البطاريق الإفريقية موطنها الأصلي سواحل جنوب إفريقيا وناميبيا، لا القارة القطبية الجنوبية، وهذا التصحيح الصغير يبدد خطأً أكبر بكثير في الخريطة الذهنية التي يحملها كثير منا.
إذا شئت، اختبر خريطتك الذهنية للبطاريق لثانية واحدة. سمِّ مكانًا واحدًا خارج القارة القطبية الجنوبية تظن أن البطاريق تعيش فيه. يستطيع معظم الناس أن يذكروا جزر غالاباغوس أو ربما نيوزيلندا. أما الذين يضعون واحدًا منها بثقة على صخور إفريقيا الجنوبية فقليلون جدًا.
هذا بطريق إفريقي. وهو نوع موطنه الأصلي جنوب إفريقيا، ويتكاثر على امتداد أجزاء من جنوب إفريقيا وناميبيا. ومكانه الطبيعي على الشواطئ الصخرية والجزر القريبة من الساحل هناك، بمحاذاة مياه باردة غنية بالإنتاج طالما كانت الأسماك الصغيرة غذاءه الرئيسي فيها.
قراءة مقترحة
ابدأ بطائر واحد فوق صخرة، وأبقِ الجغرافيا محددة. فكّر في سيمونز تاون قرب كيب تاون، وفي شاطئ بولدرز القريب، وهو أحد الأماكن التي يلتقي فيها الناس البطاريق الإفريقية على اليابسة. ثم وسّع الخريطة شمالًا وغربًا على امتداد الساحل، حيث تقوم الجزر والرؤوس البحرية بمحاذاة المياه الباردة لنظام بنغيلا.
وهذا مهم، لأن الطائر ليس تائهًا في مشهد غير مألوف. بل هو في موطنه على ساحل من سواحل إفريقيا الجنوبية. والمفاجأة لا تأتي من الطائر نفسه، بل من نسختنا البريدية المبسطة عن البطريق.
ومن الإنصاف القول إن تلك الصورة النمطية لم تأتِ من فراغ. فبعض أنواع البطاريق تعيش فعلًا في القارة القطبية الجنوبية وحول المحيط الجنوبي، وقد شكّلت الصورة العامة التي يحملها الناس عن هذه الفصيلة كلها. هناك تعلّم كثير منا أن يضع كلمة «بطريق» في خانة محددة داخل ذهنه: جليد، وثلج، وأفق أزرق قاسٍ.
لكن إذا كانت البطاريق لا تنتمي إلا إلى الجليد، فلماذا يقف واحد منها على صخرة إفريقية يغمرها الضوء؟ لأن البطاريق ليست طيور جليد بالمعنى البسيط الذي نتخيله غالبًا. إنها طيور بحرية من نصف الكرة الجنوبي، وبعض أنواعها يرتبط أقل بالثلج وأكثر بالمياه الباردة الغنية بالغذاء.
وهنا يأتي التصحيح المفيد: البطاريق الإفريقية تعيش حيث يخدمها البحر، لا حيث تضعها كتب الأطفال في مخيلتنا.
على امتداد الساحل الغربي لإفريقيا الجنوبية، يدفع تيار بنغيلا المياه الباردة إلى السطح من الأعماق.
ويغذي هذا الصعود العوالق، التي تدعم بدورها أسماكًا مثل السردين والأنشوفة.
وهذه الأسماك بدورها تغذي البطاريق الإفريقية التي تعيش على السواحل الصخرية والجزر القريبة من الشاطئ.
لذا رتّب الحقائق بالترتيب الصحيح. نعم، إفريقيا. نعم، قارة دافئة. لكن البحر ليس دافئًا في كل مكان. سواحل صخرية، وجزر قريبة من الشاطئ، وتيار بارد، ومناطق تغذية غنية. وما إن تعيد المحيط إلى الخريطة حتى يتوقف البطريق عن أن يبدو في غير موضعه.
وهذه هي لحظة الفهم الحقيقية: لا يحتاج البطريق إلى جليد تحت قدميه لكي يكون وجوده منطقيًا. إنه يحتاج إلى المياه المناسبة بالقرب منه. وإفريقيا الجنوبية توفر ذلك فعلًا على امتداد أجزاء من ساحلها.
إذا كانت بعض البطاريق تعيش في القارة القطبية الجنوبية، فهذا يعني أن البطاريق، بوصفها مجموعة، هي في الأساس طيور قطبية جنوبية.
البطاريق فصيلة منتشرة عبر نصف الكرة الجنوبي، والبطريق الإفريقي نوع واحد داخل هذه الفصيلة، وموطنه الأصلي إفريقيا.
ما إن تعرف أن هذا الطائر ينتمي إلى ذلك المكان، حتى تزداد وطأة حقيقة أخرى:
انخفاض بنحو 65% منذ 1989
أفاد تقييم مدعوم من IUCN في عام 2020 بأن أعداد البطاريق الإفريقية كانت قد تراجعت بالفعل بما يقارب 65%، مع احتمال بنسبة 97% لاستيفائها عتبة التصنيف ضمن فئة المهددة بالانقراض.
وقد أفاد تقييم حفظٍ مدعوم من IUCN ناقشه شيرلي وزملاؤه في عام 2020 بأن البطاريق الإفريقية كانت قد انخفضت بالفعل بما يقارب 65% منذ عام 1989، وأنها استوفت عتبة التصنيف ضمن فئة المهددة بالانقراض باحتمال بلغ 97%. وبعبارة واضحة، فهذا يعني أن النوع لم يكن يمر بمجرد فترة سيئة، بل إن الأدلة أظهرت بقوة أنه انحدر بما يكفي ليُعدّ في مواجهة خطر مرتفع جدًا بالانقراض في البرية.
ولا ينبغي لأي شخص منصف أن يتظاهر بأن كل مستعمرة تعاني بالطريقة نفسها تمامًا، أو للأسباب نفسها تمامًا.
تتضرر بعض المواقع أكثر من غيرها من التغيرات في إمدادات الغذاء، وهو ما قد يعيد تشكيل مدى موثوقية عثور البطاريق على فرائس قرب مستعمراتها.
وتواجه بعض المستعمرات ضغطًا أشد من الصيد قرب مناطق التغذية، بما يزيد المنافسة في المياه التي تعتمد عليها البطاريق.
وتضطر مستعمرات أخرى إلى التعامل مع التلوث أو المرض أو الآثار الممتدة لحوادث التلوث النفطي، بما يبيّن أن التراجع له أسباب متعددة ومتداخلة.
ومع ذلك، فإن الصورة العامة واضحة بما يكفي. فطائر يراه كثيرون على أنه بطريق «عام» هو في الحقيقة نوع ساحلي محلي يتقلص مستقبله. وما إن تضعه في مكانه الصحيح على الخريطة حتى تتوقف قصة الحفاظ عليه عن أن تكون مجرد فكرة مجردة.
ولهذا تهم أماكن مثل شاطئ بولدرز بما يتجاوز سحرها. فهي لا تعرض بطريقًا يفعل شيئًا غريبًا، بل تُظهر طائرًا بحريًا إفريقيًا مهددًا يواصل البقاء حيث كان التيار البارد والساحل والغذاء يلتقون في الماضي على نحو أكثر موثوقية مما هم عليه الآن.
حين تصادف بطريقًا على السواحل الصخرية لجنوب إفريقيا أو ناميبيا، فكر في البطريق الإفريقي، وفكر في مياه باردة مرتبطة ببنغيلا، وفكر في إلحاح الحفاظ على النوع، لا في بطريق يبدو خارج مكانه.