كيف انتهت المسلات المصرية إلى ساحات المدن الأوروبية

ADVERTISEMENT
ADVERTISEMENT

تلك المسلّة المصرية القائمة في ساحة رومانية ليست أثراً تائهاً ولا بقايا لطيفة من الماضي. إنها غنيمة أُعيد استخدامها مراراً، أولاً على يد الأباطرة الرومان ثم على يد البابوات، وقصتها الكاملة تفسّر جانباً كبيراً من الساحة التي تحيط بها.

صورة بعدسة 2H Media على Unsplash

يعرض Smarthistory التحول الأول بوضوح: بعد أن ضمّ أغسطس مصر، استولى على المسلات المصرية وأمر بنقلها إلى روما. وتكمن أهمية ذلك في أنه ينقل المسلّة من خانة الزخرفة إلى خانة السلطة العلنية.

لقد بدأ بوصفه علامة مقدسة، لا قطعة من أثاث الشارع

في مصر القديمة، كانت المسلّة مرتبطة بفضاء المعبد وبالسلطة الملكية. كانت تُنصب منتصبة قرب الحرم، وغالباً ما تأتي في زوجين، وتحمل نقوشها أسماء الملوك وتمجّد الآلهة. ولم تكن موجودة لتضفي وجاهة على ساحة عامة. بل كانت منتمية أصلاً إلى منظومة مقدسة وسياسية خاصة بها.

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

وكان الحجر نفسه يؤدي هذا الدور. فهذه الآثار كانت تُنحت عادة من الغرانيت في قطعة واحدة، ثم تُصقل بحيث تلتقط ضوء الشمس. وعندما يسقط الضوء على الهيروغليفات المنقوشة، تلقي الشقوق ظلالاً حادة حتى من مسافة بعيدة، فتدرك ما فهمه صُنّاعها: لقد كان هذا أثراً صُمّم ليُقرأ بالضوء بقدر ما يُقرأ باللغة.

وهذه القوة البصرية تساعد على تفسير سبب رغبة الحكام اللاحقين فيها. فلم يكن عليك أن تقرأ الهيروغليفية لكي تدرك أن هذا حجر عريق، عسير المنال، باهظ الكلفة، وذو سلطة. كان الشيء نفسه يعلن الهيمنة قبل أن يشرحها أحد.

لماذا أرادت روما الحجر المصري بعد الاستيلاء على مصر

ما إن هزم أغسطس كليوباترا ومارك أنطوني وأصبحت مصر من ممتلكات روما، حتى غدت الآثار المصرية متاحة بوصفها غنائم إمبراطورية. ووفقاً لتواريخ القطع الأثرية التي يلخّصها Smarthistory، أخذ أغسطس مسلات من هليوبوليس وأقامها في روما. لم يكن يحافظ على الديانة المصرية، بل كان يعلن أن مصر، بكل ما تحمله من قِدم ومهابة، باتت خاضعة لروما.

ADVERTISEMENT

وأعادت روما توظيف المسلات بتغيير مواقعها ووظائفها داخل العاصمة.

كيف أعادت روما إسناد وظيفة المسلّة

الموقعالدورالرسالة
المعبد المصريعلامة مقدسة قرب الحرمربطت بين الملكية والآلهة والفضاء الطقسي
السيركوس ماكسيموسعنصر محوري في مشهد الفرجةأظهرت امتلاك الإمبراطورية لها أمام الجمهور
المزولة الشمسية في كامبوس مارتيوسمؤشر ظل لقياس الوقتحوّلت مهابة ما تم الاستيلاء عليه إلى أداة حضرية

تتتابع عمليات النقل سريعاً ما إن تلاحظها: علامة معبدية، ثم وارد إمبراطوري، ثم محور في السيرك، ثم إشارة حضرية، ثم محور مُسيحَن، ثم معلماً سياحياً. يتبدل عنوان الشيء وجمهوره ورسالته، لكنه يظل يؤدي وظيفة واحدة بإتقان بالغ: يجعل السلطة تبدو ثابتة ومرئية في الفضاء المفتوح.

قد تقول، وهذا قول منصف إلى حد ما، إن المسلّة عند هذه المرحلة أصبحت مجرد زينة حضرية مرموقة. فالمدن تستخدم الأشياء القديمة بهذه الطريقة طوال الوقت. تستعير دولة قوية هيئة ثقافة أقدم، وبعد حين يبدأ الشيء المستعار وكأنه محلي.

ADVERTISEMENT

لكن هنا تكمن الحيلة. كانت الزخرفة هي الوسيلة. فحين توضع مهابة ما تم الاستيلاء عليه في قلب الحياة المدنية اليومية، يبدو الاستيلاء أمراً طبيعياً ومستقراً، بل وذا ذوق رفيع. لم تكن الزينة منفصلة عن السياسة. بل كانت هي السياسة نفسها، وقد نُظّمت في الحجر حيث كان على الجميع أن يعيشوا معها.

يكفي أن تتتبع مسلّة واحدة حتى تتضح الحجة كلها

خذ مسلّة الفاتيكان. لقد صُنعت في مصر ثم نُقلت لاحقاً إلى روما في عهد الأباطرة، حيث وقفت في سيرك كاليغولا ونيرون. وهي تذكير مفيد أيضاً بأن ليست كل المسلات في روما قد نُحتت في مصر الفرعونية. فبعضها صُنع في مصر في ظل الحكم الروماني، ولكن على الطراز المصري. وهذا لا يضعف القصة، بل يقويها، لأن التقليد يكشف مقدار المهابة التي كانت روما ترى أن هذا الشكل يحملها.

يمكن تتبّع أثر واحد عبر أنظمة حكم متعددة لرؤية كيف أُعيد إسناد معناه مراراً.

ADVERTISEMENT

مسلّة الفاتيكان عبر الإمبراطوريات

الأصل المصري

صُنعت المسلّة في مصر، أو في بعض الحالات أُنتجت هناك في ظل الحكم الروماني على الطراز المصري، مع الاحتفاظ بالمهابة التي ينطوي عليها هذا الشكل.

روما الإمبراطورية

نُقلت إلى روما في عهد الأباطرة، ووقفت في سيرك كاليغولا ونيرون، حيث تحوّل جسم مقدس إلى جزء من عرض إمبراطوري.

نقلها البابوي عام 1586

أمر البابا سيكستوس الخامس بنقلها إلى وسط ساحة القديس بطرس، وتولى دومينيكو فونتانا تنفيذ العملية بمشاركة نحو 900 رجل، وعشرات الخيول، وسقالات واسعة.

أثر مُسيحَن

وُضع صليب فوق الحجر نفسه، وجُعل يرتكز عليه مخطط عمراني بابوي، بما يبيّن كيف احتفظ الحكام الجدد بسلطة الأثر وهم يعيدون كتابة معناه.

وتحكي مسلّة اللاتران قصة مشابهة على نطاق أكبر. فقد كُلّف بها في الأصل في مصر الفرعونية، ثم نقلها الرومان إلى السيركوس ماكسيموس، ثم أُقيمت من جديد بعد ذلك بزمن طويل أمام سان جوفاني إن لاتيرانو في عهد سيكستوس الخامس. هكذا يمر أثر واحد عبر الملكية المصرية، والإمبراطورية الرومانية، وروما البابوية من غير أن يصبح محايداً في أي وقت.

ADVERTISEMENT

ماذا لو أصبحت المسلّة جزءاً من المدينة فعلاً؟

هذا اعتراض يستحق الاحتفاظ به. فهذه الآثار دخلت بالفعل في حياة الناس المحليين. لقد عرفها الرومان والحجاج، والآن السياح، بوصفها أجزاء من مدينتهم على مدى قرون. ويمكن لساحة ما أن تراكم معنى حقيقياً حول شيء ما بعد زمن طويل من زوال غايته الأصلية.

ومع ذلك، فإن هذه الحياة المتراكبة تقوم على أفعال سابقة من الاستيلاء وإعادة التموضع. فالمعنى المدني اللاحق لا يلغي الأقدم منه، بل يستقر فوقه. والسبب الذي أتاح للمسلّة أن تصبح معلماً رومانياً أو محوراً بابوياً هو أن حكاماً سابقين كانوا قد انتزعوها من سياق ووضعوها في خدمة سياق آخر.

وهذه هي الطريقة المفيدة لقراءة المسلّة التالية التي تراها. اطرح سؤالين بسيطين: أي سلطة أرادت هذا الشيء هنا؟ وأي معنى أقدم كان لا بد من نزعه أو تهذيبه أو الكتابة فوقه لكي يلائم هذا الموضع؟ ما إن تطرح هذين السؤالين، حتى تكف الساحة عن أن تبدو طبيعية، وتبدأ في أن تبدو مرتبة عن قصد.

ADVERTISEMENT

ليست المسلّة زينة مصرية شقّت طريقها إلى أوروبا على نحو ما؛ بل هي تصريح محمول بالسيادة تبدّل سادته وظل يؤدي وظيفته.