تعيش قرود المكاك اليابانية عبر واحد من أوسع النطاقات المناخية بين جميع الرئيسيات، من الغابات شبه الاستوائية في جنوب اليابان إلى الجبال الشمالية المكسوّة بالثلوج، وهذا ليس من أساطير البطاقات البريدية، بل هو مسألة تتعلق بالنطاق الجغرافي، وبنية الجسم، والسلوك اليومي. ويشير المركز الوطني لبحوث الرئيسيات في ويسكونسن إلى أنها أكثر الرئيسيات غير البشرية عيشًا في الشمال، والسبب في قدرتها على ذلك جسدي واجتماعي، لا سحري.
عرض النقاط الرئيسية
ابدأ بحيوان واحد على صخرة باردة. لا يهدر طاقته في الاستعراض. يجلس منخفضًا، ويضم أطرافه إلى الداخل، ويحدّب ظهره بالقدر الكافي لتقليل السطح المعرّض للهواء، متخذًا سلسلة من الخيارات الصغيرة التي تبدو كأنها لا تفعل شيئًا تقريبًا.
وهذا السكون مهم. ففي الهواء البارد، يمكن للحركة أن تبدّد الحرارة. ومكاك يضم يديه إلى جسده، ويقلّص هيئته، ويدير جسمه بعيدًا عن الريح، إنما يحل المشكلة نفسها التي يحلها متنزّه جبلي حين يغلق سحاب معطفه وينكمش كتفاه، إلا أن الفراء والغريزة يؤديان جزءًا من المهمة.
قراءة مقترحة
وهذه أول فكرة تستحق أن تُصحَّح في ذهنك. فالمكاك الياباني في الشتاء لا يكتفي بتحمّل الطقس. إنه يديره، لحظة بلحظة، عبر وضعيته، وتوقيت حركته، والمكان الذي يختار الجلوس فيه.
يسمّي علماء الأحياء هذا التنظيم الحراري: أي الحفاظ على درجة حرارة الجسم ضمن نطاق آمن. وبعبارة أبسط، يعني ذلك الاحتفاظ بالحرارة حين يسلبها الهواء، وإنتاج قدر كافٍ من الحرارة الجديدة عبر الأيض عندما لا يكفي الاحتفاظ بها وحده.
وقد تناولت دراسة ميدانية كلاسيكية أجراها تاكاشي هاناوا وزملاؤه، ونُشرت عام 1980 في دورية Primates، قرود المكاك اليابانية في منطقة جبلية مثلجة، وأظهرت أن البقاء في الشتاء لا يفسَّر بالفراء وحده. فدفاعها ضد البرد يعمل كمنظومة متكاملة: العزل، وإنتاج الحرارة، والوضعية، والسلوك، كلها مهمة معًا.
ويسهل ألا يُنتبه إلى هذه المنظومة لأن بعض عناصرها يبدو عاديًا. فالمكاك يجلس على صخرة قد تكون أكثر جفافًا من الثلج القريب. ويختار الاحتماء من الريح إذا استطاع إلى ذلك سبيلًا. ويستريح عندما يكون إنفاق طاقة إضافية بالحركة أكثر كلفة حراريًا مما قد يكسبه.
ثم هناك الفراء. ففي هواء الجبال، يمكن للفراء الكثيف أن ينتفش مبتعدًا عن الجسم بدل أن ينسطح عليه. وهذا الارتفاع الظاهر هو الجزء النافع. فالشعر ليس منظومة العزل كلها؛ بل إن الهواء المحبوس بين الشعيرات هو جزء منها. في المرة المقبلة التي ترى فيها حيوانًا كثيف الفراء في مهب الريح، انظر هل يبقى الغطاء منبسطًا أم ينتفش. فطبقة الهواء المحبوس هذه جزء مما يمنع حرارة الجسد من التسرّب.
ومتى لاحظت ذلك، يتوقف مكاك الشتاء عن الظهور بمظهر الحيوان الأشعث فحسب. ويبدأ في الظهور كأنه مصمم بإحكام.
الفراء يحبس الهواء. والأجسام تحفظ الحرارة. والمكاك يتكتل. ويبدّل أوقات تغذيته وراحته. ويستخدم الأشجار والصخور والتضاريس كأدوات مناخية صغيرة. ولا تكفي أي من هذه الحيل وحدها. لكن اجتماعها هو ما ينجح.
ويُعد التكتل واحدًا من أوضح الأمثلة. فعندما تلتصق قرود المكاك بعضها ببعض، يقلل كل حيوان مساحة سطح جسمه المعرّضة للبرد. وهذا يخفف فقدان الحرارة، ولا سيما في الأيام شديدة القسوة. ويمكنك أن تتصور ذلك على أنه تحويل كثير من الأجسام الدافئة إلى شكل دافئ واحد أكبر.
كما أنها تعدّل نشاطها. ففي الطقس القاسي، كثيرًا ما تقلل الحيوانات الحركة غير الضرورية لأن كل دفعة من الحركة تستهلك طاقة. ويتغير أيضًا نمط التغذي. فالمكاك الياباني آكل مرن، وفي المواسم الأبرد يعتمد أكثر على ما يتاح من لحاء وبراعم وبذور أو غيرها من الأغذية النباتية عندما تختفي أطعمة الصيف السهلة.
وتفصيلات الموائل الدقيقة أهم مما يظنه الناس. فمنحدر يواجه الجنوب، وموضع بعيد عن الريح، وصخرة تبقى جافة، ومجموعة أشجار تكسر حركة الهواء: هذه ليست مجرد عناصر في المشهد بالنسبة إلى المكاك، بل أجزاء من خريطته الحرارية.
وفي منتصف مراقبة ذلك الحيوان الواحد على الصخرة، يتغير المقياس. فخياراته آنية، لكن القدرة على جعل هذه الخيارات مجدية تنتمي إلى قصة أطول بكثير: آلاف السنين من العيش عبر اليابان فيما كانت المناخات والارتفاعات والفصول تشد في اتجاهات مختلفة.
تشتهر قرود المكاك اليابانية بالشتاء لأن الثلج لافت بصريًا. لكن النطاق هو الحقيقة الأعمق. فالفصيلة نفسها تعيش في غابات دافئة رطبة في الجنوب، وفي غابات شبه قطبية في الشمال. ولهذا تكتسب ورقة الحقائق الصادرة عن المركز الوطني لبحوث الرئيسيات في ويسكونسن هذه الأهمية: فهي تنتزع الحيوان من صورته السياحية وتعيده إلى علم الأحياء.
ولم يُنتج هذا النطاق جسدًا واحدًا مثاليًا للطقس البارد ثم يُعدّ الأمر منتهيًا. بل فضّل المرونة. فالمكاك القادر على التأقلم مع الغابات الجنوبية الرطبة ومع فصول الشتاء الجبلية المتجمدة يحتاج إلى قدرة واسعة على الاحتمال، لا إلى حيلة واحدة. يحتاج إلى فراء يعزل، وأيض يستجيب للبرد، وعادات اجتماعية تحفظ الحرارة، وسلوك يتغير تبعًا للظروف المحلية.
وعند النظر إليه بهذه الطريقة، يصبح ذلك الحيوان الجالس على الصخرة أكبر شأنًا من دون أن يفقد واقعيته. فوضعيته المنكمشة ليست وقفة لطيفة فحسب، بل هي نهاية مرئية لتاريخ طويل من التكيّف.
يعرف كثير من القراء قرود المكاك اليابانية من خلال مشاهد الينابيع الحارة. وهذه المشاهد حقيقية، لكنها قد تكون مضللة إذا جعلتها تمثل النوع كله. فليس كل مكاك ياباني يستخدم الينابيع الحارة. والاستحمام سلوك محلي في أماكن مثل جيغوكوداني، لا تفسيرًا عامًا لبقاء النوع.
والتفسير الأفضل أقل بهرجة وأكثر إثارة للاهتمام. فالمكاك ينجو في الشتاء بفضل مجموعة واسعة من السمات والعادات التي تعمل في أماكن كثيرة، بما فيها أماكن لا توجد فيها ينابيع حارة أصلًا. ويمكن أن يكون مهيأً للبرد من غير أن يكون مهيأً للثلج وحده.
وهذا مهم لأنه يغير ما تبحث عنه. فبدلًا من أن تسأل: «أين الحيلة الدرامية؟» تبدأ في السؤال: «ماذا يفعل هذا الجسد الآن بالهواء والحرارة والريح والغذاء والأجساد الأخرى؟» وهنا، في الغالب، يستقر الجواب الحقيقي.
إذا أردت طريقة واحدة مختصرة لقراءة حال حيوان في طقس سيئ، فاجمع بين السلوك وبنية الجسد. لاحظ هل يدير جسمه بعيدًا عن الريح، أو يقلّص هيئته، أو يبحث عن رقعة محمية، أو يلتصق بغيره، أو يترك فراءه ينتفش مبتعدًا عن الجلد. فالبقاء غالبًا ما يكون مجموعة من القرارات الصغيرة المرئية، لا سمة واحدة درامية.