الحقيقة المدهشة بشأن المنتدى الروماني هي أنه يقع بالفعل اليوم على مستوى أخفض من كثير من أنحاء المدينة المحيطة به، لأن روما واصلت البناء والانهيار والفيضان والردم وإعادة البناء فوق الرقعة نفسها لأكثر من ألف عام.
وهذا ليس مجرد تعبير شعري. فقد أظهرت دراسات الجيوأركيولوجيا الحديثة المتعلقة بموقع روما في وادي النهر أن مناسيب الأرض في المدينة تغيّرت عبر زمن طويل بفعل مزيج من نشاط النهر، والردميات الملقاة، وأنقاض البناء، وإعادة التشييد البشرية. فالمظهر المنخفض للمنتدى تاريخ مادي ملموس، لا خدعة بصرية.
قراءة مقترحة
إذا وقفت عند حافة المنتدى، يتضح لك أمر واحد بسرعة كبيرة: قلب روما القديم يقع اليوم تحت مستوى كثير من الشوارع والمباني اللاحقة القريبة. فأنت لا ترى أطلالًا عند المستوى نفسه الذي لا تزال عليه روما كلها. بل تنظر إلى أرض أقدم تقع في الأسفل.
ويبدأ جزء من الجواب من الموقع نفسه. فالمنتدى كان دائمًا في منطقة منخفضة، وادٍ بين التلال. وفي أقدم مراحل روما، كانت هذه الأرض المنخفضة رطبة ومعرّضة للفيضانات، ولا سيما بسبب قرب نهر التيبر وسوء التصريف قبل أعمال كبرى مثل «كلواكا ماكسيما» التي ساعدت على صرف المياه بعيدًا.
والوادي المنخفض يجمع الأشياء. فالمياه والطين والحجارة المكسورة وقرميد الأسقف والرماد والجدران المنهارة وبقايا الرصف ومخلّفات الحياة اليومية، كل ذلك يستقر حيث تنخفض الأرض. وعلى مدى قرون، يبدّل هذا النوع من التراكم، طبقة بعد طبقة، المستوى الذي يمشي عليه الناس لاحقًا.
ثم أضف إلى ذلك عادة المدن القديمة المعتادة: فالناس نادرًا ما يزيلون كل شيء حتى التربة العارية ويبدؤون من جديد. والأغلب أنهم يسوّون الأرض المتضررة، ويردمون المنخفضات بالأنقاض، ويبنون فوقها، ويفرشون رصفًا جديدًا، ثم يواصلون الحياة. وقد فعلت روما هذا مرارًا وتكرارًا.
ويبدو المنتدى منخفضًا لأن عدة عوامل تراكمت فوق بعضها مع مرور الزمن.
نشأ المنتدى في منخفض بين التلال، ولذلك كان أصلًا مكانًا تميل إليه المياه والمواد المختلفة لتتجمع فيه.
أضافت الفيضانات المبكرة والجريان القادم من نهر التيبر القريب طينًا وترسبات رطبة قبل أن تحسّن أعمال التصريف الظروف.
تراكمت ببطء مواد البناء المكسورة والرماد وشظايا الرصف ومخلّفات الحياة الحضرية اليومية في الأرض المنخفضة.
كان الرومان يسوّون الأرض ويردمونها ويعيدون رصفها وبناءها مرارًا، بدلًا من إرجاع المنطقة إلى تربة لم تمسّها يد.
لم يهبط المنتدى ببساطة، بل إن روما اللاحقة ارتفعت تدريجيًا من حوله وفوق مستوياته الأقدم.
وهنا الجزء الذي يحتاج كثير من الزوار إلى سماعه بوضوح. فالمنتدى يبدو غائرًا اليوم لأن علماء الآثار أزالوا الطبقات اللاحقة لكشف المستويات القديمة. لكن تلك الطبقات اللاحقة كانت حقيقية. لم تكن ردمًا مسرحيًا وُضع هناك من أجل السياح. بل كانت من مادة روما في العصور الوسطى وبدايات العصر الحديث، مستقرة فوق المدينة الأقدم.
وهذا يعني أن الفكرتين صحيحتان في الوقت نفسه. نعم، المنتدى اليوم منطقة تنقيب. ونعم، كان لا بد من حفر منطقة التنقيب هذه لأن قرونًا من الحياة الحضرية والتراكم البيئي كانت قد دفنت جانبًا كبيرًا من المركز القديم.
ويمكنك اختبار ذلك بعينيك. لاحظ كيف يحتفظ النسيج الحضري المحيط غالبًا بخط أعلى، بينما تنفتح أرضية المنتدى في الأسفل. وهذا الفارق في الارتفاع يلخّص القصة كلها في نظرة واحدة.
كلتا الفكرتين صحيحة
يبدو المنتدى أخفض لأن علماء الآثار نقّبوا فيه، ولأن روما اللاحقة ارتفعت فعلًا فوق الأرض القديمة.
والآن اترك منظور السائح قليلًا، ومدّ الزمن أمامك. لا تفكر في أطلال. فكر في طبقات.
فبعد العصور القديمة، حين فقد المنتدى دوره السياسي القديم، لم يبقَ المكان متجمدًا كأنه صينية عرض في متحف. فقد تهدّمت المباني، وسُلب الحجر لصناعة الكلس أو أُعيد استخدامه في أماكن أخرى. وتراكمت التربة والأنقاض. وأضافت الفيضانات وما جرفته المياه من المنحدرات مزيدًا من المواد. وتبدلت المسارات. وحلّت استعمالات جديدة فوق القديمة.
وبحلول العصور الوسطى، صار للمنتدى اسم مختلف تمامًا: «كامبو فاتشينو»، أي حقل الأبقار. وهذا الاسم يقول لك الكثير. فالمكان الذي كان يومًا المركز المدني لروما صار أرضًا مفتوحة تُستخدم على نحو أكثر تواضعًا، مطمورة جزئيًا، غير مستوية، وبعيدة كل البعد عن المنتدى المرصوف في عهد الأباطرة.
وببطء، وبشيء من الإصرار، استقرت روما اللاحقة فوقه. فالكنائس والبيوت والطرق والحركة اليومية اعتمدت منسوبها الأرضي الخاص بوصفه الطبيعي. كان المنتدى القديم لا يزال هناك، لكنه لم يعد أرضية المدينة الظاهرة. لقد صار أرضًا أقدم تحت أقدام أحدث. وهنا يكمن التحول الحقيقي في القصة.
إن المظهر الحديث للمنتدى تشكّل عبر سلسلة من أعمال التنقيب، لا عبر بقاء مفتوح ومتصل منذ العصور القديمة.
بدأت أعمال التنقيب العلمي في المنتدى على يد كارل فريدريك فون فريدنهايم.
شرع كارلو فيا في أعمال الإزالة والكشف، فرفع الطبقات اللاحقة التي كانت تغطي المستويات القديمة.
طوّر جياكومو بوني العمل بمنهج أثري أكثر انتظامًا، وساعد في تشكيل الهيئة الحديثة للمنتدى.
وهنا يفيد أن نتمهّل ونتصور المكان كما كان حقًا. فلزمن طويل، لم يكن الناس يرون المنتدى كما نراه نحن الآن. بل كانوا يرون شذرات بارزة من سطح أرض أعلى بكثير وأكثر فوضى، ممتزجة بحياة مدينة لاحقة.
وقد غيّر التنقيب مظهر المنطقة على نحو قد يضلل الزائر الحديث. إذ صنع الحوض الأثري المفتوح والمنخفض الذي نعرفه اليوم. لكن التنقيب لم يخترع الطمر. بل كشفه.
هذا اعتراض وجيه، ويستحق جوابًا مباشرًا. فلو لم يُنقَّب المنتدى، لما بدا بالشكل المجوّف الواسع الذي يعرفه الزوار اليوم. ومن هذه الزاوية، فإن أثر الحفرة الحديث جزئيًا.
لكن إذا توقفت عند هذا الحد، فاتك الواقع الأهم. فقد استطاع علماء الآثار أن يحفروا إلى الأسفل لأن القرون اللاحقة كانت قد غطّت بالفعل جزءًا كبيرًا من المستوى القديم بطبقات من الردم والأنقاض والسطوح المتبدلة ومراحل البناء الأحدث. والمنتدى أخفض اليوم لا لسبب واحد، بل لأسباب متداخلة: طبوغرافيا منخفضة أصلًا، والتعرّض للفيضانات، والتراكم الطويل، وإعادة البناء اللاحقة، والتنقيب الانتقائي.
ولهذا يبدو الموقع غريبًا إلى هذا الحد عند النظرة الأولى. فهو ليس مجرد بقايا مكسورة من روما القديمة. بل هو مقطع مكشوف عبر عادة روما في أن تعيش فوق نفسها.
إذا أردت صورة ذهنية واحدة واضحة، فتخيّل المنتدى كفناء قديم بقيت أرضيته في موضعها، فيما كان البيت المحيط به يُصلَح ويُرقَّع ويُرفع ويُعاد رصفه باستمرار. فالأرضية لم تهبط وحدها. بل ارتفعت الحواف.
ولهذا يُقرأ المنتدى الروماني، الذي كان يومًا مركز السلطة، اليوم بوصفه أرضًا تقع تحت روما لا على مستواها: فهو ليس روما القديمة وقد تُركت خلفًا، بل روما القديمة وقد كُشف عنها تحت مدينة واصلت الارتفاع والبناء من حولها.