يبدو برج The Shard منسجمًا مع أفق لندن لا لأنه مجرد سنّ لامع يلفت النظر، بل لأن شكله المتناقص يؤدي عملًا فعليًا كان سيعجز عنه صندوق مرتفع بسيط. معظم الناس يقرؤونه أولًا بوصفه نحتًا، لكن آليته أبسط من ذلك.
يرتفع هذا البرج الذي صممه Renzo Piano Building Workshop بجوار محطة London Bridge إلى 309.6 مترًا و95 طابقًا، بوصفه مبنى متعدد الاستخدامات، مع 72 طابقًا قابلة للإشغال فوق المحطة ومسارات السكك. وتتحدث المواد الرسمية الخاصة بالمشروع عن شظايا زجاجية وأبراج الكنائس، ولا بأس في ذلك، فهذه بالفعل جزء من هويته. لكن إذا اكتفيت بهذا الجانب الشعري، فستفوّت السبب الذي يجعل هذا الشكل يستقر في المدينة على هذا النحو الملائم.
قراءة مقترحة
الخلاصة المختصرة هي الآتي: إن التناقص يساعد المبنى على التعامل مع الرياح والضوء والوزن البصري. وهذه النقطة الأخيرة أهم مما يعترف به الناس عادة. فالمبنى الشاهق لا يقتصر أمره على الوقوف منتصبًا من الناحية الإنشائية، بل يجب أيضًا أن يحتمله خط الأفق من دون أن يطغى على كل منظور من حوله.
وقد قال مهندسو المباني الشاهقة منذ سنوات إن الشكل ليس علامة تجارية تُلصق بالبنية في النهاية. فحمل الرياح، وأداء الواجهة، وما يفعله البرج بمحيطه، كلها عوامل تدفع الشكل وتعيد صياغته منذ البداية. ويمكنك أن تقرأ ذلك مباشرة في The Shard إذا عرفت أين تنظر.
وتصبح الآلية واضحة وبسيطة ما إن تقسّمها إلى عناصرها.
فالبرج ذو الجوانب المستقيمة يقدّم للهواء سطحًا عريضًا ومباشرًا يصطدم به. أما التناقص فيبدّل هذا الاحتكاك كلما ارتفع المبنى، ويساعد على تفكيك أنماط الضغط الأكثر انتظامًا.
تلتقط الأسطح الزجاجية المائلة ضوء النهار على هيئة أجزاء، فلا يبدو المبنى كمرآة عملاقة واحدة بقدر ما يبدو سطحًا متبدلًا من مستوى الشارع.
ولأن الكتلة العليا تضيق، يبدو البرج أخف عند قمته وأقل سطوة في المشاهد البعيدة، مع أنه يظل هائلًا.
لنبدأ بالرياح. فالمبنى الشاهق جدًا ذو الجوانب المستقيمة يمنح الهواء وجهًا عريضًا ومباشرًا ليرتطم به، وهذا قد يعني قوى أشد وحركة أكثر إزعاجًا. أما التناقص فيغيّر الطريقة التي تلاقي بها الرياح البرج كلما ارتفع، ويكسر ذلك الضغط النظيف المتكرر الذي تحصل عليه في الكتلة البسيطة.
ولا يعني هذا أن المبنى يتجاهل الهندسة متظاهرًا بأنه مجرد رسم في السماء. بل يعني أن المقطع نفسه يقدّم المساعدة. ففي برج بهذا الارتفاع، إلى جوار الممرات المفتوحة لنهر التايمز وفوق واحدة من أكثر عقد السكك الحديدية ازدحامًا في لندن، يدخل الشكل والرياح في الحوار نفسه منذ اليوم الأول.
ثم يأتي الضوء. نعم، The Shard مكسو بالزجاج، لكن التناقص والأسطح المائلة يمنعان المبنى من أن يُقرأ بوصفه مرآة مسطحة واحدة ضخمة. فالأوجه تلتقط ضوء النهار على هيئة شذرات بدلًا من وجه عريض واحد. ومن زوايا النظر العادية في المدينة، يصنع ذلك فرقًا حقيقيًا: إحساس أقل بجدار انعكاسي هائل واحد، وإحساس أكبر بسطح يواصل التبدل كلما تحركت.
والآن تخيله من دون هذا التناقص: مجرد كتلة مستطيلة مستقيمة.
هذه إعادة الرسم هي الحيلة. فالارتفاع نفسه كان سيبدو أثقل عند القمة، وأكثر بلادة في خطه الخارجي، وأكثر تغولًا فوق ساوثوارك والنهر. كنت ستقرأ فيه كتلة أكبر، ووهجًا أشد، وتدخّلًا أغلظ. وعندها يتوقف المبنى الحقيقي عن الظهور كحركة استعراضية، ويبدأ في الظهور بوصفه صفقة مع المدينة: سأرتفع كثيرًا، لكنني لن أبقى بكامل العرض حتى الأعلى.
هذه هي النقطة التي يشعر بها الناس قبل أن يتمكنوا من تسميتها. فحين تضيق الكتلة العليا، لا ينخفض فقط الأثر المسرحي للهيئة، بل أيضًا مقدار البرج الذي يتعين على خط الأفق أن يحمله، بصريًا وإنشائيًا معًا. فالمادة الأقل والكتلة الظاهرية الأخف في الأعلى تجعل المبنى كله يبدو أخف، حتى وأنت تدرك تمامًا أنه هائل.
ولهذا يبدو المبنى في كثير من الأحيان حادًا لا متكتلًا. فقد ظل أفق لندن القديم طويلًا مزيجًا من القباب والأبراج والمداخن والصواري. وقد استندت لغة التصميم لدى بيانو نفسه في هذا المشروع إلى هذه العائلة من العلامات الرأسية، مع نية أن تبقى القمة مفتوحة بصريًا ومفككة بدل أن تُغلق كأنها غطاء صلب. توقف عند هذه الفكرة قليلًا. فالمسألة ليست رومانسية. المسألة أن «الخفة» هنا أثر مديني صُنع من خلال تشكيل الكتلة.
ويمكنك أن ترى هذا المنطق في التاج. فهو لا ينتهي كصندوق له غطاء. بل يرقّ، وينقسم إلى شظايا زجاجية معبَّر عنها بصراحة، ويجعل القمة تبدو كأنها تذوب قليلًا في السماء. وهذه الحركة تساعد على تحويل الارتفاع إلى خط بدلًا من جدار.
ومع ذلك، ترتدي أبراج كثيرة أشكالًا درامية أساسًا لأن المطورين يريدون توقيعًا مميزًا على خط الأفق. ولا، لا يجعل التناقص The Shard محبوبًا لدى الجميع. فما زال بعض سكان لندن يرونه مهيمنًا أكثر من اللازم، أو مصقولًا أكثر من اللازم، أو ببساطة خارجًا عن مقياس المدينة من حوله.
وهذا الخلاف يتعلق جزئيًا بالذوق، لكنه يظل قابلًا لاختبار مفيد.
برج عادي بالارتفاع نفسه والبصمة نفسها كان سيبدو أثقل، وأكثر تسطحًا، وأكثر فرضًا لنفسه في خط الأفق.
يقلل التناقص والتاج المفكك من الكتلة الظاهرية، ويخففان الوهج، ويجعلان الارتفاع يُقرأ بوصفه خطًا أكثر منه جدارًا.
وهذا اعتراض وجيه، لأن الحكم على خط الأفق مسألة ذوق جزئيًا. فلا يمكنك أن تثبت الجمال كما تثبت ارتفاع مبنى. لكن يمكنك أن تتحقق مما إذا كانت الحكاية الشكلية تنسجم مع وظيفة يمكن ملاحظتها. وهنا يتوافق القصد التصميمي الرسمي والمنطق الهندسي مع ما تستطيع عينك أن تختبره بنفسها.
جرّب الاختبار بنفسك. استبدل البرج ذهنيًا بكتلة بسيطة بالارتفاع نفسه والبصمة نفسها. فإذا بدا لك الشكل المتخيل أثقل وأكثر تسطحًا وأكثر إلحاحًا في خط الأفق، فأنت تقرأ التناقص بالفعل على النحو الصحيح.
حين يبدو برج بارز ذا طابع درامي، فافعل أمرًا بسيطًا قبل أن تصفه بأنه أيقوني أو سخيف: اسأل ما المشكلة التي يحلها شكله في الرياح، وفي الضوء، وفي مقدار الكتلة التي يتعين على خط الأفق أن يحملها.