ليس كل قبة مسجد بيضاء تحتاج إلى هلال لكي تُعرَف بأنها مسجد

ADVERTISEMENT
ADVERTISEMENT

يمكن أن يكون المسجد واضحًا فورًا بوصفه مسجدًا حتى من دون هلال يعلوه؛ وهذه هي النقطة التي يعكسها معظم الناس تمامًا، ويبرهن جامع الشيخ زايد الكبير في أبوظبي على ذلك بأشكال تلتقطها العين قبل أن تلاحظ أي رمز.

ومن المفيد أن نبدأ بتصحيح بسيط. فكثيرون يتعاملون مع الهلال على أنه العلامة الحاسمة، كما لو أنك تستطيع نزع كل شيء آخر والإبقاء مع ذلك على هوية المبنى. لكن الحقيقة هنا أقرب إلى العكس.

أول ما تلتقطه العين ليس الزخرفة

يصير المسجد مقروءًا من خلال مجموعة من الإشارات المعمارية التي تعمل معًا قبل أن تحتاج الزخرفة إلى أن تشرح شيئًا.

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

🕌

ما الذي يعرّف المسجد أولًا

ينبع التعرّف إليه من الشكل، والتدرّج الهرمي، والوضوح، لا من علامة رمزية واحدة.

القبة المركزية

تُرسّخ أكبر القباب موقعها الأعلى، وتحدّد المركز، وتمنح التكوين بؤرة مقدّسة.

القباب المحيطة

تُدرّج القباب الأصغر حركة العين إلى الخارج بنظام، فيبدو المبنى كله كأنه عائلة من الأشكال تتقدّمها قمة واحدة واضحة.

هندسة الرخام الأبيض

تُبسّط الأسطح البيضاء الملساء الكتل المعمارية، بحيث تبدو القباب والأقواس والحواف كأشكال هندسية صافية.

تصوير sohrab zia على Unsplash

ثم تأتي القباب الأصغر المحيطة. ووظيفتها ليست مجرد تكرار جميل للشكل. فهي تُدرّج حركة العين إلى الخارج انطلاقًا من القبة الرئيسية على نحو منظّم، بحيث يُقرأ المبنى بوصفه عائلة من الأشكال تتقدّمها رأس واحدة واضحة. وهذه الهرمية أهم مما يظنه الناس.

ADVERTISEMENT

82 قبة

تكتسب هذه المعلومة من مركز جامع الشيخ زايد الكبير أهميتها لأنها تُظهر كيف تجعل التناظرية والتكرار المبنى واضح الدلالة على الفور.

ويشير مركز جامع الشيخ زايد الكبير إلى أن المسجد يضم 82 قبة، وأن التناظر من السمات المحورية في تصميمه. وهذه ليست معلومة عابرة تصلح لمسابقة معلومات. بل إنها تشرح لماذا يسهل «قراءة» المبنى إلى هذا الحد: فالتعرّف إليه ينتج من اجتماع النظام والحجم والتوازن.

والرخام الأبيض إشارة أخرى يتعامل معها الناس كثيرًا بوصفها مجرد تشطيب سطحي. لكن وظيفته هنا هي تبسيط الكتل المعمارية بحيث تُقرأ الأشكال الكبرى بوضوح. فالأسطح البيضاء الملساء تتيح للقباب والأقواس والحواف أن تبرز بوصفها هندسة صافية، بدل أن تضيع في ضوضاء بصرية.

في منتصف الطريق، جرّب الاختبار الذي يغيّر نظرتك إليه

لو نزعت الهلال، هل ستعرف العين مع ذلك ما الذي تراه؟

ADVERTISEMENT

نعم، لأن الشكل يكون قد أنجز بالفعل مهمة التعريف.

ويقوم البرهان هنا على المفارقة بين ما يظنه الناس سبب هذا التعرف، وما الذي يجعل المبنى في الحقيقة واضح الدلالة.

ما الذي يعرّف المبنى أولًا

الخرافة

الهلال أو العنصر الزخرفي أعلى القبة هو السبب الرئيسي الذي يجعل العين تتعرّف إلى المبنى بوصفه مسجدًا.

الحقيقة

إن التدرّج الهرمي للقباب، وتكرار المنحنيات البيضاء، وهندسة الرخام، والتناظر المحوري، كلها تشير إلى نوع المبنى قبل أن تُكمل الزخرفة الرسالة.

حتى النهايات الذهبية تؤدي دورًا مساعدًا. فهي تحدد قمم القباب وتُبرز النقاط العمودية، لكنها تدعيم لا أساس. وستظل تقرأ المبنى قراءة صحيحة حتى لو كانت تلك النهايات بسيطة.

تمهّل عند القبة الرئيسية، فتتكشّف المنظومة كلها

يتضح نظام المبنى أكثر ما يتضح حين تتابع كيف تُؤطَّر القبة الرئيسية، لا حين تكتفي بملاحظة أنها أكبر حجمًا.

ADVERTISEMENT

كيف يغيّر نظام القباب ما تراه

قبل

قد يبدو مجرد هيئة ظلية تعلوها قباب وعناصر متكررة.

بعد

يكشف التباعد والترتيب والتناظر عن منظومة مؤلَّفة: قبة رئيسية أولًا، وقباب أصغر تسندها، ومركز تعزّزه كتل متناظرة على الجانبين.

وهذا التباعد هو ما يحوّل كثرة القباب إلى نظام واحد واضح. فأنت لا ترى كومة من الأغطية المتكررة، بل ترى مراتب: رئيسية، ثم أصغر، ثم أصغر مرة أخرى، وكلها ممسوكة بتوازن. وما إن تلاحظ ذلك حتى يتوقف المسجد عن أن يكون مجرد هيئة ظلية مزوّدة بملحقات، ويبدأ في الظهور بوصفه منظومة مؤلَّفة.

ولهذا تكتسب التناظرية هنا كل هذه الأهمية. فالتناظر ليس مجرد توازن مريح للعين. إن وظيفته إزالة الشك. فعندما تتجاوب الكتل على الجانبين، يكتسب المركز سلطة أكبر، وتبدو القبة المركزية أقل شبهًا بالزخرفة وأكثر شبهًا بالفكرة المنظمة للمبنى كله.

ADVERTISEMENT

نعم، الهلال مهم — لكن ليس بالطريقة التي يفترضها الناس

وملاحظة منصفة هنا: للهلال بالفعل أهمية ثقافية وبصرية في كثير من المساجد. وقد يكون علامة ذات دلالة، وفي مبانٍ كثيرة يساعد المشاهدين على عقد ارتباط سريع. لكنه ليس شرطًا كونيًا، وليس أول ما ينجز العمل المعماري في هذا المشهد.

وهنا يكمن التحول المفيد. فما يزال للرمز مكانه، لكن هوية المبنى هنا تصل أبكر عبر الكتل والتكرار والتناظر. وبحلول اللحظة التي تصل فيها عينك إلى النهاية الزخرفية، يكون المسجد قد قدّم نفسه بالفعل.

طبّق الاختبار نفسه على المسجد التالي الذي تراه: تجاهل الهلال أولًا، ثم ابحث عن تدرّج واضح في الأشكال، وتناظر قوي، وهندسة تجمع العين نحو مركز.