تلك الألوان الشهيرة للسُّدُم ليست في الغالب ما كانت العين البشرية ستراه لو أنها طفت هناك؛ بل هي ترجمة للضوء المقاس إلى ألوان، وهذا يجعل الصورة أكثر موثوقية لا أقل. وقد أوضح فريق Goddard التابع لـ NASA عام 2016 في مدونة Blueshift أن صور Hubble تبدأ بوصفها بيانات بالأبيض والأسود، ثم تُضاف إليها الألوان أثناء المعالجة. وتقول ESA وفريق Hubble شيئًا مشابهًا في ملاحظاتهما حول معالجة الصور: فعادةً ما تسجل كواشف التلسكوبات تعريضات رمادية أولًا، ثم تُسنَد إليها الألوان لاحقًا انطلاقًا من مرشحات مختلفة.
قد يبدو ذلك مخيبًا للآمال لنحو ثلاث ثوانٍ. ثم يصبح الأمر أفضل، لأن الألوان تكف عن كونها مجرد زينة وتبدأ في أداء دور العلامات الدالة. وما إن تعرف كيف تجري هذه الترجمة، حتى تتحول صورة السديم إلى شيء يمكنك قراءته.
قراءة مقترحة
تبني كاميرا التلسكوب الفضائي هذه الصور عبر تعريضات مفلترة، واحدة تلو الأخرى، بدلًا من التقاط مشهد لوني نهائي دفعة واحدة.
يسجل التلسكوب إطارًا رماديًّا عبر مرشح واحد، بحيث تُظهر درجة السطوع مقدار الضوء الذي مر عبر ذلك المرشح.
يلتقط تعريضات رمادية إضافية عبر مرشحات مختلفة، يرتبط كل منها بشريحة أخرى من الطيف.
يُسنِد المعالجون تلك الإطارات المنفصلة إلى قنوات لونية مثل الأحمر والأخضر والأزرق.
عندما تُدمج القنوات، تكشف الألوان أين تكون الإشارات المختلفة أقوى، وتجعل البنية أسهل قراءة.
يمكنك تخيل العملية على هيئة ثلاثة مربعات تصب في صورة واحدة. المربع الأول: تعريض السديم عبر مرشح لا يسمح إلا بمرور شريحة ضيقة من الضوء. المربع الثاني: تكرار ذلك بمرشح مختلف. المربع الثالث: إعادة العملية لشريحة أخرى. ويعطيك كل مربع صورة بالأبيض والأسود مرتبطة بجزء واحد من الطيف.
ويشيع هذا خصوصًا في التصوير ضيق النطاق، الذي يعزل أطوالًا موجية محددة جدًا تنبعث من الغاز المتوهج. فقد يُضبط أحد المرشحات على هيدروجين-ألفا، وهو طول موجي أحمر عميق ينبعث من الهيدروجين. وقد يعزل مرشح آخر الأكسجين المؤين مرتين، الذي يُكتب غالبًا [O III]. كما يمكن لمرشح آخر أن يعزل الكبريت المتأين [S II].
وهنا يأتي الجزء البطيء والمهم: فهذه الإطارات الرمادية الثلاثة ليست الصورة النهائية. إذ يُسنِد معالجو الصور كل واحد منها إلى قناة لونية مثل الأحمر أو الأخضر أو الأزرق. وعند جمع القنوات معًا، تظهر البنية بالألوان، بحيث يحمل كل لون معلومات عن الإشارة التي كانت الأقوى في ذلك الموضع.
ويستخدم العلماء هذه الطريقة لسبب بسيط. فمختلف الغازات قد تتداخل في الفضاء، والعين وحدها لن تفرزها تلقائيًّا. وتفصل المرشحات بين الإشارات، بحيث تستطيع الصورة النهائية أن تُظهر التركيب والحركة والبنية بوضوح أكبر مما تتيحه لقطة عادية.
عندما ترى اللون الأزرق في صورة لسديم بأسلوب Hubble، ماذا تظن أنه يخبرك به فعلًا؟
في كثير من صور النطاق الضيق، تعمل الألوان بوصفها مفتاح فك ترميز أكثر من كونها مشهدًا حرفيًّا.
| الإشارة | تُسنَد غالبًا إلى | ما الذي يوحي به اللون |
|---|---|---|
| [S II] | الأحمر | إشارة كبريت قوية في تلك المنطقة |
| هيدروجين-ألفا | الأخضر | انبعاث هيدروجين قوي في تلك المنطقة |
| [O III] | الأزرق | إشارة أكسجين قوية في تلك المنطقة |
وحين تستوعب ذلك، تصبح الصورة قابلة للقراءة بسرعة. مرشح واحد، إشارة واحدة، قناة واحدة. الكبريت إلى الأحمر. الهيدروجين إلى الأخضر. الأكسجين إلى الأزرق. وما بدا مجرد أسلوب بصري يبدأ في التصرف كدليل.
لكن هذا لا يعني أن الأزرق يساوي الأكسجين دائمًا، أو أن الأحمر يساوي الكبريت دائمًا، في كل صورة فلكية. فلا توجد شيفرة لونية واحدة معتمدة في علم الفلك كله. إذ يمكن للفرق أن ترسم خرائط الأطوال الموجية بطرق مختلفة بحسب الأداة والجسم المرصود وما يريدون أن تكشفه الصورة. وهذا القيد مهم، وغالبًا ما تذكر الشروح الصادقة مجموعة المرشحات وخيارات الإسناد المستخدمة.
إنه اعتراض وجيه. فلو أن أحدهم لوّن سديمًا كما يشاء لمجرد أن يبدو جميلًا، فلن يخبرك ذلك بالكثير. لكن هذا ليس هو نفسه الإسناد العلمي المعلن القائم على أطوال موجية مقاسة.
إذا كانت ألوان السديم تُسنَد أثناء المعالجة، فلا بد أن تكون الصورة مزيفة.
بيانات الكاشف والمرشحات والأطوال الموجية حقيقية؛ أما إسناد الألوان فهو وسيلة معلنة لترجمة الإشارات المقاسة إلى شيء تستطيع العين تمييزه.
فكّر في الأمر على أنه ترجمة لا تلوين. فالبيانات الخام التي يلتقطها الكاشف حقيقية. والمرشحات حقيقية. والأطوال الموجية حقيقية. وتساعدك الألوان المُسنَدة على أن تفصل بعينيك بين الإشارات التي التقطها الكاشف واحدة تلو الأخرى. وتنشر NASA وESA هذه العملية علنًا، بما في ذلك المرشحات المستخدمة، وفي كثير من الحالات كيفية دمجها.
نعم، ثمة قدر من التأويل هنا. فالمعالجون يختارون التباين والتوازن وخريطة الإسناد. لكن التأويل ليس اختلاقًا. فخريطة رادار الطقس تستخدم الألوان أيضًا، ولا يظن أحد أن العاصفة مزيفة لأن شدة المطر جرى تمثيلها بالأحمر أو الأصفر.
اختر بقعة زرقاء واحدة، واطرح سؤالًا أدق من «هل هذا حقيقي؟». اسأل: هل يدل هذا الأزرق على عنصر ما، أم على خط انبعاث، أم على درجة حرارة، أم إنه مجرد مخطط إسناد مختار؟ إذا كان الشرح يقول إن [O III] أُسنِد إلى الأزرق، فقد حصلت على الإجابة. وإذا لم يذكر ذلك، فابحث عن أسماء المرشحات قبل أن تقرر ماذا يعني اللون.
هذه العادة الصغيرة تغيّر تجربة المشاهدة كلها. فأنت تحتفظ بالدهشة، لكنك تملك الآن أيضًا مدخلًا للفهم. قبل أن تُعجب باللون، تحقّق من مجموعة المرشحات أو مخطط الإسناد الذي أنتجه.