الحيلة التصميمية المختبئة في شوارع البحر الأبيض المتوسط القديمة

ADVERTISEMENT
ADVERTISEMENT

ما يبدو سحرًا طبيعيًا يكون في كثير من الأحيان نتاج خطوط رؤية مضبوطة؛ فالسبب الذي يجعل شارعًا متوسطيًا قديمًا يبدو هادئًا قبل أن تعرف لماذا، هو أن حدوده نُظِّمت بحيث تدفع عينك نحو نقطة نهاية واحدة واضحة.

وهذه النقطة النهائية أهم بكثير مما يدركه معظم الناس. ففي كثير من الشوارع التاريخية، لا يأتي الإحساس بالراحة من الزخرفة وحدها بقدر ما يأتي من فعل هادئ من الانضباط البصري: أشكال متكررة على الجانبين، وظلال تخفف الوهج، وبرج أو بوابة يوقفان المشهد بغاية واضحة.

جرّب اختبارًا سريعًا مع نفسك. تتبّع الخط الممتد من أقرب حافة بناء على طول الأروقة والشرفات نحو برج الساعة، ولاحظ كم يُمنع بصرك من التشتت. هذا ليس سحرًا، بل هو التخطيط الحضري الأساسي وهو يؤدي وظيفته أمامك بوضوح.

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

صورة بعدسة Tibvia على Unsplash

لماذا تستقر عيناك قبل أن يلحق بهما عقلك

يستخدم مصممو المدن عددًا من الأفكار البسيطة لهذا الغرض، وكل واحدة منها تساعد في تفسير لماذا يُقرأ الشارع على أنه هادئ لا فوضوي.

العناصر التصميمية العاملة هنا

المفهومما معناهما الذي يفعله لعينك
الاحتواءأن تبدو واجهات الشارع حاضرة بما يكفي لاحتضان الحيز من حولكيجعل الشارع يبدو محددًا وسهل القراءة
الإيقاعأن تأتي العناصر المتكررة مثل الأقواس أو الشرفات على فواصل منتظمةيخفف الجهد بوضع قاعدة بصرية واضحة
تحديد الحوافأن تُقرأ جوانب الشارع بوضوح بدل أن تتلاشى وسط الفوضىيمنع الانتباه من الانجراف إلى الخارج
منظور بصري ختاميأن ينتهي المشهد عند عنصر مقصود، مثل برج أو نصب أو بوابةيمنح العين وجهة واضحة

وعندما تجتمع هذه العناصر، ينخفض التشويش الإدراكي. فلا يعود الدماغ مضطرًا إلى إعادة التفاوض باستمرار حول أين يبدأ الشارع، وإلى أين يقود، وما الذي يستحق الانتباه. وهذا التراجع في القرارات البصرية جزء كبير من سبب شعورك بأن بعض الشوارع مريحة حتى حين تكون مزدحمة.

ADVERTISEMENT

ابدأ بالأقواس والأعمدة المسقوفة. فالتكرار ليس مجرد زينة. حين يتبع قوسٌ قوسًا آخر بإيقاع ثابت، تتعلم العين القاعدة وتمضي إلى الأمام بجهد أقل. ويبدأ الشارع عندئذ في الظهور كإطار متصل واحد، لا كسلسلة من واجهات غير مترابطة.

وتؤدي الشرفات شيئًا مشابهًا في الأعلى. فهي تردد الإيقاع نفسه الذي في الأسفل، وتمنح الحافة العليا للشارع خطًا ثانيًا من النظام. وحتى عندما تختلف تفاصيل الشرفات، فإن تشابه ارتفاعها وتباعدها يساعد على وصل المباني في ممر بصري واحد.

والظل مهم أيضًا، ولا سيما تحت الشمس القوية. فالأروقة والفتحات المتراجعة تخفف القفزة بين الرصيف الساطع والمداخل الأشد عتمة. وهذا يمنع الوهج من تشتيت الانتباه. نعم، تشعر بالارتياح جسديًا، لكن العين تهدأ أيضًا لأن التباين يجري ضبطه.

ثم يتولى البرج المهمة. فبرج الساعة، أو برج الجرس، أو المئذنة، أو برج البوابة، أي علامة عمودية في نهاية الشارع يمكن أن تؤدي دور المرساة. إنها تمنح الاتجاه هيئة واضحة. وبدل أن يتسرب المشهد بعيدًا، ينغلق الشارع على هدف معروف.

ADVERTISEMENT

هل لاحظت أن عينك كانت قد بلغت البرج بالفعل قبل أن تسميه بوعي؟

سرّ الشارع القديم ليس عمره، بل انضباطه

هذه هي الحيلة في قلب المشهد كله. فالشارع ينجح لأن جانبيه يضيّقان مجال انتباهك، بينما تستقبل نقطة النهاية هذا الانتباه. وبحلول اللحظة التي تقول فيها: «هذا المكان أنيق»، يكون التصميم قد أنجز توجيهه بالفعل.

ولهذا تبدو الشوارع القديمة التي قد تبدو في الصور مجرد شوارع لطيفة، أكثر تماسكًا على نحو غير معتاد عند زيارتها. فالأقواس ليست جميلة فحسب، والشرفات ليست تاريخية فحسب. كل عنصر يؤدي وظيفتين معًا: يمنح الشخصية ويقلل التشتت في الوقت نفسه.

ويمكنك أن ترى نماذج من ذلك في مدن كثيرة حول البحر المتوسط والشرق الأوسط، حيث أصبحت الشوارع ذات الأروقة، والممرات المظللة، والمناظر التي تنتهي بأبراج، أدوات حضرية راسخة. وربما لم يستخدم البناؤون لغة التصميم الحديثة، لكنهم فهموا ما تفعله خطوط الحواف المتكررة والوجهة الواضحة بالجسد والعين.

ADVERTISEMENT

وبالطبع، لم تُصمَّم كل الشوارع التاريخية بوصفها تكوينًا بصريًا مثاليًا. فالسيارات المتوقفة، واللافتات الضخمة، وعلامات المرور، والإضافات اللاحقة، وواجهات المتاجر المختلة، كلها قد تضعف هذا الأثر. وبعض الشوارع لا يبقى منها إلا شذرات من فكرة أصلية كانت أقوى.

ومع ذلك، حين تظل البنية الأساسية واضحة، تلتقطها العين بسرعة. فحافة مظللة تجيب الأخرى، وخط شرفات يؤكد ما يليه، والبرج ينتظر في النهاية كالنقطة في آخر الجملة. لهذا يمكن أن يبدو الشارع مستقرًا من غير أن يكون مملًا.

تأمّل ببطء من القوس إلى البرج

إذا أبطأت إيقاع المشهد، انكشف منطقه البصري في تسلسل واضح من الحافة إلى نقطة النهاية.

كيف يوجّه الشارع نظرك

1

إيقاع الأقواس يضبط الوتيرة

القوس الأول يوحي بآخر ثم بآخر، فيخلق حركة ثابتة إلى الأمام.

2

الشرفات تعزز الممر البصري

الخطوط المتكررة في الأعلى تساعد على إبقاء الانتباه داخل الشارع بدل أن تتركه ينجرف إلى أعلى أو إلى الخارج.

3

الظل يضبط التباين

أشرطة الظل تبرد الحواف، وتضيف عمقًا، وتمنع الضوء الساطع من تسطيح المشهد.

4

البرج يُكمل مسار التوجيه

بعد أن توجه الحواف عينك إلى الأمام، يُغلق العنصر العمودي المشهد على هدف واضح.

ADVERTISEMENT

قد يقول بعض الناس إن شارعًا كهذا يبدو مريحًا ببساطة لأنه قديم، أو مشمس، أو متناظر على نحو تقريبي. وهذه العوامل تساعد فعلًا. فالقِدم يمنح نسيجًا، والشمس تجلب وضوحًا حادًا، والتناظر يمكن أن يثبت المشهد.

ما الذي يجعل الشارع هادئًا فعلًا

اعتقاد شائع

يكفي القِدم أو أشعة الشمس أو التناظر التقريبي وحدها لجعل الشارع باعثًا على الراحة.

الواقع

الفارق الحاسم هو مدى نجاح حواف الشارع في تنظيم الانتباه والحركة نحو وجهة مرئية.

اختبار سريع يمكنك أن تطبّقه في أي مدينة

حين يمنحك شارع ما إحساسًا فوريًا بأنه صائب، فتحقق من ثلاثة أمور قبل أن تصفه بالجميل: هل تتكرر الحواف بإيقاع سهل القراءة؟ وهل يخفف الظل الوهج بدل أن يترك الضوء يتشتت في كل اتجاه؟ وهل توجد نقطة نهاية واضحة تجمع المشهد؟