تؤدي أذنا الأرنب المنتصبتان وظيفتين في الوقت نفسه: تساعدانه على التقاط الخطر مبكرًا، وتساعدانه أيضًا على التخلّص من حرارة الجسم الزائدة. وهذه مسألة مهمة، لأن الأرنب ينجو بفضل سرعة استجابته وبفضل قدرته على تجنّب ارتفاع حرارته، والوظيفتان كلتاهما تؤديهما الأذنان نفسيهما ولكن لسببين مختلفين.
عرض النقاط الرئيسية
يلتفت معظم الناس إلى الوظيفة الأولى. أما الثانية، فمن السهل ألّا يلاحظوها حتى يعرفوا أين ينظرون.
إذا سبق لك أن رأيت أرنبًا يتوقف عن المضغ في منتصفه، فربما لاحظت أذنيه ترتفعان، وتتباعدان قليلًا، ثم تثبتان لبرهة. وبعدها تميل إحدى الأذنين قليلًا، ثم الأخرى. يبدو الجسد ساكنًا تمامًا، لكن الإصغاء يكون في ذروته.
وتفيد هذه الهيئة لأن كل أذن تستطيع التقاط الصوت من اتجاه مختلف قليلًا. كما أن الأرانب قادرة على تدوير آذانها بفضل مجموعة من عضلات الأذن، فتغيّر زاويتها مع تغيّر الأصوات من حولها. وبعبارة بسيطة، تعمل الأذنان مثل قمعين متحركين للصوت، فتساعدان الحيوان على تقدير الجهة التي صدر منها حفيف أو وقع قدم.
قراءة مقترحة
ولهذا تصبح وضعية الأذن مهمة حين تراقب أرنبًا في البرية. فحين تكون الأذنان مرفوعتين وتتحركان، فهذا يعني غالبًا أنه في حالة إصغاء نشط. أما إذا ظلّتا مرفوعتين ولكن جامدتين، فقد يعني ذلك أن الأرنب قد حدّد بالفعل صوتًا ما، وهو الآن يقرّر هل يفرّ أم لا.
أما الأذنان المفلطحتان فتشيران إلى شيء مختلف. فقد يضمهما الأرنب إلى الخلف عندما يركض، أو يستريح، أو يحاول الاحتفاظ بحرارة جسمه بدل تعريض مساحة أكبر منها للخارج.
والآن جرّب هذا بجسدك أنت: تخيّل يدًا مقعّرة إلى جوار أذنك، والأخرى قرب مدفأة دافئة. أذنا الأرنب المنتصبتان تؤديان الوظيفتين معًا في آن واحد.
وهنا يأتي الجزء الذي يغيّر نظرتك إلى وضعية التأهّب نفسها. فأذن الأرنب المنتصبة ليست مجرد سطح لالتقاط الأصوات، بل هي أيضًا سطح رقيق مكشوف مليء بالأوعية الدموية، ما يتيح للحيوان أن يصرّف حرارة جسمه إلى الخارج.
وتصبح الآلية بسيطة ما إن تتصورها. فجلد الأذن رقيق، وتحته شبكة كثيفة من الأوعية الدموية. وعندما يشعر الأرنب بالدفء، يمكن لهذه الأوعية أن تتسع، فتمر عبر الأذن كمية أكبر من الدم الدافئ، وبذلك تتبدد الحرارة إلى الهواء. وعندما يكون الجو باردًا، تضيق الأوعية، فيقل تدفق الدم وتزداد قدرة الجسم على الاحتفاظ بحرارته.
وهذا ليس مجرد تخمين. ففي عام 1976، نشر آر. دبليو. هيل نتائج عن درجات حرارة سطح أذن الأرنب واستجاباتها الوعائية، مبيّنًا أن حرارة الأذن كانت تتغير تبعًا لانفتاح الأوعية الدموية وانقباضها. وقبل ذلك حتى، عرض واثن وزملاؤه في عام 1971 نموذجًا لتبادل الحرارة في آذان الأرانب، وأظهروا أن الأذن تستطيع، في الظروف الدافئة، أن تبدد نسبة كبيرة من حرارة الجسم.
ويشرح كتّاب الحياة البرية الأمر نفسه بلغة أبسط. فموقع Discover Wildlife، المنتمي إلى تقاليد BBC Wildlife، يشير إلى أن آذان الأرانب تحتوي على شبكة واسعة من الأوعية الدموية تُستخدم في تبادل الحرارة. كما تقول هيئات الحياة البرية العامة الشيء نفسه عن أقاربها الأكبر أذنًا: إذ تصف كل من U.S. National Park Service وIdaho Fish and Game آذان الأرانب البرية الطويلة بأنها مهمة لتصريف الحرارة.
وبمجرد أن تعرف ذلك، تكتسب وضعية الأذن المنتصبة المألوفة معنى ثانيًا. فالأذنان اللتان تبدوان وكأنهما مجرد علامة على اليقظة قد تكونان في الوقت نفسه تعرّضان سطحًا عريضًا غنيًا بالدم لتبريد الحيوان. وتلك هي المفاجأة الصغيرة الحقيقية التي أمامنا.
ويبرز هذا الأثر على نحو لافت خاصة لدى الأرانب البرية والجاكربت، التي تميل إلى امتلاك آذان أكبر من كثير من أنواع الأرانب الأخرى. فكبر الأذن يعني مساحة مكشوفة أكبر، وكلما زادت المساحة زادت قدرة الجسم على فقدان الحرارة. وفي البيئات الحارة المفتوحة، يكتسب ذلك أهمية كبيرة جدًا.
وليست كل أنواع الأرانب متساوية في إظهار هذا الأثر، ويُعد حجم الأذن أحد أسباب ذلك. فالأرنب الصغير المكتنز في مكان أبرد سيظل يستخدم أذنيه في تبادل الحرارة، لكن هذا الدور يكون غالبًا أقل وضوحًا مما هو عليه عند الجاكربت طويل الأذنين الواقف تحت شمس الصيف.
وقد تعترض قائلًا إن آذان الأرنب خُلقت أساسًا للسمع، وهذا اعتراض وجيه. فالسمع هو الوظيفة الأوضح، وربما الوظيفة التي سيذكرها معظم الناس أولًا. لكن دور تنظيم الحرارة مدعوم جيدًا بالأدلة، وفي الأرانب البرية الأكبر أذنًا وفي الأجواء الدافئة، لا يُعد مجرد فائدة جانبية.
وهناك هنا اختبار بسيط مفيد. راقب هل تُمسك أذنا الأرنب مرفوعتين، أو مائلتين، أو متحركتين، أو مفلطحتين إلى الخلف. فالأذنان المرفوعتان المتحركتان تدلان غالبًا على الإصغاء. أما إذا كانتا مفلطحتين أو مطويتين إلى الخلف، فقد يشير ذلك إلى حفظ الحرارة، أو إلى جعل الجسم أكثر انسيابية، أو إلى التهيؤ للانخفاض نحو الأرض.
وليست الفكرة أن كل وضعية تعني شيئًا واحدًا فقط. بل إن الأذنين تمنحانك إشارات مباشرة عن حاجتين في وقت واحد: رصد الخطر وإدارة حرارة الجسم.
وفي المرة المقبلة التي ترى فيها أرنبًا، انظر إلى أذنيه على أنهما هوائيّا استشعار ولوحين لتنظيم الحرارة في الوقت نفسه.