ليس البرج الأبيض أثرًا بيزنطيًا كما يفترض كثير من الزوار، مع أنه يسهل تمامًا فهم سبب هذا الالتباس، بل إن قصته الحقيقية أفضل. فما ينهض اليوم على الواجهة البحرية لمدينة سالونيك ينتمي، وفقًا للصياغة الواضحة التي تعتمدها وزارة الثقافة اليونانية وتاريخ البرج كما يورده متحفه نفسه، إلى فصل عثماني لاحق أُقيم فوق موضع دفاعي أقدم بكثير.
هذا هو التصحيح الجدير بأن تحتفظ به في ذهنك وأنت تتمشّى: ذاكرة الموقع بيزنطية، نعم؛ أما البرج القائم فليس بيزنطيًا. فقد كانت المدينة تضم تحصينًا أقدم عند هذه النقطة أو بالقرب منها، حيث كان السور الشرقي يلتقي بالسور البحري، لكن البرج الحالي يُؤرَّخ له عمومًا بالقرن الخامس عشر، بعد الفتح العثماني لسالونيك سنة 1430.
قراءة مقترحة
إذا أتيت إلى سالونيك ومعك ولو قدر يسير من المعرفة بالمدينة، فذهنك مهيّأ سلفًا لرؤية البقايا البيزنطية. وهذا مفهوم. فالمدينة تحمل هذا الإرث في كل مكان.
ويبدو البرج الأبيض كأنه يؤيد هذه الفكرة. فهو دائري، ثقيل، دفاعي الطابع، يقوم عند خط الواجهة البحرية القديمة، وتغلفه هالة من القِدَم تدفع الناس إلى قول «بيزنطي» قبل أن يفرغوا من النظر إليه تقريبًا.
لكن التاريخ المؤسسي أكثر دقة من اختزال البطاقات البريدية. فوزارة الثقافة اليونانية تشير إلى وجود برج بيزنطي عند ملتقى الأسوار الشرقية والأسوار البحرية، ثم تضع البرج الأبيض الحالي في الفترة التي تلت استيلاء العثمانيين. وتقول صفحة التاريخ الخاصة بالمتحف الشيء نفسه تقريبًا: كان التحصين الأقدم جزءًا من الدفاعات البيزنطية، أما البرج القائم الآن فقد بُني في القرن الخامس عشر.
وهذا لا يجعل البرج أقل إثارة للاهتمام، بل يجعله أكثر صدقًا. فأنت لا تنظر إلى عصر واحد متجمّد؛ بل إلى موضع شيّدت فيه قوةٌ ما فوق المنطق العسكري لقوة سبقتها.
تمهّل قليلًا عند خط السور القديم. قبل البرج الحالي، كانت هذه الحافة تمثل طرفًا دفاعيًا من المدينة. ففي العصر البيزنطي، كانت تحصينات الساحل تلتقي هنا بالأسوار الشرقية، وتتحدث المصادر المرتبطة بالموقع عن برج كان يحرس هذه النقطة.
التسلسل أوضح من تاريخ البناء الدقيق: كانت هنا أولًا نقطة دفاعية بيزنطية، وبعد الفتح العثماني تولّى البرج الحالي هذا الدور.
كان برج أو موضع محصّن يحرس المكان الذي كانت تلتقي فيه الأسوار الشرقية بالأسوار البحرية.
استولى العثمانيون على سالونيك، فأعادوا تشكيل النظام الدفاعي للمدينة.
شُيّد البرج الأبيض القائم خلال مرحلة إعادة البناء العثمانية، بديلًا من النقطة الدفاعية الأقدم أو إعادة بناء لها.
ولأكن صريحًا معك هنا، لأن الثقة أهم من الإثارة: سنة البناء الدقيقة ليست معروفة على وجه اليقين. لكن الاتفاق العام في المصادر الرسمية ومصادر المتحف واضح بما يكفي لأي مسافر متأنٍ. فالبنية الحالية تنتمي إلى القرن الخامس عشر، لا إلى العصر البيزنطي.
وهذا القدر من عدم اليقين ليس نقطة ضعف في القصة، بل هو القصة حين تُروى على نحو صحيح. فكثيرًا ما يمنحنا التاريخ تسلسل الأحداث بثبات أكبر مما يمنحنا اليوم والشهر.
وبصراحة، إذا قال لك أحدهم إن البرج بيزنطي، فلن تكون ساذجًا إن صدّقته. فشكله يوحي بقِدم أسبق من القرون العثمانية التي يتخيلها كثير من المسافرين عندما يسمعون كلمة «عثماني». وإذا أضفت إلى ذلك موقعه عند المرفأ وشهرة سالونيك البيزنطية، فإن هذا الافتراض يكاد يتكوّن من تلقاء نفسه.
لكن الشبه ليس دليلًا. وهنا يكمن الفخ الصغير. فقد يبدو برج لاحق «قديمًا» لأنه يقوم حيث كانت تقوم دفاعات أقدم، ولأن العمارة العسكرية كثيرًا ما تحتفظ بالأشكال النافعة زمنًا طويلًا.
وهنا تأتي القطيعة الحاسمة التي تحتاجها القصة: الموقع بيزنطي في الذاكرة، أما البرج القائم فعثماني في البناء.
الموقع بيزنطي، والبنية عثمانية
هذا التمييز الواحد يبدد معظم الالتباس المحيط بالبرج الأبيض.
متى ما فصلت بين الموقع والبنية، اتضحت الصورة كلها. فالكتابة السياحية كثيرًا ما تخلط بين هذين الأمرين. أما المؤرخون فيحاولون ألّا يفعلوا ذلك.
تختزل النسخة البريدية المبسّطة عدة مراحل تاريخية في تسمية واحدة. أما التسلسل الأقصر والأصدق فيبدو على النحو الآتي.
| الفترة / التاريخ | ما الذي حدث | لماذا يهم |
|---|---|---|
| 1430 | استولى العثمانيون على سالونيك. | هذا يضع السياق لإعادة البناء اللاحقة في هذا الموضع الدفاعي. |
| القرن الخامس عشر | بُني البرج الحالي في المرحلة العثمانية. | البنية القائمة ليست بيزنطية من حيث البناء. |
| العهد العثماني اللاحق | أدّى البرج وظائف عسكرية، وعمل أحيانًا سجنًا ومكانًا للعقاب. | تبدلت هويته بمرور الوقت، واقترنت به دلالات أشد قتامة قبل أن يرسخ اسمه الحديث. |
| 1883 | جُدّد طلاؤه باللون الأبيض، وارتبط به اسم «البرج الأبيض» بالشكل الذي استقر في الذاكرة. | ساهم هذا التغيير في أواخر القرن التاسع عشر بقوة في تشكيل صورته الحديثة. |
| العصر الحديث | تغيّرت المدينة والواجهة البحرية، وصار البرج رمزًا مدنيًا. | المَعلم الذي يزوره الناس اليوم هو حصيلة عدة طبقات تاريخية. |
هذا اعتراض مشروع، ويستحق جوابًا منصفًا. فإذا كان برج بيزنطي قد قام هناك أولًا، فلا بد أن وصف البرج الأبيض بأنه «بيزنطي» مفهومٌ على الأقل.
مفهوم، نعم. لكنه غير دقيق، لا. فالتمييز الأساسي هنا هو بين استمرارية المكان واستمرارية النسيج البنائي، أي حجارة البنية القائمة نفسها أمامك. فالكنيسة التي يُعاد بناؤها ثلاث مرات على البقعة نفسها لا تصبح، بالمعنى الدقيق، «الكنيسة الأصلية»، والحذر نفسه يفيد هنا أيضًا.
يمكن للمكان أن يحتفظ بتاريخ أقدم وذاكرة ووظيفة دفاعية عبر القرون.
أما البناء القائم بحجارته الفعلية فقد ينتمي إلى إعادة بناء لاحقة، وهذا هو حال البرج الأبيض.
وهذا هو اختبارك الصغير لهذا البرج ولكثير من المعالم التي تبدو قديمة: هل أرى البنية الأصلية، أم بناءً بديلًا في الموقع نفسه، أم إعادة بناء لاحقة تستعير أشكالًا أقدم؟ اطرح هذا السؤال مرة واحدة، وستبدأ أساطير كثيرة متوارثة في الكتابة السياحية بالتراخي.
وهو أيضًا يقيك عادة شائعة في الكتابة التراثية، حين تنزلق عبارة «لهذا الموضع تاريخ قديم» بهدوء إلى عبارة «هذا المبنى قديم من الحقبة نفسها». وهذان ادعاءان مختلفان.
تمنحك النسخة البريدية هوية واحدة مسطّحة. أما الرواية الموثقة فتعطيك طبقات: ذاكرة دفاعية بيزنطية، وإعادة بناء عثمانية بعد 1430، ثم استخدامه لاحقًا في العهد العثماني سجنًا، ثم تبييضه سنة 1883، ثم تحوله إلى رمز حديث على الواجهة البحرية. آه، ما أروع هذه القصة للبرج.
كما أنها تفسر ذلك الإحساس الغريب بالألفة في المكان. فالناس يشعرون بقِدمه لأن هذا الموضع حمل القِدم فعلًا قرونًا طويلة. إنهم فقط يشعرون بعدة قرون في وقت واحد، لا بقشرة بيزنطية باقية من عصر واحد.
قلها بوضوح وأنت تتمشى مع شخص ما: يبدو البرج الأبيض أقدم مما هو عليه فعلًا. فالموقع بيزنطي في نسبه التاريخي، لكن البرج القائم الآن مبنى عثماني من القرن الخامس عشر، ثم اكتسب اسمه الأبيض الشهير لاحقًا في 1883.
ليس البرج الأبيض برج سالونيك البيزنطي المحفوظ؛ بل هو الخليفة العثماني الذي ورث موضعًا بيزنطيًا، ثم استعار في أذهان الناس القرن الأقدم.