كيف تجعل المنصة الدوّارة خيول الكاروسيل تبدو كأنها تعدو

ADVERTISEMENT
ADVERTISEMENT

حصان الدوّامة لا يندفع إلى الأمام بقوته الذاتية. فهو لا يتحرك إلا صعودًا وهبوطًا على عموده، بينما تقنع المنصة الدوّارة والعالم المارّ من حوله عينك وجسدك بأن يقرآ ذلك على أنه عدو.

صورة بعدسة كيرا أوف دير هايده على Unsplash

تلك هي الحيلة كلها، واضحة كما لو كانت مفتاح ربط على منضدة عمل. وما إن تعرفها، لا يصغر شأن الرحلة. بل تصبح أمتع، لأنك ترى أين ينتهي دور النحاس وأين يتولى دماغك الباقي.

ما الذي يفعله العمود حقًا بينما «يجري» الحصان

لنبدأ بالجزء الذي يمكنك تخيله بلا أي مساعدة: العمود. ففي معظم الدوّامات التقليدية ذات الخيول القافزة، لا يكون هذا العمود موجودًا لمجرد تثبيت الحصان. بل إنه جزء من منظومة الحركة التي تجعل الحصان يرتفع وينخفض.

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

وتصبح الآلية بسيطة بمجرد أن تجرّدها من الطلاء والزخرفة: إذ تتحول الحركة الدورانية إلى شوط رأسي يدفع الحصان إلى أعلى وأسفل.

كيف يتحرك حصان الدوّامة

1

المحرّك يدير اللعبة

يقود محرّك منظومة دوران الدوّامة عبر تروس ووصلات ميكانيكية.

2

ذراع مرفقية أو كامة تعيد توجيه الحركة

تحوّل الذراع المرفقية أو الكامة الحركة الدائرية إلى دفع وشد رأسيين متكررين.

3

العمود يحرّك الحصان انزلاقًا

ولأن الحصان مثبت بالعمود، فإنه لا ينتقل إلا صعودًا وهبوطًا.

4

المنصة تتكفل بالحركة الدائرية

وفي الوقت نفسه تدور المنصة كلها، فيدور الحصان حول المركز بينما يواصل حركته الرأسية.

ولو وقفت إلى جوار الآلية مع مُرمِّم، فهذه هي اللحظة الهادئة التي قد يضع فيها يده على النحاس ويقول: راقب العمود، لا الطلاء. فالحصان مثبت في ذلك العمود. قد يكون الرأس المنحوت ممتدًا إلى الأمام، وقد تُنحت الأرجل في هيئة عدو، لكن الحركة الفعلية رأسية. إلى أعلى. إلى أسفل. إلى أعلى. إلى أسفل.

ADVERTISEMENT

بل إن بعض خيول الدوّامة لا تفعل حتى ذلك. فبعضها «ثابت» يبقى على الارتفاع نفسه طوال الرحلة. أما الخيول التي تبدو أشد حياة فهي «القافزة»، لأن العمود يمنحها حركة تذبذب متكررة تميل أعيننا أصلًا إلى تقبلها بوصفها جزءًا من خُطوة الحيوان.

وتتولى المنصة الجزء الآخر الواضح من المهمة. فهي تدور حول المركز، حاملة جميع الخيول معها في الوقت نفسه. لذا فهناك حركة حقيقية في هذه اللعبة، لكنها ليست من النوع الذي توحي به النظرة الأولى. فالحصان يدور مع المنصة حول المركز بينما يصعد ويهبط على العمود؛ ولا يندفع إلى الأمام عبر الأرض.

وإذا أردت اختبارًا سريعًا بنفسك في المرة القادمة التي تكون فيها قرب واحدة منها، فجرّب هذا: راقب حصانًا واحدًا مرة مع تثبيت نظرك على العمود وحده. ثم راقبه مرة أخرى مع ترك عينيك تلتقطان الدرابزينات المارة، واللوحات المرسومة، والمشهد خارج اللعبة. سيتغير الإحساس بـ«العدو» على الفور تقريبًا.

ADVERTISEMENT

وهنا بيت القصيد: إذا لم يكن الحصان يجري فعلًا إلى أي مكان، فلماذا يقسم جسدك أنه يفعل؟

لماذا تحوّل عيناك حركة الصعود والهبوط إلى عدو

راقب الآن ما يحدث عندما تبدأ اللعبة بالحركة. تصير صفوف المصابيح خطوطًا متوهجة مموهة. ويمر الدرابزين في انسياب ثابت. وكل ما يقع خارج اللعبة ينزلق في ضبابية. وأمام هذه الخلفية المتحركة، تكف حركة الحصان البسيطة صعودًا وهبوطًا عن أن تبدو بسيطة.

يفسّر الدماغ هذا الوهم حين يجمع الإيقاع، وانسياب الخلفية، ووضعية الحصان المنحوتة في قصة حركة واحدة متماسكة.

👁️

لماذا تبدو حركة التذبذب كأنها عدو

ما تراه ليس حركة العمود وحدها، بل تلك الحركة كما يفسرها الدماغ على خلفية كل ما يتحرك حولها.

إطار مرجعي متحرك

تنزلق الدرابزينات والأضواء والمشاهد الخارجية بسرعة، فتمنح العين إحساسًا قويًا بالحركة في اتجاه واحد.

إيقاع رأسي متكرر

يرتفع الحصان وينخفض في نبض منتظم، وهو ما يكون الدماغ مهيأ أصلًا لربطه بخطوة حيوان يعدو.

تصميم يوحي بالفعل

الأرجل الممدودة، والعنق المندفع، والعُرف المنسحب إلى الخلف، كلها تجعل الحصان المنحوت يبدو كما لو كان في حركة أصلًا.

تركيب إدراكي

فبدل أن يتعامل الدماغ مع كل إشارة على حدة، يجمعها في أبسط تفسير متاح: جري إلى الأمام.

ADVERTISEMENT

يحكم جهازك البصري على الحركة بالمقارنة. فهو يسأل دائمًا: يتحرك بالنسبة إلى ماذا؟ وعندما تنساب الخلفية ويصعد الحصان ويهبط بإيقاع متكرر، يكون لدى الدماغ جواب أنيق جاهز: هذا يشبه الجري إلى الأمام.

وقد بيّن باحثو الإدراك منذ زمن طويل أن الأطر المرجعية مهمة. فنحن نقرأ الحركة بموازنة شيء بشيء آخر، ويمكن لخلفية متغيرة أن تبدل معنى حركة ثابتة في نظرنا. وفي الدوّامة، يمنح الحصان الإيقاع، وتمنح المنصة الانسياب، ويقدم العالم الخارجي النقاط المرجعية المنزلقة التي تكمل القصة.

وتسهل على الدماغ استساغة هذه القصة لأن الحصان منحوت أصلًا بطريقة توحي بالفعل. عنق ممدود إلى الأمام، وأرجل ممتدة، وعُرف منسحب إلى الخلف: صُمم الشكل بحيث يلاقي ذهنك في منتصف الطريق. فالآلية تقدم إيقاعًا رأسيًا، والحركة المحيطة تحول ذلك الإيقاع إلى ما يشبه الخطوة.

ADVERTISEMENT

لكن هذا لا يقع بالدرجة نفسها لدى الجميع. فالمسافة مهمة، وكذلك زاوية الرؤية، والإضاءة، والسرعة، وما إذا كنت تراقب من فوق المنصة، أو من خارج الدرابزين، أو من موضع تكون فيه الخلفية مزدحمة بما يكفي لتنزلق في شرائط واضحة. فبعض الناس يشعرون بقوة إحساس العدو؛ وبعضهم يلاحظ في الغالب مجرد التمايل والدوران.

الجزء الذي يدركه جسدك على حقيقته، والجزء الذي يختلقه

وهنا اعتراض وجيه. أليس الراكب يشعر بالحركة لأن هناك حركة حقيقية، لا مجرد خدعة بصرية؟ بلى، هذا صحيح. فالدوّامة تمنح جسدك إشارات صادقة: دورانًا، وقدرًا يسيرًا من الصعود والهبوط، وتغيرات طفيفة في السرعة عند بدء اللعبة وتوقفها، والقوة المصاحبة للدوران في دائرة.

تمزج اللعبة بين حركة فيزيائية حقيقية وتأويل مُختلق لمعنى تلك الحركة.

ما هو حقيقي جسديًا وما الذي يضيفه الإدراك

ما يدركه الجسد على حقيقته

أنت تشعر فعلًا بالحركة الدائرية، وبالتذبذب الرأسي، وبتغيرات البدء والتباطؤ، وبقوة السحب الناتجة عن الدوران.

ما يختلقه الدماغ

إنه يفسر تلك الإشارات على أنها حصان يعدو إلى الأمام فوق الأرض، مع أن الحصان لا يفعل سوى الدوران والصعود والهبوط.

ADVERTISEMENT

غير أن هذه الإشارات ليست هي نفسها الجري إلى الأمام. فالأذن الداخلية تستطيع أن تخبرك أنك تتحرك، وعضلاتك تشعر بالتذبذب، لكن أياً منهما لا يقول: هذا الحصان يقطع الأرض كما يفعل حيوان حي. فهذا الجزء يُركَّب في الإدراك. الجسد يمدك بالحركة؛ والدماغ يضع اسمًا للنمط.

ولهذا تنجح الحيلة إلى هذا الحد. فهي ليست بصرية فقط، وليست ميكانيكية فقط. فالآلة تمنحك حركة دائرية حقيقية وحركة رأسية حقيقية. ثم يأتي دماغك، الذي يفضل قصة متماسكة على كومة من الإشارات المنفصلة، فيجمعها في أسهل رواية متاحة: الحصان يعدو.

وما إن تعرف ذلك، يمكنك أن تضبط الحيلة متلبسة. ثبّت نظرك على العمود، فيغدو الحصان مجرد جسم يتذبذب بتوجيه. ودع الخلفية تنساب، فيبدو الحيوان كأنه يدب فيه الحياة تحت الطلاء.

ما الذي تخفيه الدوّامة على مرأى من الجميع

ADVERTISEMENT

الدوّامة المتقنة الصنع لا تخفي آليتها بأن تجعلها تختفي. بل تخفيها بأن تمنحك أشياء أفضل تلاحظها أولًا: الحصان، والعمود، والحاجز، والأضواء، والدوران. ذلك هو التصميم الجيد للعبة. فأجزاؤها بسيطة بما يكفي لتبعث على الثقة، ومرتبة بذكاء يكفي لتبدو أكبر مما هي عليه.

والممتع في الأمر أنه لا حاجة إلى أي شيء خارق. فشوط رأسي في العمود، ومنصة دوّارة، وحصان منحوت بهيئة توحي بالحركة، ومجال عابر من المصابيح والمشاهد، كل ذلك يكفي. إنه وهم يصنعه عمل صادق، في الخشب والمعدن والطلاء وعادات البصر البشري.

فالحصان لا يتحرك إلا صعودًا وهبوطًا.