ما يجعل هذه الفسيفساء تبدو كأنها تحت الماء ليس، في المقام الأول، الأسماك أو الدلافين أو الأصداف البحرية؛ بل الخطوط المنحنية، وخطوط الملاط الداكنة، وتدرجات الأزرق اللامعة التي تجعل جدارًا ثابتًا يتصرف أمام العين كما لو كان ماءً متحركًا.
جرّب اختبارًا سريعًا. امحُ في ذهنك أشكال الحيوانات للحظة، وأبقِ فقط الحقل الأزرق، والخطوط المنثنية، والحدود الداكنة. سيظل المشهد يوحي بالسيولة. وهذه هي الحيلة الجديرة بالملاحظة، لأنك ما إن تراها هنا حتى تبدأ في ملاحظتها على الجدران المكسوة بالبلاط، وفي أحواض السباحة، وحتى على الرصيف المبتل.
قراءة مقترحة
ابدأ بالحركة العامة الكبرى في التكوين. فالخطوط تنثني وتتلوى بدلًا من أن تمتد مستقيمة، كما أن أشكال الصدف والموج والعناصر الشبيهة بالنبات تميل جميعها إلى هذا الانسياق الجانبي نفسه. لا تقفز عينك من عنصر إلى آخر، بل تُقاد على امتداد أقواس، والأقواس توحي بالتيار أكثر مما توحي بالبناء الثابت.
وهذا مهم لأن الخطوط المستقيمة تُقرأ بوصفها مستقرة، أما الخطوط المنحنية فتُقرأ بوصفها تنثني وتنجرف وتدور. وفي جدارية كهذه، تعمل هذه الانثناءات المتكررة مثل مجموعة من التعليمات البصرية: واصل الحركة، واصل الانزلاق، ولا تتوقف عند حدود شكل واحد.
ويأتي تأثير الحركة في الجدارية من تراكب عدة إشارات بصرية تعمل معًا، لا من الموضوع المصوَّر وحده.
كل إشارة بسيطة بمفردها، لكنها معًا تجعل البلاط الثابت يبدو سائلًا.
خطوط منحنية
الخطوط المستقيمة توحي بالثبات، أما الأقواس المتكررة فتشبه تيارًا ينثني وتُبقي العين منسابة عبر السطح.
خطوط ملاط داكنة
يقسم الملاط الأزرق إلى وحدات صغيرة كثيرة، فتضطر العين إلى إعادة وصل الأجزاء، وتقرأ هذا الوميض على أنه تموّج.
تدرجات الأزرق
إن الانتقال من الأزرق الأعمق إلى الأفتح، ومن الأزرق المائل إلى الخضرة إلى الأزرق الأشد سطوعًا، يخلق ذلك التفاوت الذي نربطه بالماء المتحرك.
وإذا أردت طريقة أكثر عملية لتلمّس ذلك، فاختر رقعة زرقاء صغيرة واحدة واتبعها وحدها. ثم انتقل إلى تتبع خط ملاط واحد بمفرده. كل واحد منهما، على حدة، يبدو بسيطًا. لكن التكرار مع التقسيم يبدأان معًا في أن يُقرآ بوصفهما حركة لا مجرد زخرفة.
فالجدارية لا تكتفي بعرض الماء؛ بل تبني تجربة الإحساس بالماء.
والآن تمهّل عند السطح اللامع، لأن هذا هو الموضع الذي يشعر فيه كثير من الناس بالأثر قبل أن يتمكنوا من تسميته. فطلاء البلاط الخزفي يعكس الضوء، وفي الفسيفساء المصنوعة يدويًا نادرًا ما تستقر هذه الانعكاسات على نحو متساوٍ. فتومض مجموعة صغيرة أكثر سطوعًا، وتبقى أخرى أغمق، وتكفي خطوة إلى الجانب لتتغير الرقعة التي تجذب عينك.
وهذا التفاوت المتحرك جزء كبير من الإحساس بكون المشهد تحت الماء. فالجدار لا يتحرك، لكن البقع المضيئة تبدو كأنها تهاجر عبر الأزرق. وتقرأ عينك تغيّر السطوع بوصفه لمعانًا متموجًا، وهذا اللمعان من أسرع الطرق التي تجعل السطح يبدو سائلاً.
ولن يشعر كل مشاهد بهذا بالطريقة نفسها في كل لحظة. فالمسافة مهمة، وكذلك الزاوية التي تقف عندها، ومقدار سطوع المكان، لأن طلاء السطح العاكس يتبدل أثره تبعًا لظروف المشاهدة. لكن هذا التفاوت نفسه يؤكد الفكرة: فالأثر يكمن في سلوك الضوء على السطح، لا في موضوع الحياة البحرية وحده.
بالطبع، للأسماك والدلافين والأصداف أهميتها. فهي تخبرك بأي نوع من العالم تريد الجدارية أن توحي. ومن دونها، قد تقرأ العمل كله بوصفه نمطًا تجريديًا قبل أن تقرأه بوصفه فضاءً تحت الماء.
لكن هذه العناصر تحدد الموضوع أكثر مما تخلق الإحساس. فلو وُضعت الكائنات نفسها داخل شبكة من لون مسطح مع ملاط فاتح ومن دون طلاء عاكس، لقال الجدار «محيط» بطريقة أساسية، لكنه لن يمنحك الإحساس نفسه بالغمر والحركة. فالصورة تسمّي المكان، أما نظام السطح فهو الذي يجعله يبدو مأهولًا بالماء.
وهنا تأتي لحظة الانكشاف لدى معظم المشاهدين. فالجدارية تتوقف عن كونها صورة لحياة تحت الماء، وتبدأ في العمل كمحرّك ينتج إدراكًا تحت مائيًا. وما إن يحدث هذا التحول حتى يصبح العمل كله أسهل قراءة.
تمتلك الفسيفساء المصنوعة يدويًا ميزة هنا، لأن شيئًا من عدم الانتظام يفيدها. فالقطع ليست متماثلة تمامًا، والحواف ليست آلية على نحو كامل، وقنوات الملاط تخلق نبضًا عبر السطح. والعين بارعة جدًا في تحويل الفروق الصغيرة المتكررة إلى نسيج، وسريعة جدًا في قراءة النسيج الأزرق بوصفه حيًّا لا ساكنًا.
وتساعد العناقيد المتقاربة من الزخارف أيضًا. فبدل أن تكون هناك صدفة منفردة هنا وسمكة منفردة هناك، تتجمع الأشكال وتتداخل ويتردد صداها بعضها مع بعض. وهذا ما يمنع الجدار من أن يبدو كأنه ملصقات موضوعة فوق خلفية. فكل شيء يبدو كأنه منجرف في التيار البصري نفسه.
وبوسعك اختبار ذلك أيضًا. انظر أولًا إلى الأشياء التي يمكنك تسميتها، ثم توقف عمدًا عن التسمية. راقب فقط الانثناءات، والانقطاعات، واللمعات. وفي اللحظة التي يتراجع فيها الموضوع المصوَّر إلى الخلف، يصبح الإحساس بالحركة في كثير من الأحيان أسهل. إنها خدعة لطيفة صغيرة، وتعمل أمامك على مرأى من الجميع.
في المرة المقبلة، افصل بين الموضوع والآلية: تتبّع رقعة لونية واحدة، ثم خط ملاط واحدًا، ثم لمعة منعكسة واحدة، واسأل أي جزء يخبرك بماهية المشهد، وأي جزء يجعله يبدو كأنه يتحرك.
لاحظ كيف يتغير الأزرق في الدرجة واللون بدلًا من أن يستقر بوصفه مساحة واحدة مسطحة.
راقب كيف تقسم الفواصل الداكنة السطح إلى قطع صغيرة، وكيف تقود عينك عبر التصميم.
انظر هل إن تغيّر السطوع يعرّف بالمشهد أم يجعل الجدار الثابت يبدو كأنه يلمع ويتحرك.