ما يبدو كأنه فعل واحد من التلقيح هو في الحقيقة سلسلة مزدحمة من الفرص: فزيارة نحلة واحدة قد تخلق فرصاً كثيرة منفصلة لانتقال حبوب اللقاح، لأن النحلة تلامس عدة أجزاء من الزهرة مراراً وهي تتغذى وتلتف وتشق طريقها بينها.
لقد كان علماء النبات واضحين في هذا منذ زمن طويل. فالتلقيح هو انتقال حبوب اللقاح إلى الميسم، أما الإخصاب فيحدث لاحقاً داخل الزهرة عندما تنمو أنابيب اللقاح باتجاه البويضات. وقد تستقبل الزهرة كثيراً من حبوب اللقاح في زيارة واحدة، كما أن كثيراً من النباتات المزهرة يحمل بويضات متعددة يحتاج كل منها إلى أنبوب لقاح ناجح. لذلك نادراً ما يكون هبوط واحد حدثاً بسيطاً حاسماً بنعم أو لا.
قراءة مقترحة
إذا أردت أن تفهم هذه الحركة الصغيرة المزدحمة أمامك، فابدأ بهذا التصحيح. النحلة لا تلامس الزهرة فحسب، بل تعبر سطحاً ممتلئاً بنقاط انتقال دقيقة.
تلتقي نحلة العسل بالزهرة عبر أسطح مختلفة من جسدها في لحظات مختلفة، وتضع الأزهار حبوب اللقاح وتستقبلها على أجزاء مختلفة من ذلك الجسد المتحرك.
| منطقة من جسم النحلة | الملامسة المعتادة | دور التلقيح |
|---|---|---|
| الرأس / الوجه | يمتد إلى داخل الزهرة ويمسح الأجزاء الزهرية المتقاربة | قد يلتقط حبوب اللقاح أو يضغطها على الميسم |
| الصدر / الظهر | يتغطى بالغبار اللقاحي بينما تنحني النحلة لامتصاص الرحيق | يحمل حبوب اللقاح التي تضعها المتوك على الجزء العلوي من الجسم |
| الأرجل | تثبت وتتصعد وتكنس عبر الجسم | تنقل حبوب اللقاح داخل الجسم وأحياناً تزيلها من مناطق التلامس |
| البطن | يلامس التراكيب الزهرية السفلية عند الدخول أو الخروج | قد ينقل حبوب اللقاح عندما يكون الميسم في موضع أخفض |
وفي زهرة أخرى، قد يكون الميسم — وهو الطرف الذي يلتقط حبوب اللقاح من الجزء الأنثوي — أعلى قليلاً أو أخفض قليلاً. وهذا يعني أن حبوب اللقاح التي التقطتها النحلة في مرور واحد قد تُضغط على ميسم في المرور التالي بواسطة جبهتها أو كتفها أو بطنها. وغالباً ما يصف الباحثون الذين يدرسون آليات التلقيح هذا الأمر بأنه توافق: أين تضع الزهرة حبوب اللقاح، وأين تطلبها الزهرة التالية.
ولهذا السبب تؤدي النحل دوراً بالغ الأهمية لكثير من الأزهار. فهي ليست مجرد زائرات، بل أسطح متحركة، وقد بُنيت الأزهار لتلامسها في مواضع قابلة للتكرار.
زغب جسم النحلة ليس مجرد غطاء ناعم. فكثير منه متشعب، أقرب إلى شوكات دقيقة منه إلى خيوط ملساء. وهذه التشعبات تساعد حبوب اللقاح على أن تتشبث وتبقى، ولا سيما النوع المفكك الغباري الذي تعرضه كثير من الأزهار على متوك مكشوفة.
وهذا مهم لأن حبوب اللقاح لا تهبط في بقعة مرتبة واحدة ثم تبقى هناك. فبينما تتسلق النحلة وتنحني وتثبت نفسها، تتعلق الحبوب بالشعيرات المنتشرة على الرأس والصدر، ثم تتحرك من جديد عندما تكنس الأرجل عبر الجسم. وبعض حبوب اللقاح يُحزم في السلال الموجودة على الأرجل الخلفية من أجل النقل، لكن بعضه يبقى متناثراً على الجسم في مواضع لا تستطيع النحلة تنظيفها على الفور.
إذا سبق أن علق غبار الطباشير بكمّ سترتك، فأنت تعرف شكله: جاف، ناعم، وفجأة في كل مكان. ويمكن أن تلتصق حبوب اللقاح بزغب النحلة بالطريقة الطباشيرية نفسها، وهذه الشعيرات المتشعبة هي السبب في أنها تتعلق بهذه الكفاءة بدلاً من أن تنزلق كما ينزلق الرمل على الزجاج.
وهكذا يستمر الانتقال في التضاعف.
وهنا تأتي النقلة التي تجعل الزهرة تبدو أكبر مما تبدو عليه. فدوار الشمس ليس زهرة واحدة بالمعنى البسيط الذي يقصده معظمنا. فوجهه العريض مكوّن من زهرات صغيرة كثيرة متراصة، ولكل زهيرة منها متوكها وميسمها. والنحلة التي تعبر ذلك السطح لا تواجه هدفاً تكاثرياً واحداً، بل تعبر حقلاً كاملاً منها.
هنا تكمن العقدة الحقيقية في القصة. فتصورك القديم يقول: تهبط النحلة، فتُلقَّح الزهرة. لكن كثيراً من الأزهار، ولا سيما النورات المركبة مثل أقارب دوار الشمس، تعرض في الوقت نفسه كثيراً من التراكيب الذكرية والأنثوية المنفصلة. وإذا أضفت إلى ذلك أن متكاً واحداً يطلق كثيراً من حبوب اللقاح وأن رأساً زهرية واحدة تضم بويضات كثيرة، بدا أن الزيارة الواحدة ليست حدثاً واحداً بقدر ما هي مجموعة من الفرص المستقلة.
تهبط النحلة، فتُلقَّح الزهرة: زيارة واحدة تُعامل على أنها حدث بسيط واحد.
تعبر نحلة واحدة كثيراً من الزهيرات والمتوك والمياسم والبويضات، فتخلق مجموعة من الفرص المنفصلة للانتقال ثم للإخصاب لاحقاً.
وهذا لا يضمن النجاح. فقد تهبط الحبة على نوع نباتي غير صحيح. وقد تفوت الميسم. وقد تنظفها النحلة عن جسدها قبل الملامسة التالية. وقد لا يكون الميسم مهيأً للاستقبال في تلك اللحظة، وحتى حبوب اللقاح المتوافقة لا تزال بحاجة إلى أن تنبت وتُنمّي أنبوب لقاح حتى يصل إلى بويضة.
ومع ذلك، تصبح الآلية واضحة ما إن تراها. مسح، تعلّق، تحوّل، ضغط، إيداع، تكرار. فالنحلة التي تتحرك فوق أسدية ومياسم كثيفة تُحدث ملامسة بعد ملامسة في حيز لا يزيد على عرض إبهامك.
كثيراً ما يحمل الناس صورة مبسطة: نحلة ترتطم بزهرة فتلقحها. وهذه الصورة مفيدة في أول شرح يقدَّم لطفل، لكنها تخفي الأجزاء العاملة في العملية. فالتلقيح يعتمد على الموضع والتوقيت والتوافق، لا على مجرد الحضور.
إذا لمست نحلة زهرة، فالتلقيح يكون قد حدث تقريباً.
يعتمد نجاح التلقيح على الرقعة الصحيحة من الجسم، والموضع الزهري الصحيح، والتوقيت الصحيح، وحبوب اللقاح المتوافقة.
فكّر في الأمر على أنه تطابق بين شيئين يجب أن يصطفا معاً. على الزهرة أن تضع حبوب اللقاح في موضع ستحملها فيه النحلة. وعلى الزهرة التالية أن تضع ميسمها في الموضع الذي ستلامسه هذه الرقعة نفسها من الجسم. وإذا أخطأ أحد الطرفين ولو قليلاً، فقد تفيد الزيارة النحلة في غذائها، لكنها لا تفعل الكثير للنبات.
ولهذا فإن مراقبة نحلة واحدة عن كثب قد تعلمك أكثر من مراقبة عشر نحلات على نحو عابر. فالتفاصيل هي التي تصنع الفارق: من أين تدخل النحلة، وإلى أي جهة تستدير، وأي جزء من جسمها يحتك بالمتوك، وأي جزء يطرق الميسم.
جرّب هذا بجانب أي زهرة متفتحة. انظر أولاً إلى المواضع التي يتجمع فيها غبار اللقاح على جسم النحلة. هل يكثر على الظهر أم الوجه أم البطن أم الأرجل؟ ثم انظر إلى الزهرة وحدد المتوك والميسم فيها. واسأل سؤالاً بسيطاً: هل تقع هذه الأجزاء في الموضع الذي تتغبر فيه النحلة فعلاً ثم تُضغط فيه؟
بمجرد أن تبدأ في فحص هذا التوافق، يصبح المشهد أسهل كثيراً في القراءة. ويمكنك تقريباً أن تعدّ الفرص وهي تحدث.
لاحظ أين تتجمع حبوب اللقاح أولاً على جسم النحلة: على الظهر، أم الوجه، أم البطن، أم الأرجل.
اعثر على المتوك والميسم في الزهرة التي تزورها النحلة.
تابع كل كشط وضغط والتفاف بينما تتحرك النحلة داخل الزهرة.
تعامل مع الهبوط الواحد على أنه نقاط انتقال محتملة كثيرة، لا حدث واحداً بنعم أو لا.
في المرة المقبلة التي تجثو فيها إلى جانب دوار الشمس أو أي زهرة صيفية نابضة بالحركة، راقب نحلة واحدة من لحظة الدخول حتى الإقلاع، واحسب الملامسات لا الزيارات.