامات تبقى بعد أن تخفت الأصوات.
راقب ما تفعله عيناك. هل تحاولان فك سطر واحد، أو نظام كتابي واحد، أو أبجدية واحدة مألوفة؟ أم أنهما تتخليان عن فكرة القراءة الكاملة وتبدآن في إدراك الجدار بوصفه كلًا واحدًا؟
هذا التحول الصغير يلخّص حجة المقال كلها في صورة مصغرة. ففي اللحظة التي تتوقف فيها عن انتظار رسالة واحدة قابلة للقراءة، وتبدأ في استشعار الكتابة نفسها على مقياس عام، تنكشف الواجهة على حقيقتها. إن استحالة قراءتها كاملة ليست إخفاقًا، بل هي المقصود. فلا أحد يستطيع أن يحمل في نفسه مجمل الكتابة الإنسانية، لكن يكاد أي شخص أن يدرك أن الكتابة واحدة من الأشياء التي جعلت المدن والقوانين والعلم والدين والأدب والذاكرة ممكنة.
هنا تصبح مكتبة الإسكندرية الجديدة نموذجًا تحليليًا حادًا، لا مجرد مبنى مهيب. فالمكتبات تعلن عن نفسها عادةً باللافتات، والرايات، والأبواب، وربما بدرج فخم. أما هذه المكتبة فتستخدم جدارها الخارجي لتعلن غايتها قبل الدخول: المعرفة لها لغات كثيرة، وتواريخ كثيرة، ولا يملكها طرف واحد.
وقد وصفت Snøhetta المبنى من منظور حضوره العام وثقافته المشتركة، وعاد النقاد مرارًا إلى ذلك الجدار الغرانيتي المنقوش لأنه يجعل المؤسسة مقروءة من خارجها إلى داخلها. لا تحتاج إلى معرفة نظام الفهرسة. فالواجهة تكون قد أخبرتك بالفعل بالحجة الكبرى: هذا المكان ينتمي إلى السجل المكتوب للإنسانية.
وهذه القراءة الرمزية لا تعني أن جميع الزوار سيستجيبون بالطريقة نفسها. فبعضهم قد يواجه الواجهة أولًا بوصفها نصبًا، أو نمطًا، أو سطحًا منحوتًا، أكثر من كونها «كتابة». وهذا مفهوم. فالمباني كثيرًا ما تصل إلينا على طبقات، وهذا المبنى مصمم تحديدًا ليفعل ذلك.
هذا اعتراض وجيه. ربما كانت هذه الكتابات مجرد زينة. وربما كانت طريقة مصقولة لقول «الثقافة العالمية» من غير أن تقول أكثر من ذلك.
لكن على واجهة مكتبة، وفي حجر منحوت، وعبر واجهة متعددة اللغات موثقة بهذا الحجم، لا تتعارض الزينة مع الإعلان. بل يعزز كل منهما الآخر. فالجمال يجذبك، أما الحجم والموضوع فيخبرانك بما ترى المؤسسة أنها تخدمه. ولو ظهرت العلامات نفسها بوصفها زخرفة صغيرة في ردهة داخلية، لكانت الدعوى أضعف. أما على الجدار الخارجي لمكتبة كبرى، فإنها تصبح خطابًا عامًا.
ولهذا تبدو هذه الواجهة مهمة حتى حين لا تستطيع قراءة علامة واحدة. فهي لا تحجب الرسالة عنك، بل تمنحك الرسالة الأوسع.
يمكن للمكتبة الجيدة أن تعلن غايتها قبل أن يدخلها أحد. وتفعل مكتبة الإسكندرية الجديدة ذلك بأن تجعل أنظمة الكتابة عمارة، وتجعل العمارة بيانًا مدنيًا عن الذاكرة.
لذلك، في المرة القادمة التي تقف فيها أمام مبنى تغطيه النقوش، لا تسأل فقط ماذا يقول، بل لماذا يتكلم أصلًا. فهذا التحول البسيط سيساعدك على قراءة الجدران كما تقرأ الكتب: بوصفها اختيارات حول ما يريد مجتمع ما أن يحتفظ به.
وإذا لم تستطع قراءة كل ما أمامك، فذلك لا يضعك خارج الحكاية. بل يضعك في الموضع الذي يعيش فيه معظمنا تمامًا: داخل عالم إنساني صنعته كتابة أكثر مما يمكن لأي فرد أن يحيط به، ومع ذلك لا يزال مدعوًا إلى الدخول.