نحو 800 مليون طن متري من القمح تبدأ من حقول كهذا الحقل

ADVERTISEMENT
ADVERTISEMENT

من المتوقع أن يُنتَج نحو 787 مليون طن من القمح حول العالم في عام 2024، بحسب منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، ويبدأ ذلك في أماكن قد تبدو عادية إلى حد يكاد يجعلها غير ملحوظة: سيقان بارتفاع اليد، ورؤوس جافة مائلة بعضها إلى بعض، وحافة حقل قد تمر بها من دون أن تتخيل كم يرتبط بها من أمور هذا الكوكب.

وهذا الرقم مهم لأن القمح ليس محصولًا هامشيًا ولا مجرد إضافة ريفية جميلة. فهو واحد من الحبوب التي تقوم عليها الأطعمة اليومية لمليارات الناس، إذ يتحول إلى خبز ومعكرونة ونودلز وخبز مسطح وبسكويت، وإلى كل تلك الأطعمة الهادئة المكمِّلة التي تجعل الوجبة تبدو وجبة فعلًا. وإذا أردت أن تفهم النظام الغذائي من دون أن تغرق في الجداول والرسوم البيانية، فإن حقل القمح واحد من أوضح الأماكن التي يمكن أن تبدأ منها.

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

صورة لجوني سَتش على Unsplash

ما الذي يمكن لذراعيك أن تخبراك به قبل أي خبير؟

إذا سرت بمحاذاة القمح في أواخر الصيف وذراعاك مكشوفتان، فسوف تشعر بشيء يبدو ناعمًا من بعيد، لكنه يصبح غنيًا بالدلالة عن قرب. إذ تحتك السنابل برفق بساعديك. ليس احتكاكًا قويًا، ولا حادًا تمامًا، بل جافًا وخشنًا قليلًا، كأن الحقل متراص بما يكفي ليبادل المارَّ لمسته.

وهذا الاحتكاك ليس مجرد تفصيل جميل. فهو يخبرك بأن النبات بلغ من الطول والكثافة قرب قمته ما يعني أن المحصول اكتسب كتلة حقيقية. فعندما يقترب القمح من الحصاد، تبدو النباتات في الغالب أقل تهوية وأكثر امتلاءً بالوزن، ولا سيما في جزئها العلوي حيث تستقر رؤوس الحبوب. وتكمن أهمية هذا الاحتكاك في أن الطول مع الكثافة علامة مرئية على أن الأمر لم يعد مجرد نمو أخضر؛ بل صار غذاءً يكاد يكتمل.

ADVERTISEMENT

وإذا أردت اختبارًا بسيطًا بنفسك، فلاحظ أمرين.

طريقة بسيطة لقراءة الحقل

1

تحقق من مستوى الساعد

انظر إن كانت الرؤوس ترتفع بما يكفي لتلامس ساعديك المكشوفتين وأنت تمر.

2

تحقق من كثافة الجزء العلوي

ابحث عن حقل يبدو كثيفًا وثقيلًا قرب القمة، لا متناثرًا وخفيفًا.

وهذه ليست قاعدة معصومة من الخطأ، لكنها طريقة جيدة لتبدأ قراءة الحقل بدلًا من اعتباره مجرد خلفية.

وهنا حدّ صريح لا بد من الاعتراف به. فليس كل حقل ذهبي هو حقل قمح. فالشعير والشوفان والجاودار وحبوب أخرى قد تعطي الانطباع الأول نفسه، وحتى داخل القمح نفسه يختلف الطول واللون والسماكة وموعد الحصاد باختلاف الصنف والطقس والتربة وطريقة إدارة المزرعة. أنت تبحث عن دلائل، لا عن حكم نهائي من جانب الطريق.

قد يسير شخص واحد بمحاذاة حقل تلامس فيه رؤوس الحبوب ذراعيه، بينما يضيف ذلك المحصول نفسه إلى ما يقارب 787 مليون طن في عام واحد.

ADVERTISEMENT

حين ينفتح باب الحقل الهادئ

هذا هو الجزء الذي يفوت معظمنا. فقد يبدو حقل القمح فارغًا ومحليًا وشبه خاص. لكن هذا الهدوء مضلل. فما تراه أمامك ليس إلا مرحلة مرئية واحدة ضمن واحدة من أضخم الدورات الغذائية المتكررة على الكوكب.

ومن الحقل إلى الوجبة، ينتقل القمح عبر سلسلة متكررة تحوّل مشهدًا محليًا إلى غذاء يومي يعبر القارات.

كيف يتحرك القمح عبر النظام الغذائي

يُزرع عبر مناطق شتى

سنة بعد سنة، يُزرع القمح عبر مساحات شاسعة من أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية وأستراليا وشمال أفريقيا وما وراءها.

يُنقل إلى المطاحن

بعد الحصاد، ينتقل الحب إلى المطاحن حيث يُعالَج ليصبح دقيقًا.

يُحوَّل إلى دقيق

ثم يصبح ذلك الدقيق مكوّنًا أساسيًا جاهزًا للمخابز، وخطوط الإنتاج، والمطابخ المنزلية.

يُؤكل في صورة أطعمة يومية

فيدخل إلى وجبات المدارس، وأكشاك طعام الشارع، وأكياس النودلز سريعة التحضير، وموائد العشاء، والخبز، والمعكرونة، والنان، وكثير من الأطعمة المألوفة الأخرى التي نادرًا ما تلفت الانتباه إلى الحقل الكامن وراءها.

ADVERTISEMENT

ويتجلى حجم الأمر سريعًا حين تضع الحقائق جنبًا إلى جنب. مئات الملايين من الأطنان. تُحصد عبر مناخات كثيرة. وتؤكل في صور عادية إلى حد أنها تختفي داخل الروتين. رغيف خبز، أو طبق معكرونة، أو قطعة نان، أو كيس نودلز: أطعمة مختلفة، لكن الحبة التي تقوم تحتها واحدة.

ولهذا تكتسب تلك الملامسة القريبة من زمن الحصاد أهميتها. فالرؤوس الجافة التي تحتك بذراعك هي دليل. إنها تُظهر أن النبات قد ارتفع وامتلأ ومال نحو اللحظة التي تتوقف فيها المزرعة عن الانتظار وتبدأ في جمع قطعة أخرى من غذاء أساسي عالمي.

هل هذا إضفاء طابع رومانسي على الحقل؟ نعم، فقط إذا توقفت عن النظر سريعًا

وثمة اعتراض وجيه هنا. فالحقل قد يبدو هادئًا على نحو يحجب الجوانب الأصعب في الزراعة الحديثة: الوقود، والمخاطر، والجفاف، والديون، واستخدام المواد الكيميائية، وتقلبات الأسعار، وحقيقة أن موسم القمح في منطقة ما قد يختلف تمامًا عن موسمه في منطقة أخرى. فإذا لم ترَ سوى ضباب ذهبي، فذلك ليس فهمًا. بل مجرد مشهد طبيعي بإضاءة أفضل.

ADVERTISEMENT

كيف تنظر إلى القمح من دون أن تختزله

خرافة

حقل القمح إما جمال ريفي بسيط، وإما مجرد منظر مجهول لا اسم له.

الواقع

القمح هو في آنٍ واحد نبات قائم حيّ وسلسلة إمداد كبرى تشكّلها عوامل الوقود والمخاطر والجفاف والديون والمواد الكيميائية وتقلبات الأسعار.

لكن الجواب ليس أن تصرف نظرك. بل أن تصبح أقدر على قراءة ما أمامك. فرؤية الجمال والاعتماد المادي في الوقت نفسه أفضل من اختزال الأراضي الزراعية إلى حنين للماضي أو إلى صناعة محضة. فالقمح، في آن واحد، نبات قائم حيّ وتيار إمداد ضخم يعتمد عليه الناس كل يوم.

وحين تعرف ذلك، تتوقف التفاصيل الصغيرة عن أن تكون صغيرة. فالحقل الذي يقف عاليًا وكثيفًا قرب قمته ليس مجرد ريف عام. بل هو محصول يقترب من نقطة التسليم بين الطقس والنظام الغذائي.

الحقل يقول أكثر مما يسمعه معظمنا

والشيء المفيد التالي الذي يستحق الانتباه هو الهيئة. فالقمح حين يقترب من الحصاد يفقد غالبًا تلك الحيوية الربيعية المنتصبة، ويبدأ في أن يبدو أكثر جفافًا وامتلاءً واستقرارًا تحت ثقل رؤوسه. ومن بعيد قد يبدو الحقل شبه متجانس، لكنك إذا اقتربت رأيت أن الجزء العلوي من النبات هو الموضع الذي كُتبت فيه الحكاية.

ADVERTISEMENT

ولست بحاجة إلى مؤهلات زراعية لكي تقرأ تلك الحكاية على نحو أفضل. راقب ملامسة الساعد. وراقب كثافة الطبقة العليا. وراقب نباتًا يبدو كأنه يحمل حبًّا، لا أنه يكتفي بصنع الأوراق.

استفد من ذلك في المرة المقبلة التي تمر فيها بمحاذاة حقل من الحبوب: فإذا كانت الرؤوس تلامس ذراعيك، وكان المحصول يبدو ثقيلًا قرب القمة، فأنت على الأرجح تنظر إلى قمح بات قريبًا من الحصاد بما يكفي لكي تكف عن تسميته مجرد منظر.