كانت المئذنة برجًا دينيًا، لكنها كانت أيضًا معلمًا حضريًا

ADVERTISEMENT
ADVERTISEMENT

ينظر كثيرون إلى مئذنة في القاهرة ويفكرون في شيء واحد: الأذان. وهذا صحيح، لكنه ليس الحقيقة كلها في مدينة قديمة مكتظة مثل القاهرة، حيث كانت مئذنة المسجد الشاهقة تؤدي أيضًا وظيفة أبسط وأكثر نفعًا؛ إذ كانت علامة بارزة يستطيع الناس قراءتها من مسافة بعيدة.

صورة بعدسة فالنتينا روبيو على Unsplash

وهذا مهم لأن القاهرة التاريخية لم تكن مدينة ذات شوارع عريضة مستقيمة وعناوين مرتبة. لقد كانت، وما تزال في مواضع كثيرة منها، مدينة من الأزقة الملتوية، والشوارع التجارية، والحارات، والأبواب، والساحات، والانعطافات المفاجئة. وتصفها UNESCO بأنها «مدينة الألف مئذنة»، وهي عبارة تبدو شاعرية إلى أن تدرك معناها في الحياة اليومية: فقد كانت الأبراج جزءًا من المشهد البصري المألوف للمدينة.

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

ليس مجرد برج مقدس، بل أداة عملية على مستوى الشارع

كثيرًا ما يصف مؤرخو العمارة المئذنة بأنها إحدى السمات البارزة في المدن الإسلامية. وإذا قيل ذلك بلغة بسيطة، فالمعنى هو الآتي: قبل لافتات الشوارع الحديثة، والعناوين المرقمة، وخرائط الهواتف، كانت المئذنة نقطة مرتفعة يمكن رؤيتها من بعيد والاستدلال بها على الموقع.

وفي القاهرة، كانت لهذه الوظيفة العملية وجاهة خاصة. فقد نمت المدينة طبقة فوق طبقة عبر قرون طويلة. وتزاحمت فيها المساجد، والمدارس، والأضرحة، والأسواق، والمنازل، والورش، وطرق القوافل. وعند مستوى الشارع، كان مجال الرؤية يضيق سريعًا. أما المئذنة العالية فكانت تشق طريقها فوق هذا الاكتظاظ.

وكان منطقها العملي بسيطًا: لا بد أن يرتفع البرج بما يكفي ليُرى، وأن يتميز بوضوح كافٍ ليُعرَف، ثم يدلّ الناس على الحي الصحيح.

ADVERTISEMENT

كيف كانت المئذنة تساعد شخصًا على الاهتداء

1

الارتفاع

كانت المئذنة ترتفع فوق الأسطح والدكاكين والنسيج العمراني الكثيف للمدينة.

2

إمكان الرؤية

ولأنها كانت أعلى من المشهد العمراني المحيط، أمكن رؤيتها من مسافة بعيدة.

3

التعرّف

كان المسافر أو المقيم يستطيع أن يربط هذا البرج المرئي بمسجد معروف أو بحي معين.

4

الاقتراب والوصول

وبعد أن يحدد اتجاهه، يمكنه أن يصحح مساره، ويواصل السير عبر الأزقة، ويصل إلى الحي المقصود.

وهنا تكمن النقطة التي يغفلها كثير من القراء اليوم. فالمئذنة كانت متصلة بالمسجد، نعم، لكنها كانت أيضًا جزءًا من المدينة خارج جدران المسجد. فقد كانت تساعد الناس على الاقتراب، وتحديد الاتجاه، والوصول.

ولا يعني هذا أن سكان القاهرة كانوا يعتمدون على الأبراج وحدها. فالأبواب كانت مهمة، والأسواق كانت مهمة، وكذلك الذاكرة المحلية، والعادة العائلية، والطريقة البشرية القديمة في سؤال من يعرف الطريق. لكن البرج المرئي في نسيج عمراني مكتظ كان يثبت هذه المعارف المحلية. كان يمنح العين شيئًا ثابتًا تعمل به.

ADVERTISEMENT

وحتى في مدينة اشتهرت بكثرة مآذنها، ظلت بعض المآذن أظهر من غيرها. فالموقع على طريق رئيسي، أو الارتفاع الأكبر، أو الإشراف على موضع مهيمن قرب مسجد معروف، كل ذلك قد يجعل برجًا أسهل قراءة من غيره عبر أحياء المدينة المكتظة. ولم يكن امتلاء الأفق بالمآذن يجعل كل مئذنة بلا فائدة، بل كان يجعل المآذن الأوضح والأيسر قراءة أشد أهمية.

وهكذا صار بناء ديني جزءًا من الحياة المدنية. لا لأنه غيّر غايته، بل لأنه لبّى أكثر من حاجة في وقت واحد. ففي القاهرة، كانت المئذنة تدعو المصلين إلى الصلاة، وفي الوقت نفسه تدل الغريب، والحمال، أو المقيم على كيفية انتظام المدينة واتجاهاتها.

حاول أن تجد طريقك من دون لافتة شارع

توقف الآن لحظة وتخيل الأمر بوضوح: كيف كنت ستعثر على حي في مدينة كثيفة إذا لم تكن هناك لافتات شوارع، ولا أرقام منازل تثق بها، ولا خريطة مضيئة في يدك؟

ADVERTISEMENT

عند هذه النقطة تتغير صورة المئذنة في الذهن. فلا تعود زينة في المقام الأول، بل تصبح إشارة عمرانية. ففي القاهرة القديمة، حيث كانت الشوارع قد تنعطف أو تضيق أو تفضي إلى عقد تجارية مزدحمة، كان البرج العالي يمنح المتاهة شكلًا واضحًا.

وكان الاهتداء في مدينة كهذه يقوم على سلسلة من العلامات المحفوظة في الذاكرة، لا على مسار مستقيم واحد.

كيف كان يمكن لشخص أن يهتدي بالذاكرة وخط الأفق

الانطلاق من أماكن معروفة

يتذكر المسافر نقاطًا مرجعية كبرى، مثل شارع سوق أو باب من أبواب المدينة.

الحفاظ على الاتجاه الصحيح

يبقي الباب وراءه ويتجه نحو المسجد الذي تشير مئذنته إلى الحي المقصود.

التنقل على مراحل

لا يحتاج إلى معرفة كل زقاق مسبقًا؛ بل يكفيه قدر من النقاط الثابتة حتى لا يضل مساره.

إعادة التحقق ثم الوصول

يمكن أن تلوح المئذنة وتختفي ثم تظهر من جديد مع انكشاف الطريق منعطفًا بعد منعطف.

ADVERTISEMENT

ولهذا كان ارتفاع البرج عمليًا إلى هذا الحد. فقد كان يعلو فوق صفوف البيوت والدكاكين. وكان يمكن أن يلوح للناظر، ثم يغيب، ثم يعود إلى الظهور مع الحركة. وكان يمنح الاتجاه على دفعات، وهي في الغالب الطريقة التي تُقرأ بها المدن القديمة فعلًا: لا دفعة واحدة، بل زاوية بعد زاوية.

لماذا لم يكن الجمال والمنفعة نقيضين هنا قط

ومن المهم هنا أن نكون دقيقين. فالمئذنة كانت قبل كل شيء بناءً دينيًا، مرتبطًا بالمسجد وبالممارسة الإسلامية. واختزالها في أداة للاهتداء فحسب يُفرغ معناها ويغفل ما انطوت عليه من تعبّد.

لكن القاهرة التاريخية لم تكن تفصل بين الحياة المقدسة والحياة المدنية بالفصل الحاد الذي قد يتصوره الناس اليوم أحيانًا. فالمسجد كان مكانًا للعبادة، وكان أيضًا في كثير من الأحيان ركيزة للحي. وكانت مئذنته تعبر عن الإيمان، وفي الوقت نفسه تخدم القراءة العملية للمدينة. وكان من الممكن أن تجتمع هاتان الوظيفتان من غير تناقض.

ADVERTISEMENT

كيف نقرأ مئذنة القاهرة على نحو صحيح

اعتقاد شائع

أفضل طريقة لفهم المئذنة هي النظر إليها بوصفها برجًا دينيًا جميلًا مرتبطًا بالصلاة فحسب.

الواقع

في القاهرة التاريخية، ظلت المئذنة بناءً دينيًا، لكنها أدت أيضًا وظيفة إشارة عمرانية عملية ساعدت الناس على تحديد مواقعهم داخل المدينة.

ويساعد وصف UNESCO هنا. فعبارة «مدينة الألف مئذنة» ليست مجرد تعبير عن الجمال. بل إنها، بلغة مباشرة، تخبرك بأن الأبراج أسهمت في تحديد الكيفية التي كانت القاهرة تُرى وتُعرَف بها. لقد كانت جزءًا من الطريقة التي كانت المدينة تعلن بها عن نفسها لسكانها.

لذلك، حين يرتفع مسجد عظيم فوق الأسطح، فإن أذكى طريقة لقراءته ليست بوصفه إضافة جميلة إلى خط الأفق فحسب. ففي القاهرة، كانت المئذنة إحدى الوسائل التي جعلت خط الأفق مفيدًا.

والخلاصة البسيطة هي هذه: لم تكن مئذنة القاهرة يومًا برجًا للصلاة فقط؛ بل كانت أيضًا واحدة من أوضح الإشارات العامة في المدينة وأكثرها قابلية للقراءة.