أول ما ينبغي معرفته هو أن الخرافة السينمائية خاطئة: ففي الفراغ، لا ينفجر الإنسان ولا يتجمد فورًا، بل إن الخطر الحقيقي يتمثل في فقدان الضغط والأكسجين، وهو ما يبدأ في تعطيل الجسم خلال ثوانٍ.
وقد أوضحت إرشادات NASA المبسطة ذلك منذ سنوات. فجلدك وأوعيتك الدموية لا تزال تُبقي جسمك متماسكًا، لذلك لا يتمزق جسدك أو ينفجر، كما أن الفضاء الخالي لا يسحب الحرارة من جسمك دفعة واحدة، لأنه لا يوجد فيه هواء ينقل الحرارة بعيدًا بسرعة.
وهذا لا يعني أن الفراغ آمن، بل يعني أن خطره أكثر تحديدًا. فالمشكلة ليست دمارًا سينمائيًا مبالغًا فيه، وإنما في أن جسمك مهيأ للعمل داخل ضغط معين، حيث ينتقل الأكسجين إلى الدم ويخرج ثاني أكسيد الكربون منه، والفضاء يسلب هذا النظام بأكمله دفعة واحدة.
قراءة مقترحة
تأتي الأعطال الأولى على نحو متتابع: تكون الرئتان في خطر مباشر إذا حبست أنفاسك، ثم يبدأ الدماغ في فقدان الأكسجين، ويبدأ انخفاض الضغط في تغيير الطريقة التي تتصرف بها سوائل الجسم.
إذا انخفض الضغط الخارجي فجأة، يتمدد الهواء المحبوس داخل الرئتين وقد يتسبب في تلف أنسجتهما. ولهذا تؤكد تدريبات إزالة الضغط السريع على ضرورة الزفير.
من دون ضغط وأكسجين صالح للتنفس، يتوقف الدم عن التزود بالأكسجين من جديد، ويُقدَّر زمن الوعي الفعّال عادة بنحو 10 إلى 15 ثانية.
عند الضغط المنخفض جدًا، تبدأ ظاهرة الغليان الفراغي: إذ يمكن أن تتكوّن فقاعات بخارية في السوائل حتى من دون ارتفاع في درجة الحرارة، لأن الضغط هو العامل الذي كان يضبط هذا كله.
ثم يأتي نقص الأكسجة، أي ببساطة عدم وصول كمية كافية من الأكسجين إلى الدماغ. فمن دون ضغط وأكسجين صالح للتنفس، يتوقف الدم عن التزود بالأكسجين من جديد. وتقدّر ملخصات طب الفضاء والطيران، استنادًا إلى حوادث غرف التفريغ وأبحاث الضغط، زمن فقدان الوعي المفيد عادة بنحو 10 إلى 15 ثانية. وقد يختلف التوقيت الدقيق، لكن المهلة قصيرة.
وفي الوقت نفسه، يبدأ أثر غريب آخر: الغليان الفراغي. وهذا المصطلح يعني أن سوائل الجسم تبدأ في تكوين فقاعات بخارية لأن الضغط المحيط بها انخفض إلى مستوى شديد الانخفاض. وليس الأمر غليانًا بالمعنى المألوف في المطبخ. فلا شيء يُطهى هنا. قد تبقى درجة الحرارة كما هي، ومع ذلك يبدأ السائل في التحول إلى بخار، لأن العامل المفقود ليس الحرارة بل الضغط.
أما الإحساس بذلك فلن يكون كالنار، بل كالتورم. سيشتد الجلد. وستنتفخ الأنسجة. وقد يتضاعف حجم جسم الشخص تقريبًا من دون أن يتمزق، لأن الجلد يتمتع ببعض المتانة، ولأن الجهاز الدوري لا يزال يحتفظ بجزء كبير من محتويات الجسم. إنها واحدة من تلك الحقائق التي تبدو مختلقة إلى أن تفهم ما الذي ظل الضغط يفعله من أجلك في كل ثانية من حياتك.
والآن اجعل الأمر شخصيًا لثانية واحدة: إذا اختفى الضغط من حولك، فما أول ما ستتمنى استعادته—الهواء في رئتيك، أم الأكسجين الواصل إلى دماغك، أم ذلك الضغط غير المرئي الذي يبقي سوائل جسمك تتصرف بوصفها سوائل؟
هنا تكمن النقلة. فبدلة الفضاء ليست في الأساس درعًا، بل آلة تعيد إلى جسمك الظروف التي يتوقعها بصمت.
تعمل بدلة الفضاء عبر استعادة عدة شروط مفقودة في آن واحد، إذ تتولى بعض الأنظمة منها النجاة الفورية، بينما تحافظ أنظمة أخرى على استقرار البيئة الداخلية الصغيرة بما يكفي لمواصلة العمل.
| النظام | ما الذي يفعله | لماذا يهم سريعًا |
|---|---|---|
| الضغط | يحافظ على قابلية الرئتين للعمل، ويساعد على منع السوائل من دخول نطاق الغليان الفراغي | من دون ضغط داخلي كافٍ، تنهار وظائف الجسم الطبيعية بسرعة |
| الأكسجين | يوفر غازًا صالحًا للتنفس كي ينتقل الأكسجين من الرئتين إلى الدم | الدماغ والقلب يحتاجان إليه فورًا |
| إزالة ثاني أكسيد الكربون | ينقّي حلقة التنفس من ثاني أكسيد الكربون | تراكم ثاني أكسيد الكربون يسبب الصداع، والارتباك، والشعور بالخنقة، وما هو أسوأ |
| التبريد | يتولى التخلص من حرارة الجسم عبر ملابس التبريد وأنظمة إزالة الحرارة المعتمدة على الماء | في الفراغ، قد ترتفع حرارة الجسم أكثر من اللازم رغم أن الفضاء بارد |
| التحكم في الرطوبة | يزيل الرطوبة الزائدة الناتجة عن التنفس والعرق | يبقي داخل البدلة قابلًا للتحمل ومريحًا |
| الحماية الأساسية والاتصال | يساعد في الحماية من ضوء الشمس، والأشعة فوق البنفسجية، والارتطامات الصغيرة، والتقلبات الحرارية، ويؤمّن التواصل مع فريق الدعم | فالنجاة تعتمد أيضًا على الوقاية والبقاء على اتصال |
إذا أردت اختبارًا سريعًا لنفسك، فحاول أن تسمّي أول ثلاث مشكلات يتعين على البدلة حلها بمجرد إسقاط فكرة «عدم الانفجار» من الحساب. الجواب هو: الضغط، والأكسجين، وثاني أكسيد الكربون. وكل ما عدا ذلك مهم أيضًا، لكنها الحرائق الأولى التي يجب إخمادها.
هناك حادثة تاريخية واحدة في غرفة تفريغ تجعل الآلية أكثر وضوحًا، لأنها تُظهر مدى السرعة التي يمكن أن يصل بها فقدان الضغط وفقدان الوعي في حالة بشرية حقيقية.
خلال حادثة في منشأة اختبار تابعة لـ NASA عام 1966 داخل غرفة تفريغ، تعرض فني يرتدي بدلة ضغط لفترة وجيزة لفراغ شبه كامل بعد أن فقدت بدلته الضغط.
وقد أفاد لاحقًا بأن آخر ما يتذكره قبل أن يفقد الوعي كان بدء لعابه على لسانه في تكوين فقاعات.
وقد نجا لأن التعرض كان قصيرًا ولأن الغرفة أُعيد ضغطها بسرعة، فتحولت القصة إلى درس واقعي عن عامل الوقت، لا عن دمار على طريقة الأفلام.
وهنا أيضًا المكان الصادق للقول ما الذي تمثله هذه المقالة وما الذي لا تمثله. فهي شرح فيزيائي وفسيولوجي، وليست خيالًا عن النجاة. فالتعرض العرضي القصير يختلف كثيرًا عن التعرض المطوّل.
10–15 ثانية
تلك هي المهلة الشائعة الذكر للوعي الفعّال بعد التعرض للفراغ، ما يعني أن العجز يأتي سريعًا حتى لو لم يكن الموت فوريًا حرفيًا.
الجواب المباشر هو: ليس موتًا فوريًا، لكنه عجز سريع جدًا. فقد يظل الشخص المعرّض للفراغ واعيًا لنحو 10 إلى 15 ثانية. وبعد ذلك يرتفع خطر الضرر الشديد بسرعة، وبحلول نحو 90 ثانية تصبح الاحتمالات قاتمة. وهذه الأرقام شائعة في ملخصات طب الفضاء والطيران، استنادًا إلى الأدلة التاريخية من غرف التفريغ وأبحاث إزالة الضغط، مع أن أي حالة واقعية تعتمد على درجة الحرارة، والإصابة، ومدى اكتمال فقدان الضغط.
ويهم هذا التفريق لأنه يستبدل خرافة سيئة بأخرى نافعة. فالتأثيرات المبكرة قد تكون قابلة للعكس إذا عاد الضغط والأكسجين بسرعة كافية. وبعد ذلك، لا يكون الجسم في طور الفشل لسبب واحد، بل لعدة أسباب في آن واحد: نقص الأكسجة، وإصابة إزالة الضغط، والتورم الناتج عن الغليان الفراغي، وانهيار التبادل الغازي الطبيعي.
أما التجمد فليس هو الفصل الأول أيضًا. ففي الفراغ، تفقد الحرارة أساسًا عبر الإشعاع، وهو أبطأ من النسخة التي تقدمها الأفلام. وسيكون الشخص غير المحمي في خطر ميؤوس منه قبل وقت طويل من تحوله إلى تمثال جليدي.
انظر إليها بوصفها مركبة فضائية لشخص واحد. فوظيفتها أن تحتفظ بالضغط، وتزوّد بالأكسجين، وتزيل ثاني أكسيد الكربون، وتتخلص من حرارة الجسم، وتدير الرطوبة، وتوفر قدرًا كافيًا من الحماية والاتصال كي يستمر العمل.
وإذا أردت أقصر صيغة يمكن الاعتماد عليها، فلتكن هذه: ليست بدلة الفضاء موجودة لأن الفضاء يجعل الناس ينفجرون، بل لأنها تحفظ لجسم الإنسان الضغط والغاز الصالح للتنفس والتحكم الحراري في كل ثانية، بينما ينتزع الفراغ هذه الثلاثة معًا دفعة واحدة.