يبدو كأنه زخرف إسلامي خالد، لكن قوس حدوة الفرس هو في الحقيقة أثر تاريخيّ؛ علامة تكشف كيف عمد الحكّام في المغرب والأندلس إلى تكييف أشكال أقدم وتحويل التكرار إلى ادعاء بالاستمرارية والسلطة.
ويأتي التصحيح الأهم أولًا. فقوس حدوة الفرس لم تبتكره سلالة إسلامية واحدة. وكما يوضح متحف المتروبوليتان للفنون في مقاله عن فنّ المرابطين والموحدين، وكما تُبيّن مواد اليونسكو حول الآثار الإسلامية في المغرب الكبير والأندلس، فإن لهذا الشكل جذورًا أعمق. وما تغيّر في العالم الإسلامي الغربي هو حجمه، وتكرار استعماله، والمعنى السياسي الذي أُلصق به.
قراءة مقترحة
إذا أردت مثالًا مرجعيًا واحدًا، فابدأ بالجامع الكبير في قرطبة. فقد شُرع في بنائه في القرن الثامن في عهد الأمويين في الأندلس، ثم توسّع مع الزمن، وهو المبنى الذي يعلّم كثيرًا من الزائرين كيف يرون قوس حدوة الفرس بوصفه أكثر من مجرد زخرفة مفردة.
ويشير متحف المتروبوليتان للفنون إلى قرطبة بوصفها معلمًا كبيرًا في التقليد الإسلامي الغربي، ويجعل المبنى هذا الدرس واضحًا. فما يهمّ ليس قوسًا واحدًا بمفرده، بل المنظومة: قوسًا بعد قوس، وفضاءً بعد فضاء، ممتدة عبر قاعة الصلاة حتى يغدو الشكل نظامًا مرئيًا.
وهنا أيضًا الحدّ الصادق في القول. فقوس حدوة الفرس لم يكن، في أقدم أصوله، حكرًا على سلالة واحدة ولا حتى على جماعة دينية واحدة. فقد ظهرت منه تنويعات قبل الحكم الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية وفي العالم المتوسطي الأوسع. لكن تحت رعاية الإسلام في الأندلس، كُبّر هذا الشكل، ونُظّم على نحو أكثر انتظامًا، وأُعطي دورًا عامًا أشدّ حضورًا.
وهنا يتوقف كثير من القراءات الأولى مبكرًا أكثر مما ينبغي. فالزائر يرى الجمال والمهارة والإيقاع. وكل هذا صحيح. لكن قرطبة تُظهر كيف يمكن للتكرار أن يؤدي عملًا سياسيًا. فالقوس المتكرر يساعد في تحويل فضاء ديني داخلي واسع إلى بيان بصري يفيد بأن هذا البلاط وهذه الجماعة يقفان داخل سلالة مستحقة من الشرعية.
والآن انتقل غربًا وجنوبًا، إلى المغرب والمغرب الكبير على اتساعه. هنا لا تبدأ القصة من جديد، بل تستمر. فقد استخدم المرابطون والموحدون، الذين حكموا أجزاء من شمال أفريقيا والأندلس في القرون 11 و12 و13، العمارة لربط الأرض والعقيدة والسلطة بعضها ببعض.
ويفيد مقال متحف المتروبوليتان هنا لأنه يتعامل مع المغرب والأندلس بوصفهما مجالًا سياسيًا وفنيًا متصلًا، لا صندوقين منفصلين. وهذا مهم. فالشكل الذي يُستخدم على ضفتي مضيق جبل طارق يمكن أن يبدأ في أن يُقرأ بوصفه هوية إقليمية، ولا سيما حين ترعاه السلالات الحاكمة مرة بعد مرة.
خذ مثلًا جامع القرويين في فاس، الذي توسّع تحت رعاية المرابطين، أو جامع الكتبية في مراكش المرتبط بالموحدين. ففي هذه الأماكن لا تؤدي الأقواس وظيفة تأطير الممرات أو فضاءات الصلاة فحسب، بل تُنشئ نحوًا بصريًا متكررًا يقول إن هذه العمارة تنتمي إلى تقليد إسلامي غربي له سلطته الخاصة.
وهذه العملية أسهل في التتبّع مما تبدو عليه للوهلة الأولى:
كان قوس حدوة الفرس موجودًا أصلًا قبل بروزه اللاحق في العالم الإسلامي الغربي.
اعتمد حكّام المرابطين والموحدين هذا الشكل ضمن برامجهم المعمارية الخاصة.
يظهر القوس مرة بعد مرة في المساجد والأروقة والفضاءات العامة الكبرى.
وبما أن هذا الشكل استُخدم عبر المغرب والمغرب الكبير والأندلس، فقد بدأ يدلّ على مجال إقليمي.
ومع مرور الوقت، بدأ الناظرون يقرؤون هذا الانحناء بوصفه منتميًا إلى هوية معمارية إسلامية غربية.
انتقال حاد: عُد إلى الرواق.
ذلك القوس الأول الذي لفت انتباهك لم يكن مجرد زينة، بل كان دليلًا. فما إن يتكرر الشكل عبر فضاء كامل حتى يبدأ في العمل كأنه أرشيف من حجر، يسجل من الذي ادّعى هذه السنّة، ومن الذي حكم عبرها، وكيف تعلّمت منطقة كاملة أن تتعرّف إلى نفسها في انحناءة مألوفة.
وهنا يحدث التحوّل في الرواق. فالتكرار هو الحجة. كأن القوس يقول: هذا ليس تزيينًا منفردًا، بل نظام مشترك ومحكوم. إن الاستمرارية تُبنى على مرأى من الجميع.
إليك اختبارًا بسيطًا يمكن استخدامه في أي مسجد أو مدرسة أو رواق أو فناء تراه لاحقًا.
هل هذا مجرد قوس واحد من نوع حدوة الفرس يظهر بوصفه اختيارًا محليًا أو شكلًا مقتبسًا؟
هل يتكرر القوس بإيقاع عبر الأروقة والبوابات والساحات والتوسعات بحيث ينظم الفضاء ويشير إلى الانتماء؟
إذا ظهر مرة واحدة، فقد يكون اختيارًا محليًا أو شكلًا مقتبسًا. أما إذا ظهر مرة بعد مرة، عبر الأروقة والبوابات والساحات والتوسعات، فأنت أمام شيء أقوى: شكل جُنّد لتنظيم الفضاء والإشارة إلى الانتماء. وغالبًا ما تكون هذه هي العلامة التي تحوّل الجمال إلى سلطة.
ويأتي اعتراض وجيه من هذا التصحيح نفسه. فإذا كان قوس حدوة الفرس أسبق من السلالات الإسلامية، أفَيكون من المضلّل وصفه بأنه سمة مميّزة للعمارة الإسلامية في المغرب والأندلس؟
إذا كان الشكل موجودًا من قبل، فلا يمكن أن ترتبط به السلالات الإسلامية اللاحقة ارتباطًا ذا معنى.
تتكوّن الهوية التاريخية من التبنّي المستمر، والاستعمال المعياري، والمعنى العام عبر الزمن، لا من فعل الاختراع الأول وحده.
ولا يكون ذلك إلا إذا خلطنا بين الأصل والهوية. فالمباني مليئة بأشكال أُعيد استخدامها. وما يهم تاريخيًا ليس من رسم الانحناءة أول مرة، بل من جعل هذه الانحناءة تحمل معنًى عامًا مع مرور الزمن. وهذا بالضبط ما فعلته السلالات والرعاة والبناؤون في العالم الإسلامي الغربي بقوس حدوة الفرس.
ويساعد تأطير اليونسكو لآثار الأندلس والمغرب الكبير هنا لأنه يشدّد على الاستمرارية عبر الأقاليم والعصور. فقد تشكّلت هذه السمة المميّزة من خلال التبنّي والاستعمال المعياري. وبعبارة أخرى، فإن الاختراع وصناعة الهوية ليسا الفعل نفسه.
حين تصادف ممرًا من أقواس حدوة الفرس مرة أخرى، اقرأه في ثلاث خطوات: لاحظ الشكل، واحصِ التكرار، ثم اسأل من الذي كلّف ببناء هذا المبنى وفي أي سياق إقليمي جاء. فهذا التحوّل البسيط يكفي لترى القوس لا بوصفه زخرفة فحسب، بل بوصفه سجلًا للتكييف والشرعية والهوية الإسلامية الغربية.