هذا ليس مجرد سنجاب يأكل حبّةً من الجوز؛ بل هو جزء من الطريقة التي تتكوّن بها الغابات، لأن السناجب تنقل البذور عبر سلوك يُعرف باسم التخزين المتناثر، إذ تحمل الغذاء وتدفنه في مخابئ كثيرة ومتفرقة.
وقد يسهل ألّا يلفت ذلك الانتباه إذا كان كل ما تراه حيوانًا صغيرًا يتوقف على غصن وفي يده ما يقضمه. يبدو الأمر كأنه مجرد شأن عادي من شؤون الغابة. ومن وجهٍ ما، هو كذلك فعلًا. فالسناجب تأكل أعدادًا هائلة من البذور، وكل حارس غابة أو بستاني راقبها عن قرب يعرف أنها لا تتعامل برفق مع حبّة جوز جيدة.
لكن الأكل وحده لا يفسّر بقية ما تفعله. فكثيرًا ما يجمع السنجاب من البذور أكثر مما يستطيع أكله في المكان نفسه. ثم يحملها بعيدًا عن الشجرة الأم، ويدسّها في التربة أو بين الأوراق المتساقطة، ويوزّع هذه المجازفة على عشرات أو مئات من أماكن الإخفاء. بعض هذه المخابئ يعثر عليها من جديد. وبعضها تسرقه حيوانات أخرى. وبعضها يُفوَّت ببساطة.
قراءة مقترحة
مراجعة في عام 2020
أكّد بحث راجعه M.A. Steele وزملاؤه أن السناجب ليست مجرد مفترسات للبذور، بل أيضًا ناشرات لها عبر التخزين المتناثر.
وهنا تبرز أهمية ذلك الجزء الذي لا يُستعاد. فقد عرضت مراجعة بحثية نُشرت عام 2020 أعدّها M.A. Steele وزملاؤه في Frontiers in Ecology and Evolution حقيقة واضحة: السناجب ليست مجرد مفترسات للبذور. فمن خلال التخزين المتناثر، تؤدي أيضًا دور ناشرٍ للبذور. والبذرة التي تُنقل وتُدفن ثم لا تُستعاد تكون فرصتها أفضل من بذرة تُترك مكشوفة على السطح، ولا سيما إذا انتهى بها الأمر إلى رقعة صغيرة مناسبة من الأرض.
إذا نُظر إلى الأمر من جهة الشجرة، فهو صفقة قاسية. فالسنجاب يأخذ بذرة ثمينة، محمّلة بالغذاء الذي أُعدّ لنبتة مستقبلية. وكثير من تلك البذور تُكسر وتُدمَّر. ومع ذلك، فإن الحيوان نفسه يفعل أيضًا ما لا تستطيع الشجرة أن تفعله بنفسها: ينقل البذرة بعيدًا عن ظل الشجرة الأم، ويضع بعضًا منها في مواقع دقيقة جديدة، أي جيوب صغيرة من التربة والغطاء يمكن أن يحدث فيها الإنبات فعلًا.
والآلية بسيطة، لكنها ذات أثر كبير، وهي تعمل على هيئة تسلسل من الخطوات.
يجمع السنجاب البذور بدلًا من أن يأكل كل واحدة منها فورًا.
ينقلها بعيدًا عن الشجرة الأم، مما يقلّل الازدحام تحت مظلة الشجرة.
تُخفى البذور في التربة أو بين الأوراق المتساقطة ضمن مخابئ كثيرة ومتفرقة.
لا يُستعاد بعض هذه المخابئ أبدًا، فتظل فيها بذور صالحة في أماكن قد تنبت فيها.
وبالنسبة إلى السناجب الحمراء، فالمسألة ليست مجرد قصة عامة عن السناجب. ففي تغطية BBC wildlife الحالية، يُعترف بالسناجب الحمراء بوصفها ناشراتٍ أساسية للبذور لأشجار محلية مثل الصنوبر الإسكتلندي. وهذا لا يجعل منها بستانيين بالمعنى البشري المرتّب. وإنما يعني أن شهيتها وعادتها في تخزين الطعام تنسجمان، في عدد كافٍ من المرات، مع دورة حياة الأشجار التي تعيش حولها.
يمكنك أن تتخيّل السنجاب وكأنه يحتفظ بدفتر حسابات مدفون. حبّة جوز تُؤكل الآن. وأخرى تُحمَل بعيدًا. وأخرى تُفحَص ثم تُرفَض. وأخرى تُخفى للشتاء ولا يُعثر عليها أبدًا. فالوجبة التي تراها ليست سوى السطر الأول. أما الحساب الحقيقي فيرقد تحت الأوراق.
أمتأكدٌ أنت أن هذا مجرد أكل، وليس عملية غرس؟
أنصت إلى ذلك الصوت الخافت من الحكّ والتكسير. فذلك ليس مجرد صوت أكل، بل هو أيضًا صوت اختيار. يعالج السنجاب حبّة الجوز بأسنانه وكفّيه الأماميتين، فيختبر القشرة، ويفتح بذرة، ويتخلى عن أخرى، ويقرر ما الذي يستحق أن يُؤكل في الحال وما الذي يستحق أن يُحمَل بعيدًا. وفي هذا الضجيج الصغير، أنت تسمع قرارات يمكن أن تغيّر مصير بذرة قبل أن تبلغ التربة أصلًا.
قد يبدو «التخزين المتناثر» مصطلحًا تقنيًا، لكن الفكرة بسيطة: فبدلًا من تخزين الطعام في كومة كبيرة واحدة، يوزّعه السنجاب على كثير من المخابئ الصغيرة. وهذا يساعد السنجاب على النجاة في أوقات القحط. كما يمنح بعض البذور طريقًا إلى المستقبل. فحبّة الجوز المدفونة تكون محمية من الجفاف، ومخفية جزئيًا عن الحيوانات الأخرى، وقد وُضعت أصلًا على تماسّ مع التربة إذا أفلتت لاحقًا من أن تُنبش.
وهنا تحدث المفارقة الغابية. فالسلوك الذي يبدو سرقة أو مجرد قضم هو أيضًا نثرٌ للبذور. السنجاب في الوقت نفسه مستهلك وناقل. ومن هذا التوتر نفسه قد تنبثق إعادة تجدد الغابة، لا على الرغم منه.
ولهذا يولي علماء البيئة اهتمامًا كبيرًا للمكان الذي تستقر فيه البذور. فالبذرة التي تسقط على أرض صلبة عارية، أو تُترك تحت الشجرة ذاتها التي أنتجتها، تكون فرصتها ضئيلة. أما البذرة التي تُخفى في تربة رخوة، بين الجذور والأوراق المتساقطة ولكن بعيدًا عن شجرتها الأم، فلها بداية أفضل. والسناجب لا تخطط لغابة، لكنها تستمر في صنع هذه المواضع على أي حال.
هذا لا يعني أن كل حبّة جوز تصير شجرة، كما أن التوازن يختلف بحسب نوع السنجاب، ونوع الشجرة، وطبيعة الغابة، وعدد المخابئ التي تُستعاد. ففي بعض السنوات وبعض الأماكن، قد تأكل السناجب معظم ما تجمعه. وفي سنوات وأماكن أخرى، يترك الطقس ووفرة البذور والمنافسة وراءها قدرًا أكبر من المخزون المنسي. والمقصود هنا ليس أن السناجب تغرس دائمًا، بل أنها كثيرًا ما تنقل البذور بطرق تستطيع النباتات أن تنتفع بها.
والاعتراض هنا مفهوم بما فيه الكفاية: فالسناجب تدمّر أعدادًا هائلة من البذور. وقد تكون مفترسات خطيرة، وكل من رأى مخاريط مفتوحة أو حبّات بندق ممزقة يعرف ذلك. وإذا كان كل ما تحصيه هو شظايا القشور تحت شجرة، فقد يبدو الحكم محسومًا.
لكن هذا الاعتراض يفوّت الدور المزدوج الذي تؤديه السناجب في النظم الغابية.
السناجب مجرد مدمّرات للبذور، ولذلك فإن أثرها في الأشجار سلبيٌّ بالكامل.
هي تدمّر كثيرًا من البذور فعلًا، لكنها تحسّن أيضًا فرص بعض ما ينجو منها، بنقلها ودفنها في أماكن يمكن أن يحدث فيها الإنبات.
ولهذا يمكن للنوع نفسه أن يثير ضيق حارس الغابة في لحظة، وأن يساعد الغابة في اللحظة التالية. فالسنجاب قد يقتل بذرة بأسنانه، ويمنح أخرى فرصة بسبب هفوة في ذاكرته. والأمران صحيحان معًا.
وإذا أردت اختبارًا ميدانيًا صغيرًا لذلك، فجرّبه في نزهتك المقبلة. عندما تسمع سنجابًا يكسّر، ثم يتوقف، ثم يتحرك مبتعدًا ومعه طعام، فاسأل نفسك: هل يأكل كل شيء الآن، أم يختار ما قد يحمله ويدفنه لاحقًا؟ هذا السؤال الواحد كفيل بأن يبدّل المشهد كله.
فالسنجاب الذي يبدو صوته وكأنه مجرد أكل، قد يكون أيضًا ينقل الشجرة التالية إلى موضعها.